العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

محمد شومان لتحولات:

الكتابة أفق مفتوح على الأسئلة والاستفسارات والحيرة والقلق الدائم
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

حاورته مريم خريباني

** محمد زينو شومان، شاعر قرأته فامتلأت شعراً!

هو الذي يصف نفسه بالفتى الهامشي الذي جعل من هامشيته قوة أو أداة لرؤية جديدة متبصّرة، للمجتمع وما يغلي بين ضلوع المجتمع من قهر وظلم واستبداد، لتصبح الهامشية فعلاً إيجابياً يسخرها لخدمة النص الشعري وخلق القصيدة التي تحكي قضية وتعلن رأياً وترفع راية الإنسانية.

للوقوف على ما يحمله الشعر من هموم إنسانية ووطنية وحياتية التقت تحولات الشاعر محمد زينو شومان صاحب التجربة الشعرية العريقة، وكان هذا الحديث:

1 ـ قبل الكتابة لم أكن شيئاً،

وهذا القلب لم يذرف، على ورقٍ غمائمه

أكنتُ إذاً على وشك التكوّن؟

هذا ما تقوله عن نفسك، ألا يزال السؤال يعصف في قصيدتك وهل الكتابة قادرة على صنع الذات إلى هذا الحد؟

ـ أستطيع أن أبدأ من الفقرة الأخيرة من السؤال، إذ إنّ الكتابة بحدّ ذاتها ليست محطة أخيرة ولا تشكل نقطة نهائية ولا فاصلة، فالكتابة أفق مفتوح دائماً على الأسئلة والاستفسارات والحيرة والقلق الوجودي الدائم. من هذا المنطلق بقيتُ في حالة استنفار دائم للبحث عن الأسئلة المعتملة في داخلي والتي كانت تشيعها القضايا والإشكاليات المطروحة المنبعثة أصلاً من طبيعة التجربة الحياتية والشعرية التي أعيشها. من هنا أيضاً كانت الكتابة هي الوسيلة الوحيدة بالنسبة لي للإمساك بخيط ولو ضئيل بالحقيقة التي تدنيني من نفسها ومن أسئلتي. هذا هو التحدي الأول الذي واجهت به نفسي والذي كان تعبيراً عن حالة الغضب المكتنزة أو التي كنت أكتنزها منذ نشأتي الأولى أو لأقل، من بدايات التفتّح على الحياة والواقع المر الذي عشته ووعيته كنت انتمِي إلى طبقة اجتماعية تعاني من الأمرّين على المستوى المادي والاقتصادي بحثاً عن لقمة العيش وسدّ الرمق، وبحثاً آخر عن الذات في واقع كان بقتامته يشكّل حاجباً دون معرفة أسباب الأزمات التي يعانيها مجتمعنا بشكل عام والفرد بشكل خاص. من هنا كان الشعر هو المفتاح الحقيقي لاكتشاف مجاهل الذات والواقع والوجود والآخر. وهذا ما يجعل الكتابة خياراً أوحد بالنسبة لي للقبض على هذه الحقائق التي ذكرتها.

2 ـ أيّ واقع ترك أثره المرّ في ذاتك أكثر من غيره، الواقع المادي أم الاجتماعي، الثقافي, أم السياسي؟

ـ أنا لا استطيع أن افصل البعد المادي عن الموضوعي، لعلاقة الاثنين أحدهما بالآخر. فعملية الترابط بينهما ناجم عن عملية شبه معقدة ومتلازمة، وقد لمست بدايات هذه العلاقة منذ أن وعيت ذاتي محاصراً بواقع اجتماعي ومادي وسياسي وثقافي يتجلى في تلك الهوّة السحيقة أو هذا التباين الاجتماعي الطبقي في المجتمع، وخصوصاً أني أنتمي إلى أسرة فلاحية مرتبطة بالأرض ومنغرزة فيها. هذا الارتباط في الواقع، جعلني أتحسّس مصادر المشكلة المتمثّلة بالقهر الاجتماعي، فكان الشعر سبيلاً في البدايات إلى التعبير عن هذا الواقع. ولكن مع تطوّر التجربة ونضج الأدوات الفنية، تحوّل التعبير إلى طرح أسئلة أكثر عمقاً وارتباطاً بالوجود والقضايا ذات البعد الانطولوجي والفلسفي والتفصيل منوط بمهمة النقد.

