العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

الابداع في الموسيقى بين الارضاء والألم

نادية كريت
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

"كان النبي داود يقرأ مزاميره بالألحان، حتى ان بعض الطيور كانت تقع وتموت من شدة الطرب، لأنه حسن الصوت، وكانت اصوات الأنبياء كلها حسنة".

اما الأشجار والصخور، فكانت تتبع "اورفيوس" عند سماعها سحر موسيقاه التي يعزفها. وبالنسبة للملك "ريتشارد" في مسرحية لشكسبير، فلقد دفعته الموسيقى الى الجنون كما يقول الأستاذ "علي الشوك" في كتابه "اسرار الموسيقى". كذلك الأديب الفرنسي الكبير "بلزاك" عند حديثه عن تأثير الموسيقى في النفوس، قال ان الموسيقى هي اعمق انواع الفنون واكثرها تغلغلاً في الانسان. ولكن هل لكل شيء موسيقاه؟ وهل الأثير مليء بالأصداء؟ هل تملك الكواكب لغة موسيقى؟ هل تحاكي بعضها بعضاً؟؟

فاكهة الفنون عطر الابداع، عوالم السحر، فراديس الخيال!!

انها الموسيقى تنساب كالحلم الجميل، كالورود تسافر على وجه الماء! شلالات الأثير التي تتدفق اغاني!!

اما بالنسبة للاله "ابولون"، فله قصته ايضاً، ولقد قال "جبران": "ان الموسيقى كانت حورية في سماء الآلهة تعشق آدمياً وهبطت نحوه من العلو. فغضبت الآلهة اذ علموا وبعثوا وراءها ريحاً شديدة نثرتها في الجو وبعثرتها في زوايا الدنيا، ولم تمت نفسها قط بل هي حية تقطن آذان البشر".

لكنني اجد نفسي اعود الى السؤال حول الابداع في الموسيقى؟ كيف تتم هذه العملية؟ وكيف يتعامل الموسيقي مع هذا النزف الابداعي الذي يتملكه او ينتابه؟ قلنا سابقاً ان الفن مضمون يسعى الى شكل او كما يراه "هيغل" فهو "باطن" يسعى الى "التعبير" او "التجسد". ما هي سمات التجربة التعبيرية الابداعية عند الموسيقي وكيف تتم؟؟

"ان افضل ما في الموسيقى لا يمكن العثور عليه في النوطات" يقول الموسيقار "غوستاف مللر" Gustave Muller (1844-1911). ما معنى هذه الجملة وكيف تتم عملية التعاطي مع النوطات؟؟

ان النوطة الموسيقية، كما قلنا، تخضع لنظام الرقم سبعة الذي هو رقم التناغم والتناسق الذي يقوم عليه "كوكبنا الأرضي". كما قلنا ان العواصف الابداعية التي تعتمل داخل الموسيقار تحوله الى كائن مسحور، لا بل ان عالم الموسيقي هو عالم السحر الذي تعصف به الأهواء والزوابع والعواطف. نحن نبلغ هذه العوالم المسحورة عن طريق الخيال، ولذا اهمية الخيال في عالم الموسيقى، ولذلك نقول ان اكثر الفنون اثارة للعواطف والخيال والهروب والتسامي واللذة والمتعة القصوى نبلغها عن طريق الموسيقى. الموسيقى هي الحياة القصوى لأنها تبعدنا عن الموت الأقصى!! انها الخلاص والمفرّ والحلم والحب والصفاء، اللذة النقية والدعوة الى عالم آخر جميل، اثيري، ناعم، رقيق، متصاعد، ساحر وجذاب!! انها التآلف والتكرار!! ان الانفعال الذي تحققه الموسيقى اقوى من اي انفعال يحققه فن آخر. ولكن كيف يتعاطى الموسيقار مع هذا الورم الموسيقي بالنغم او بالانغام؟؟ باللحن او بالتناغم او بالسمفونية حيث عليه ان يرمي بثقله ليصل الى الارتياح؟ ان المخاض الموسيقي قد يبلغ او يوازي ذروة مخاض الولادة بأوجاعه ودمويته؛ هذا المخاض التعبيري الحسي والابداعي غالباً ما يكون مضرجاً بالدماء، وذلك عند ولادة الأعمال الفنية الكبرى. ابداعاتنا هي اولادنا، وكما الأولاد ابناء الحياة، الأعمال الابداعية هي ايضاً للحياة وللأجيال اللاحقة! حتى الأجنة تميل برأسها نحو قلب الأم لسماع دقاته وهذا ما قد يفسّر تعلّق الانسان بالموسيقى اكثر من اي فن آخر وتأثيرها عليه وانصهاره بها والسحر الذي تمارسه عليه!!

