العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

فؤاد حمدي لـتحولات لا أعتبر الفن مهنة ـ إنما الفن موهبة وإبداع

السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

فؤاد حمدي رسام ونحات عراقي. مؤسس متحف الإبداع العراقي مع الفنان الرائد نوري الراوي عام 2001 لديه قاعة خاصة في متحف الإبداع تتضمن ثلاثين تمثالاً لكبار الفنانين العراقيين نفذت بطريقة التوثيق (الصب المباشر) التقته تحولات في دمشق وكان هذا الحوار.

س ـ من أين تبدأ ولادة الفكرة لدى الفنان فؤاد حمدي وأين تنتهي؟

ج ـ لكل فترة في حياتي ظروفها الخاصة ويكون إنتاجي الفني ثماراً لها حسب حالتي النفسية. أنا لم ارسم المواضيع التزيينية ولا أحب أن أكلف برسم لموضوع ما. أن أرسم تأثيراتي في الحياة وما يدور حولي كان سلبياً أو إيجابياً وأعبر عنه بطريقتي الخاصة كان رسماً أم نحتاً. فأحيانا يؤثر بي موضوع ما وأبدأ بالتخطيط لإنجاز لوحة معبرة عنه لكني أتفاجئ بحيث يجرني استلهامي للموضوع وإذا بي أنتج أكثر من خمسة لوحات أو أكثر عن نفس الموضوع. وأحيانا أكون هادئاً وأجلس في مرسمي بدون تخطيط لأي عمل لكن لا أكاد أن أضع فرشاتي على لوحة بيضاء حتى تقودني إلى نتيجة لم أكن أحلم بها من قبل. حيث استرسل بالعمل كأني أحفر بالأرض بحثاً عن الآثار. 

س ـ أين يكون الفنان فؤاد حمدي أثناء العمل؟

ج ـ عندما أبدأ في عملي الفني كان رسماً أم نحتاً فإني أبدأ بالانقطاع عن ما حولي تدريجياً. فأعيش لساعات كأني منوّم مغناطيسياً أدمج مع العمل روحياً ومعنوياً حتى ينسيني التدخين. 

س ـ الاحتلال وتأثيراته. لماذا الوجوه في لوحاتك الأخيرة؟

ج ـ إن احتلال الأرض سهل جداً فلابد من أن يأتي يوم وتتحرر الأرض لكن احتلالنا احتلال نفوس وشق الصفوف ودب الرعب في النفوس. فكل الشعب وأنا واحد منهم بدأنا نمشي في الشوارع أو أي مكان عام أو خاص نتلفت حولنا وكل شخص يمر بنا نشك به سلبياً خائفين كل واحد من الآخر بسبب أو بدون سبب فأصبح شبح الموت ملازم لكل إنسان في العراق. فأصبح خوفنا من الشخوص والوجوه وليس من الآلات العسكرية المدمرة. لقد امتلئ الشارع بالوجوه الجديدة وتغيرت وجوه شباب المنطقة ووجوه أصدقاءنا وحتى أهلنا والكل قد تغير إما أن يكون مرعباً وإما أن يكون مرعوباً فالابتسامة الصفراء الشاحبة المليئة بمعاني الموت قد غزت معالم الوجوه الجميلة البريئة (فالكل خائف من الكل) فتصور وأنا في هذا الجو المشحون كلما بدأت برسم لوحة ظهر لي الوجه فيها فأخذت لوحاتي تتفرد شيئاً فشيئاً حتى أصبحت لوحاتي كلها وجوه وقد استسلمت لهذه الوجوه بمعنى الخط أو الشكل لكني بدأت أحاورها من حيث اللون وأبذل قصارى جهدي لأعيد لتك الوجوه براءتها وأزيل عنها مخاوفها. فأحيانا أنجح وأحيانا يستعصي عليه وعلى اللون إرجاعها إلى حقيقتها. فقد ثبتت وجوهي في لوحاتي وكان وجهي بينهم وأتمنى من الله أن يعيد لي وجهي ويعيد للوجوه براءتها وجمالها الحقيقي.

س ـ من هم جمهور فؤاد حمدي؟

ج ـ كان يا ما كان لي جمهوري الخاص في بغداد وبعد خراب الدنيا في بغداد اتخذت أنا وأغلبية الفنانين العراقيين من الأردن سوق وعرض إنتاجاتنا الفنية. وحالياً أنا مقيم في البلد الشقيق سورية بعد اطلاعي عليها فنياً وأقمنا ثلاث معارض كبيرة في دمشق وحلب. وإن أكثر مبيعاتي في السنة الأخيرة في هولندا ولندن.