3 ـ الفلسفة وليدة الدهشة. هكذا يقول أفلاطون. برأيك، هل الشاعر بذرة فيلسوف؟

ـ الشعر والفلسفة مرتبطان بأصل واحد ويمتحان من بئر واحدة. والشعر الأكثر إدهاشاً هو المحمّل برموزه وأسئلته ونظرته إلى ما هو أبعد من المظاهر والحجب والأشكال، أي، هو محاولة لاختراق هذه الحجب بنظرة استطلاعية واستنباطية، نظرة تتجاوز الغلاف الخارجي للأشياء وللكون إلى جوهره وحقيقته، وهي لا تتجلى إلا لمن يتمتع بقدرة رؤيوية، وهي في مثل هذه الأغراض والمقاصد والمرامي إنما تلتقي والفلسفة لتكشف عن المخبوء بقدر ما يطرحان من أسئلة لها علاقة بفهم الكون وقوانينه وأبعاده.

4 ـ تقول:

أسئلتي تكرر نفسها

والشعر يلهث في الطريق..!

إذن، لم يتوصل الشعر بعد للإجابة عن أسئلتك المتكررة.. وطريق الشعر طويل طويل..!؟

ـ ربما كان جزء من الإجابة عن هذا السؤال يكمن في بعض ما ذكرته وما أريد أن أضيفه هو  ما يؤكد أن الشعر ليس مكلفاً أو غير مهتم بتقديم معادلات رياضية بل إن مجاله الحقيقي هو طرح الأسئلة التي لا تكتفي بأجوبتها وهو ما قصدته من أن الشعر يلهث في الطريق.. فهذا اللهاث، هو دليل على جرثومة القلق التي تسكن بين ضلوع الشاعر دون أن تسعى إلى علاج ودون أن تنظر إلى البرء من هذا الداء.

5 ـ هل يغرّك أنك شاعر؟

ـ أعتقد أن الغرور هو مقتل الإنسان أيّ إنسان، فكيف بالشاعر؟ هذا شعور لم ينتبني مرة على الإطلاق، عدا أنه ليس هناك مما يدلّ على تمظهره في نصي الشعري. إن الغرور في نظري صفة ذميمة حاشا أن يقع فيها الشاعر وإلا كان انحداره الخلقي والإنساني والإبداعي محتّماً. فليس هناك أكثر إساءة إلى الأدب والفكر والثقافة من الإحساس بالتعالي ومن ثم الغرور. ولكن، علينا أن نميز بين الغرور والإحساس بالانتشاء الذي يولّده هذا الارتباط بالشعراء، وربما اختلط هذا الشعور بالانتشاء بضربٍ من المكابدة التي لا يعي ضراوتها إلا من مسّته حمّى الأدب والشعر، أي لعنة الكتابة التي تحوّل حياة صاحبها إلى أرقٍ متواصل لا يمكن الركون معه إلى شيء من الراحة لا الجسدية، ولا الذهنية، إذ إن الشاعر هو دائماً في حالة تيقّظ مطلقة وفي حالة استنفار واستعداد تتطلّبها عملية الكتابة التي لا تختلف في شيء عن عملية الخلق.

6 ـ هل الشاعر كائن ورقي؟ فهو حالم ومسكون بالدهشة دائماً. كيف يمكنه أن ينتصر لقضية وينصرها بالفعل؟

ـ أعتقد أن الشعر هو فوق كل المقولات والنظريات التي ما كانت يوماً إلاّ لقولبته والحدّ من اندفاعته، ولأسره ضمن مقولات لا تعبّر عن فحوى الشعر بقدر ما تعيق الشعر وتكبّله وتمنعه من الانطلاق. فعلاقة الشاعر بقضايا مجتمعه وقضايا الإنسان والعالم، علاقة لا تتحدّد بالمذهب الفني أو الأدبي الذي ينتمي إليه بل بكيفية التعبير عنه. والخروج من كل هذه التصنيفات لا يعني أن الشاعر هو كائن خرافي أو ورقي مسكنه الأبراج العالية أو الصومعة الورقية، بل هو يحطم هذه القيود الخارجية والشكلية ليشارف عالم الإنسان من الداخل. ومن هذا المنظور فإن الشاعر أكثر انغماساً وانهماكاً بكيفية التعبير عن مأزق الإنسان ومأزق المجتمع ومأزق الثقافة المقفلة لينخرط في عملية تحرير الإنسان من كل هذه القيود والنظرة الدوغمائية التي تحبط عملية التطور من أجل عالم أكثر انفتاحاً وتحرراً وارتباطاً بالإنسان وهمومه وهواجسه وقلقه الحقيقي.