التخمة الابداعية، الوجع الابداعي والنشوة الابداعية! تهب العواصف داخل الموسيقي فتجتاح رياح ابداعية بطريقها كل شيء! صهيل جياد جامحة، اعاصير وزوابع يرتجف لها!! ثم تمطر في داخله مطراً تعبيرياً موسيقياً! هذا الشتاء الابداعي قد ينتج ايضاً عن تكثف ضباب ما او اختمار ما داخل نفس الموسيقار!! يهطل هذا المطر الابداعي الداخلي، فمنه ما يتناثر ويتبخر ويبقى في ذاكرة الكون الموسيقية، ومنه ما يتجمد ضمن "نوطات" تجسده فيسمى سمفونية او سرينادا او كونسرتو او اغنية الخ... ان عملية تبخر وتناثر جزء من هذا المطر تخلق وجعاً داخلياً عند الموسيقي، لأنه لم يتمكن من الاحاطة بكل ما اعتمل في نفسه! هذا الرذاذ الضائع في فضاء الكون هو ما يشكل عملية المعاناة والألم عند الموسيقي المبدع! وهو ما يلزم لخلق عمل موسيقي تام؛ ولكن هل من عمل موسيقي تام؟؟ يترجم كل ما يختلج داخل الموسيقي؟؟ هل هذا ما يفسر جملة الموسيقي G.Muller  عندما قال: " ان افضل ما في الموسيقى لا يمكن العثور عليه في النوطات"؟؟

لا شيء يملأ الأثير بذبذباته واطيافه كالموسيقى، التي تغزو داخل الانسان بحركة تصاعدية تكاملية طلوعية وارتقائية، ناقلة اياه الى اكوان اثيرية مترامية الأطراف والمدى. ان اهم ما في عملية الابداع هو هذا المد او الاندفاق او التدفق او النزيف “Flux” الذي يطغى على المشاعر والأفكار اي على الداخل! ان اصعب ما في عملية الابداع هذه هو تحويل هذا المد Flux كلياً من حالة التبخر والتناثر الى حالة التكثيف! تكثيف هذا المد للاحاطة بكل جوانبه وابعاده؛ هذا التدفق الذي يتسامى ويتعالى داخل الموسيقار بحركة تصاعدية، وتحويله الى كائن ملموس ضمن حدود وامكانات المادة اي ضمن "النوطة" الموسيقية التي تلعب دور القناة، التي عليها ان تحتويه ضمن ضفتيها، تلافياً لضياعه. ولكن ما الذي يمكن ان يحدث في حالة الطوفان الابداعي الكبير والهائل؟؟ كيف الاحاطة بكل هذا الكم من المد او الابداع من دون اضاعة كمية كبيرة منه؟؟؟ ان هذا هو ما يخلق الوجع الابداعي ضمن الموسيقى! ان عملية اعطاء شكل لهذا المضمون ليست بسهلة طالما انه بالنسبة ل Hegel  كما سبق وقلنا، الفن مضمون يبحث عن شكل؟

ان هذا المد او الاجتياح التصاعدي العمودي الذي ينتاب المبدع، كم يكلفه من معاناة واوجاع لتحويله الى مد افقي مادي ملموس تحتويه "النوطا" الموسيقية بين دفتيها؟؟

ما مصير الرذاذ الضائع في فضاء الكون؟ ما مدى الألم الذي تولده عملية عدم الارضاء او الاكتفاء او الاشباع للمضمون تجاه الشكل؟ هل هنالك، في الشعر، عملية غير تناسب كمي بين الأحاسيس والأفكار والشكل الذي عليه ان يحتويها؟ هذه الأحاسيس التي تتدفق كأنهار متخمة بالمشاعر؟ هل يلجأ الموسيقي الى تفجير النوطة كما يلجأ الأديب الى عملية تفجير الكلام؟

Crevaison des mots? او دمج الكلمات بعضها ببعض؟ هل موسقة المشاعر والأحاسيس والخيال بشكل مستنفد وكلي يقتضي تفجير النوطا او توسيع العلامات الموسيقية؟ هل هذا ما تعنيه كلمة غوستاف مللر؟ مع الأخذ بالعلم ان جعل هذه النوطات 8 او 9 مستحيل، لأن الرقم 7 يدخل في النظام الشمسي وتالياً في النظام الأرضي! انه سباعية الموسيقى، هي تماماً كسباعية الألوان، وبالتالي فان اية عملية زيادة للنوطا او تفجيرها مستحيلة!!