س ـ أبعاد الألوان لدى الفنان فؤاد حمدي؟

ج ـ أنت تعرف أني رسام ونحات. فاللون عندي في اللوحة هو الأساس أعتمد عليه كلياً في التعبير فاللون هو الذي يحرك مشاعري ومشاعر المشاهد. أما الخط الشكل هو مكمل لإنشاء اللوحة قد يكون ضرورياً ومهماً أحياناً خاصة في اللوحات التي تحتوي على شخوص أو أشكال لكنه يعدم في حالة التجريد أي بمعنى آخر تقل أهميته عن اللون. لكن في حالة النحت فالعكس هو الصحيح يكون الاعتماد الكلي على الكتلة والخط الشكل.

س ـ أين فؤاد حمدي من التخصص الفني؟

ج ـ أنا لم أتخصص لحد الآن لأني لا أعتبر الفن مهنة. إنما الفن موهبة وإبداع وأمارس الرسم والنحت في آن واحد حسب ما يمليه عليه الموضوع. أما صب القوالب على الموديلات الحية فإن هذه الطريقة من ابتكاري ولي الريادة في ذلك عربياً وحتى دولياً. وقد استغليت هذه الطريقة بتوثيق أكثر من أربعين فنان مبدع في العراق وأنجزت لهم تماثيل شخصية وضعت في متحف الإبداع العراقي الذي أنا مؤسسة مع الفنان نوري الراوي.

س ـ ما هي الأجواء الملائمة لك عند تنفيذك الأعمال الفنية؟

ج ـ أحب الرسم في الليل وأحب أن أنحت في النهار. لأن سكون الليل وهدوء بيتي وعائلتي يجعلاني أتلذذ وأتحسس الألوان بهدوء وأعمل على اللوحة بإحساس عالي واندماج كلي معها وأعمل بجد متفاني كأن طلوع الفجر ينتظر مني ولادة لوحة جديدة فخور بها أما النحت لأنه يتطلب نشاط وحيوية جسمانية وصدور أصوات وعمل شاق. وأحب مساعدة أولادي لي لهيب وأيهم وأحب مشاطرة آرائهم ونقدهم حول العمل الفني. لا أحب أن أرسم ولا أنحت بحضور أي شخص خارج عن عائلتي حتى ولو كان أعز أصدقائي. لأني أعمل بعفوية تامة واندماج كلي مع العمل ولا أتقبل أي رأي لحين إنجاز العمل. فأي رأي أو تدخل ما بين البداية والنهاية سيكون غير صائب.

س ـ أيهما أصعب لديك في التعبير الرسم أم النحت؟

ج ـ لا توجد لدي صعوبة بذلك لكن كما ذكرت آنفاً أن التعبير بالألوان يكون أكثر انفتاحاً عن النحت فاللوحة عالم غريب عجيب بسبب الألوان. لكن التعبير بالنحت يعتمد كلياً على الشكل (الفورم) أو الخطوط أي بمعنى أن الرسم أوسع تعبيراً من النحت في كثير من الأحيان وليس مطلقاً، وأحيانا يفرض الموضوع نفسه على الفنان باختيار مادته للتنفيذ.

س ـ أرى تحول في لوحاتك التجريدية نحو الحداثة؟

ج ـ لقد عملت في بداياتي على كل المدارس الفنية ودرست التشريح ورسمت الواقعي والكلاسيك. بدأ عملي ينضج تدريجياً وأفكاري اتسعت وأحاسيسي ومشاعري بدأت تتجه نحو الوجدانيات فبدأت أغور في أعماق نفسي فإذا بي أجد أن التجريد هو ضالتي وهو القريب إلى روحي. فبدأت أعمل على هذه المدرسة لسنوات طويلة ولعبت وعزفت بأنغام الألوان وسبحت في الفضاء وغمرت في أعماق البحار ودخلت في مملكة العشاق وعانقت الفرح وعشقت الحياة. لكن الفرح لا يدوم وكأن الله سبحانه وتعالى كتب على العراقيين دوام الحزن. فإذا بلوحاتي التجريدية تظهر بها شخوص أعرفها ولا أعرفها كأنها فنجان مقلوب تقرأ به ما يكن بالقلوب. وأستغفر الله إني لم أقل أقرأ الغيب لكن الغيب قد ظهر في لوحاتي. قد دمرت الوجوه البريئة وحطمت الأجساد الجميلة وكان عذري أن هذه هي الحداثة.

حوار: غالب برجس