7 ـ بالعودة إلى القصيدة وإلى قصيدة محمد زينو شومان تحديداً..

كشاعر متمرّس بالقصيدة تدكّ قلاعها بقوة العارف، ترى، هل نأت بك القصيدة إلى عالم بعيد عن الواقع، بمعنى إلى الحلم اللا متناهي؟

ـ هناك استحالة الفصل بين الواقع والحلم، بمعنى، أن الحلم ـ وحلم الشاعر تحديداً ـ هو رؤية مستقبلية، إذا صحّ التعبير، لواقع إنساني لا يشوبه ما هو يتخبّط فيه من صراعات مدمّرة ومما تتحكّم فيه عوامل الاستبداد والقمع والتهميش، إلى ما هنالك من تغييب بل طمس لوجود الإنسان والقضاء على حريته وتحويله إلى ضحية دائمة تظهر مدى سيطرة القمع في هذا العالم. فإذا كان هذا هو الحلم البديل الذي ينشده الشاعر فهل هو بعيد عن الواقع؟ أليس هو الواقع المرتجى المحلوم به؟ وأليس هو ما ينذر الشاعر نفسه لتحقيقه، أي بكلام آخر، إنّ ما يرجوه الشاعر من الحلم هو صورة لواقع يريد للمجتمع الإنساني بلوغه، ولا اعتقد أنّ في المقارنة بين الحلم والواقع ما يثبت وجهاً من وجوه الاختلاف أو التعارض أو نفي الواحد للآخر.

تأسيساً على هذه الرؤية فانّ القصيدة لم تكن كائناً ميتافيزيقياً منقطع الصلة برحمه الأصليّ إلا وهو فعل الكتابة. إنني لم أحلّق خارج الهاجس الذاتيّ والوجوديّ الذي رافقني منذ البداية بل، استطيع التأكيد أنّ نصّي الشعري لمن يتفحّصه ويتقصّاه نقدياً، هو أشدّ ارتباطاً بالمؤثرات النفسية والفكرية والاجتماعية التي تركت بصماتها في نشأتي وتكويني الشعري.

8 ـ هل سمة الحزن من ميزات الشعراء؟ إذ تبدو متألماً حزيناً في بعض قصائدك حتى أنك رفعت تقريراً إلى جلالة الألم تقول فيه:

يا سيدي.. لن يرجع الشعر غداً مطأطئاً هامته

وفاغر الكفين،

فها هنا في داخلي سحابة مقفلة

ضائعة المفتاح..

ـ الحزن، حقيقةً، ربما كان مكوّناً من مكوّناتي، ليس بالمعنى الفزيولوجي بل بالمعنى الوجودي. وإذا أردت أن أوضّح هذه النظرة، فلا مناص من العلاقة التي تربط بين الحزن ورؤيتي الفلسفية. فالحزن عائد في نظري إلى أسباب وجودية تبدأ بانسلاخ الإنسان من المكان الأول أي الرحم. هذا الانسلاخ أو الغربة التي تفرض على الإنسان أن يعيشها مهاجراً إلى المستقرّ الأخير الذي هو بتشكيله الهندسي، البديل للرحم، واعني القبر.

هذا هو المظهر الأول للحزن ببعده الوجودي، أما المظهر الآخر فهو ذو بعدٍ اجتماعي وثقافي ومادي. ولتقريب الصورة أكثر أقول، إنّ الحزن بهذا المعنى هو أحد المؤثرات التي خلّفتها في نفسي حالات الظلم والفوارق بين البشر، التي هي نتاج الاستبداد والتمييز الاجتماعي والاثني (العرقي)، وهي دوافع كافية لأن تترك في نفس الإنسان هذه الكمية من الحزن والألم والإحساس بالمقت والغضب والتمرّد.

