العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

القصيـــــدة - الســـــؤال

سالار اوسي
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

"كأننا لم نلتقِ... كأننا لم نفترق" لسونيا سليمان

في مجموعتها الشعرية الأولى، تطرق سونيا سليمان باب الشعر بحذر خالٍ من التردد، مستعينة بلغة شفافة وانسيابية كانسياب قطعة حرير على جسد عذراء.

فالشاعرة في باكورة أعمالها تقارب موضوعات في الحب والحياة والفرح والحزن والأمل والألم والشك والإيمان، عبر مفردات منشأها حسي ووجداني حيناً وعقلاني حيناً آخر، أو لنقل مفردات وجمل تسير على الخط الرفيع الذي يفصل ما بين العاطفية الحادة والعقلانية الثقيلة، دون أن تفقد توازنها فتتهاوى.

ثمة بوح عنيد، بوح صارخ يتعدى الجرأة في تناولها للعلاقة بين الرجل والمرأة من خلال الكشف والإعلان عن الذاتي والجوّاني العميق لديها.

معظم قصائد المجموعة تقترب من الجواب /الأجوبة، لكن طغيان الشعري في تلك القصائد تشدها باتجاه الظهور بمظهر السؤال، السؤال الذي إذا ما تم الجواب عليه

انتفى أو فقد شرعيته:

 

العشّ الذي نصنعه الآن معاً

لا أدري

لماذا أتعثر دائما

بالبيض المكسور داخله؟

 

عبر قصائد قصيرة (بعضها قصيرة جداً) ثمة بحث عميق لدى الشاعرة في أعماق الأنثى، في كيميائها، وفي تكوين الذكر و"مغناطيسيته" في علاقته مع الأولى، تلك العلاقة -اللغز، التي كلما ازدادت وضوحاً في ظاهرها المرئي، ازدادت غموضا في عمقها اللامرئي، وفتحت دوائر متتالية ولا نهائية نحو أسئلة تبدو أجوبتها بديهية، لكنها في الوقت ذاته عصية على الحسم:

 

كيف أتذكرك في الأيام القادمة

وأنفض عني كل ما لامسته

يداك الشقيتان؟!

أيها الجاحد

أنت كالعرق الذي يخرج من مساماتي.

 

في قصائد أخرى من المجموعة، ترفع الشاعرة صوت انكساراتها بصخبٍ مفعم بالتحدي، لكنه تحدّ مسالم يخرج أحيانا عن حيز الوعي لديها، وتنظر إلى حزنٍ يسير مع الفرح بشكل متوازٍ ومتعرج باتجاه متاهات المعلومة:

 

دائماً كنت أبحث

عن حزنٍ لا يشبهني

كي أكتبه بفرح

وعن شيء ما فيك يشبه حزني

ليكون عنوانا لذاك الفرح.

 

وفي قصيدة أخرى:

 

الأسود الذي ترتديه

ليس أكبر من حزني

لكنه صغير جداً

على مساحة فرحك

 

تفتح الشاعرة في مجموعتها البكر هذه، الطرق أمام نهايات محيرة، تبدو افتراضية تارةً، وواقعية حتى النخاع تارةً أخرى، نهايات لا تشبه النهايات، لذلك يبقى دائماً ما هو نابع من الرغبة لديها، كسلاح ليس بالضرورة أن يكون فعالاً، وعليه فلا مانع من خوض معارك ليس فيها طرف منتصر:

 

إن شئتُ واحد أنت

وأنت كلهم حين أشاء.

 

للعتب أيضاً مكانه في عدد من القصائد، غير أنّه يعلن عن ذاته كحالة طقسية لا أكثر، فالقلب وحده يفكر ويرى دون أن ينتبه العقل إلى تهميشه:

 

كيف لي أن أغرق

في كل هذا الغياب

ولا أرتجي شراعا واحداً

يبحر صوب وجهك.

 

الحنين يغطي سماء القصائد في "كأننا لم نلتقِ.. كأننا لم نفترق"، غير أن الحنين إلى المكان الأول عند الشاعرة سونيا، له هيئته الملائكية، حنين مشوب بالشيء ونقيضه، أو ربما هو وفاء للحظة لا تُرى في تلافيف ذاكرةٍ تئن بوجع:

 

ديروتان (دير الأوثان)

شال من حجر ومن قمر

رماه إله فينيقي خلسةً

فوق كتفي جبل

وترك أطرافه مبتلةً

ببحره إلى الأبد

ثم استدار...!.