ان نابغة الموسيقى، "بيتهوفن" كان يلجأ الى النغمات وحدها ليعبّر عن شعوره وافكاره وميوله. ولكن نابغة القرن التاسع عشر هذا، الرقيق الحساس والعنيف في آن، الذي ترك تسع سيمفونيات، كم كانت معاناته لحظة الابداع، خصوصاً بعدما فقد حاسة السمع؟؟

اما بالنسبة "لموزارت" الذي جدد كثيراً في الميدان والمفرط بحساسيته، فكان يؤلف اعماله الموسيقية كما يغني العصفور! كم كانت نشوة “Ravel”  ومعاناته اثناء انتاجه “Boléro” وكم كلفت "شهرزاد" كورساكوف Rimsky Korsakov  خيالاً واحاسيس لترجمة هذه الأجواء الشرقية الفارسية؟ وتشايكوفسكي، هذا Virtuose المتفوق الف "بحيرة البجع" و "كونسرتو رقم 1"؟

جنون "شومان" Schuman، عبقرية Wanger وثقافته اللامحدودة، لطافة “Mendelson”، صفاء وشفافية وصدق "السيد درويش"، الذي عن طريق اغنائه للفن الشعبي المصري حقق التوافق الرائع بين النغم والكلمات واحدث ثورة فنية عارمة!! "عبده الحمولي" ولطافة حسّه وخفة دمه؛ عملاق الموسيقى العربية الكبير "محمد عبد الوهاب" رهافة حسه وروعة الحانه.. "سامي الشوا" "داود حسين" "قسطندي منس" "منصور عوض"، "السنباطي" "القصبجي" "بليغ حمدي"، "الأخوان رحباني" "توفيق الباشا" "زكي ناصيف" "مرسيل خليفة" "وليد غلمية" ... كلها اسماء شكلت عوالم موسيقية متعددة في عالم واحد هو عالم الابداع والخلق والنشوة والمعاناة معاَ!!

 

التوازن والتناسق والتناغم والتكرار من اهم سمات الموسيقى! كذلك من اهم سمات الشعر... وخاصة التكرار في الموسيقى والقافية في الشعر. ان السحر التعزيمي او ما يسمى La Sorcellerie incontatoire يظهر لنا في الاثنين! نشهد عملية مزج واندماج واتحاد وانصهار بين الاثنين اي الشعر والموسيقى! الشعر يتناهى في الموسيقى والموسيقى تتناهى في الشعر!؟

 

قيثارة

صوتك دفء يدعوني للسكون

لرغبة عارمة للسجود

صوتك همس تعرفه البحور

وسرينادا صافية في ليالي حنيني!!

 

صوتك رذاذ ملء السماء

ودوائر موسيقية ساحرة للاصفاء

صوتك ترانيم بالغة الصفاء

وسفر بعيد في "نوطا" عيوني!

 

صوتك غابات كثيفة الأشجار

وخنشار وفراشات وينابيع وازهار

 

صوتك كونسرتو تعشقه الأوتار

وسيمفونية تتصاعدفي فضاء جنوني!!

 

نادية

 

نشهد ايضاً في مقطوعات او قصائد كثيرة ما اسميه "بشعرنة الموسيقى" او "موسقة الشعر" اي “musicalisation de la poésie” et “poétisation de la musique” الموسيقى هي الشعر والشعر هو الموسيقى! تختمر الموسيقى السمفونية داخل الشعر، كما هو الحال عند الناقد والمفكر والشاعر اللبناني "منيف موسى"، فتزهر قصائد طويلة ذات لوحات واصوات واستراحات موسيقية! نعيش عندها "سمفونيا الشعر" او "الشعر السمفونيا كما نشعر بالحركة السمفونية داخل قصائده الطوال والحركة؛ الموسيقية في الجمل والأبيات ووتتباطأ الكلمات؛ كما نشهد حركات الصعود والطلوع والانهمار والدوران ضمن الحركة المفرداتية! تجتاح الموسيقى الشعراء الكبار فيجتاحونها بالكلمات ويحاولون التوفيق بين الكلمات والنغم الداخلي! حتى تغدو كل قصيدة معزوفة لأوركسترا "مانهايم" الرائعة!! الكلمات تمارس فعل السحر والموسيقى كذلك! وهذا كان شأن "فدريكو غارسيا لوركا" الذي وزع نفسه بين الشعر والموسيقى، حيث كان موسيقياً موهوباً جداً وناجحاً! واخيراً، لا يسعني سوى ان اذكر، في هذا الصدد، الشاعر الفرنسي الكبير Paul Verlaine  الذي قال عن الدور الذي تلعبه الموسيقى في الشعر "الموسيقى في الشعر قبل اي شيء لا لسبب سوى لأن الموسيقى كانت وستبقى فاكهة الفنون وعطر وطائر الابداع...

 

 

نادية كريت