9 ـ أنت القائل:

أكلّما عدت إلى باب المخيلة

فوجئتُ

أنني بلا مفتاح؟

كيف تجد مفتاح قصيدتك ومن منكما يبحث عن الآخر، الشاعر أنت عن القصيدة أم القصيدة عنك أنت الشاعر؟

وهل يحصل أن تتواطأ اللغة ضدّ الشاعر فتؤجّل القصيدة أو تلغيها؟

ـ لنقل بمعنى من المعاني، إنّ عملية البحث مشتركة. ولكنّ الأكثر تحريضاً هو المفارقات وبعض الأحداث أو الحوافز التي تثير فضول الشاعر، وتحرّضه دائماً على أن يبقى بعينين جاحظتين لالتقاط أول الخيط من حالات التحريض أو الاستثارة التي تعنّ له، ليجعل منها مفتاحاً لقصيدةٍ جديدةٍ ليس بالإمكان القبض عليها إلاّ بعد مشقّة بل مشقّات. وهذا ما يجعل الشاعر أن يظلّ دائماً على أهبة الاستعداد ومتنبّهاً كصيّاد الحجل، وإذا فاتت الطريدة ظلّ هو يبحث عن ضالّته المنشودة.

إنّ صيد القصيدة ليس بالأمر السهل. وليست متاحة في أي وقت للشاعر. إنها (القصيدة) امرأة عصية لا تبذل نفسها ساعة يشاء الشاعر، بل على الشاعر أن يكون المبادر دائماً وباذلاً كل ما لديه من وسائل لاستدراج القصيدة إلى شباكه، مما يعني أن لا بدّ من علاقات سببية تمكّن الشاعر من أن يطوّع اللغة لما يريد قوله. إذ إنّ اللغة هي في النهاية أدوات الشاعر بل هي الطين الأول لمخلوقه الإبداعي.

10 ـ مراوغات الفتى الهامشي، عنوان أحد دواوينك. هل هذا الفتى هو أنت، يكتب نفسه وتحوّلاته، معاناته؟ هل تمنيت للحظة لو أنك لم تكن أنت؟ وكيف تحديت هذا الوضع الهامشي لتصبح محمد زينو شومان شاعراً من الدرجة الأولى؟

ـ الهامشية ليست فعلاً سلبياً أي الانعزال والانعتاق من علاقة الشاعر ببيئته ومجتمعه، ونضاله من أجل تحرير المجتمع من كل عوامل الإحباط والسلبية والعزلة والانكماش.

وبالتالي فإنّ الفتى الهامشي، هو الأكثر التصاقاً بواقعه وبضرورة النضال. لذا كانت الهامشية نوعاً من نقل الصراع إلى ساحته الأصلية وليس مجرّد صفة منتحلة للهرب من الواقع. والهامشي أيضاً، هو الجوهر والمتن، أي متن النص أي عمقه, والحلبة الحقيقية التي يعتليها الشاعر ليكون في وسط الضوء والمعمعة، وليعلن انتماءه إلى جوهر الإنسان. لأنّ الهامشية تتخذ منحى وجودياً وإنسانياً واجتماعياً تحمل الشاعر على أن يكون هو ذاته، ولكي يؤكد أن هامشيته هي هويته كإنسان ومبدع ومكافح انطلاقاً من تحديد هذا الموقع الذي ينتسب إليه ويعبّر عنه, ولكن بصيغة الشعر.

الكائن الشعري هو أنا نفسه، مهما تعددت صيغ التعبير التي ليست سوى مراوغة من مراوغات الفتى الهامشي.

فهذا الصبي الذي يختبئ بين السطور ويقفز أحياناً من عبارة إلى أخرى، ويلوذ بهذا المعنى أو ذاك، ويتسلّق هذه اللفظة أو تلك إنما هو واحد، أظنّه ليس واحداً غيري. حاولت منذ أن اكتشفت أن الكتابة هي وسيلة الخلاص وأنّها هي التي تحملني على كتفيها إلى حقيقتي ووجودي, منذ ذلك الوقت وأنا أتنفس من خياشيم النص. وأظنّ أنه لا سبيل آخر للهامشي إلا أن يعلن ثورته متسلّحاً بهذه اللغة التي يجمع شتاتها من حقولها الدلالية، ومن أفواه الناس البسطاء العاديين، فكأنها ليست سوى التفاحة المحرّمة التي ما كان في وسعه, لولاها، أن يكتشف مذاق الشعر والفردوس المفقود.

