العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

وداع بين أوراق الخريف

فاطمة قبيسي
السبت 12 كانون الثاني (يناير) 2008.
 

ما أجمل أن تشهد عشقنا كل الفصول. نحضن معا دفء الربيع و تلهب شوقنا حرارة

الصيف، ثم نجمع معاَ أوراق الخريف قبل أن يحل الشتاء لنرقص معا على ايقاع المطر

الغزير.

تتأمل صوته الآتي من بين الغيوم فتقتلها كلماته العذبة الضائعة في بحر النسيان. تقف حائرة على أوراق تناثرت و احترقت، تأخذ من دموعها الحبر و تكتب

بها ذكرياتها، تلاحق الفراشات في البستان الزهري تغرد كالعصفور على اغصان أشجار اللوز والرمان، حيث كانت تردد له أغاني فيروز فتنتقي أجمل الكلمات و تهمس بين أحضانه "أنا كلما بشوفك كأني بشوفك لأول مرة حبيبي...". معه تعرف أن الحياة يجب أن تعاش لحظة بلحظة. معه تتمتع بكل الفصول و الألوان. معه تستطيع أن تكون ما تشاء، طفلة مدللة تنظر بشغف الى أحلامها البريئة في عينيه البنيتين الحارقتين و حبيبة تتمشى الى جانبه في الأزقة اثناء الليل فيهب النسيم العليل وتتطاير خصل شعرها على وجهه فتفوح منه رائحة الياسمين ثم يمسك بيدها لتشعر بالأمان. و يغرقان في أحلامهما والبيت الصغير الآتي من الأيام القادمة، فترمقه بنظرة خجل ثم تحضنه و تهمس له أحبك، وتتعانق الشفاه بقبلة طويلة.

يمكنهما ان يعيشا في منزل شيدته أحلامهما و آمالهما و شغفهما و يزرعا فيه حباَ لن تقتله الأيام. انما عذب هذه الأمنيات سبقته الآهات. تنظر اليه ملكاَ متوجاَ على فراش المرض. بعد أن قضت معه أجمل أيام الربيع و أمتع أيام الصيف أتت رياح الخريف لتنتشله من بين ذراعيها. الآن أصبحت الحياة بلا طعم و الفصول بلا ألوان و للجراح مكان ابدي لن تخفيه الذكريات. لقد أصبح طيفا يداعب روحها و يقلقها، و قلبا متعبا يرويه العتاب، و غيمة تعانق روحها ذات مساء، و نورا بداخلها ينساب كالماء ليمنحها فرصة البكاء على الشواطىء الضاجة بالجراحات. تتوسد الامها وتبعث له حنينا لا يذبل و ضوءا لا يرحل، و أغنية ضاعت كلماتها في ظلمة الأيام و رقصة سرقتها نجمة في السماء.

تمسح الغبار عن شباك شرفتها لترى خلفها ذكريات تستفيق من نومها العميق جارحة

و باسمة حالمة وساكنة، تناشد توأم الروح و القلب يدق ألف دقة و دقة حنين و اشتياق، الى

حب سقط مع أوراق الخريف.