12 ـ بول فاليري شبّه الكتابة الشعرية بالرقص. هل تجدها كذلك من خلال تجربتك العريقة مع القصيدة؟

ـ هناك من شبّه الشعر بالرقص والنثر بالمشي للتمييز بينهما. وفي الحالتين يتخذ الرقص بعداً موسيقياً لكونه يعبّر عن هذه الطاقة المختزنة لدى الشاعر، بما يجعله أحياناً يتخطى حالته الأرضية محلّقاً في فضاء لغويّ تفقد فيه القدمان وظيفتهما، ليصبح الشاعر في حالة تدويمية. ربما كان فاليري ذا بصيرة حادّة, أمدّته بهذا التعبير الراقص الذي، هو أقرب ما يكون إلى حالة الطيران التي يمرّ بها الشاعر حين يرتفع عن مستوى الأرض ليستعمل اليدين كجناحين في عملية التحليق.

13 ـ في شعرك هناك الكثير من الإسقاطات الأنثوية، وهذا بارز في مجموعتك الأخيرة لا تعاودي العبث.

أهي الأنثى بحدّ ذاتها التي يتمحور حولها الكون الكلي؟

للمرأة وجودها المرتبط بوجود نصّيَ الشعري نفسه، ولئن اختفت في بعض الحيل الشعرية والفنية ولكنها، تقبع على الدوام خلف الحقيقة اللغوية. ولا أتصوّر أنّ شاعراً يمكنه تجاهل المرأة كياناً وحضوراً وتعبيراً وكناية، لأنها أساس الوجود بل هي مبرّرة وجود الشاعر نفسه. فهو ينتمي إليها كينونةً وإيحاءً متعدّد المظاهر. وهل يمكن حصر الأنثى في لغة تدين لها بميزة الخلق والولادة والمخاض؟!

14 ـ قصيدة الحداثة، لماذا برأيك كثر موالوها ومعارضوها؟ هل تجد تفسيراً لحجة كلا الطرفين؟

ـ سؤال إشكالي ومتشعّب. وقد استغرق ما استغرق من تجاذبات، وقد شغل النقاد والمهتمين والشعراء والقراء، منذ أن طرحت الحداثة كمشروع تغييري منذ منتصف القرن الماضي. لذا وسأختصر بالجواب وأقول، إنّ قصيدة النثر بعيدة عن كل هذه المعمعة التي رافقتها. باتت أمراً واقعاً ولا أجد أيّ ضيرٍ في ذلك، كما أنني لا أتعاطى معها كمخلوق مونغول بل هي شكل من أشكال التعبير، وقد استطاعت أن تشقّ طريقها وأن تحظى باهتمام الجيل وجيل الشباب، من الشعراء الذين اتخذوا منها أداة للتعبير.

عليه، لم يعد هناك من مسوّغ لمناهضتها والوقوف في وجهها، ولْتُتركْ للشاعر حرية الاختيار وهو أدرى بالطريقة التي يجدها أكثر ملاءمةً له، ما دام الشعر ليس حكراً على أحد، ولا يتوقّف على الأسلوب وحده. كما أنّ الأوزان ليست هي الشرط لإثبات الشاعرية.

15 ـ بالحديث عن قصيدة النثر وشعراء هذا الجيل، ما علاقتك بهم (شعراء الجيل) تتابع الجديد إجمالاً؟

ـ لا شكّ أنّ في قصيدة النثر ما يلفت النظر. وهنا أتحدّث عن بعض التجارب المهمة لشعراء استطاعوا أن يوظّفوا هذا الشكل الجديد بما يؤكّد الضرورة الفنية لتعدّد أشكال التعبير. لأنّ الشعر لا يمكن أن يحبس في الشكل التقليدي وحده مهما كانت الدوافع وحجج بعض المتعصّبين لعمود الشعر وموقفهم الرافض، أو المشكّك، المنطلق من نظرة ضيّقة ومن ذرائع لا تمتّ إلى الشعر بل هي, في معظمها، أسيرة التعصّب الأعمى للقديم والموروث.

ومن بين التجارب الحديثة، إضافةً إلى الرواد من أمثال أدونيس ومحمد الماغوط وشوقي أبي شقرا، فأنا شديد الإعجاب بالنص ذي البعد الصوفي والميتافيزيقي للشاعر نعيم تلحوق الذي، ربما ظلم كثيراً نتيجة التصنيفات وتجاذب المواقع التي تعتري عملية النقد والتصنيف في المرحلة الراهنة.