العولمة...حياة وموت عقيدة : هل ماتت العولمة وعادت الدولة - الأمة من جديد

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : ترجمة ماري شهرستان
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 

كان وهم المذهب الحرّ الحديث, أو ما يسمى بالليبيرالية الحديثة العولمية, متسماً بكل ما في الإيمان الديني من معنى. لكن, بفعل الإخفاقات وفداحتها, بدأ يشكك به حتى اكثر المخلصين له.

كلا... السوق لا يمكنه ان يفعل كل شيء. وعادت الدولة - الأمة لتصبح الفاعل الأهمّ في السرّاء والضرّاء.

يشرح جون رالستون ساوول هذا التحوّل في الـ"هاربر ماغازين". الهاربر ماغازين

نادراً ما تستمرّ النظريات الاقتصادية الكبيرة أكثر من بضعة عقود. قد يصمد بعض منها مدة نصف قرن, عندما تكون متزامنة مع التطورات التقنية والسياسية بشكل ٍ خاص. أما استمرارها لمدة زمنية اطول من ذلك, فيعود للقوة العسكرية التي بإمكانها وحدها, ووحدها فقط, أن تبقيها ثابتة. فنظرية المذهب الحرّ الحديث (المتوحشة), لم تكن قد بلغت الثلاثين عاماً عندما خبت عام 1929. أما الشيوعية, وهي مزيج ضيّق من النظريات الدينيّة والاقتصادية والعولمية, فقد نجحت في الاستمرار سبعين عاماً في روسيا وخمسة وأربعين عاماً في أوروبا الوسطى, لكن ليس دون اللجوء المكثف للقوة العسكرية والبوليسية.

لكن "الكينسيّة" (وهي مبدأ كينس الاقتصادي القائل بتدخل الدولة لإنماء الإنتاج)هي الأكثر صلابة, وعاشت خمسة وأربعين عاماً, إذا أخذنا بعين الاعتبار ليس فقط تغيير صورتها لما بعد الحرب, بل أيضاً الشكل المرن والديناميكي الذي لبسته أثناء الانهيار الكبير . والعولمة الحالية, المتسمة بالحتمية التكنوقراطية والتكنولوجية, وبعقيدة الأسواق, لها من العمر ثلاثون عاماً. واليوم, ماتت هي الأخرى بدورها.

ومن الطبيعي ألا تختفي الإيديولوجيات الكبيرة بين ليلة وضحاها, إلا نادراً. لكن أعراض الأفول واضحة وقد تضاعفت منذ عام 1995. ومع ذلك مرَّ هذا الانهيار بشكل ٍ شبه خفي. ذلك أن العولمة كانت حتمية برأي أتباعها, إنها ألوهية ضابطة الكل ومبنية على ثالوث أقدس تتألف اقانيمه من: ازدهار الأسواق, والتقنيات التي لا تكلّ, وفن إدارة بلا حدود.

الحتمية, هذا ما يستندون إليه لتبرير إيديولوجيات منهارة. والعولمة, مع أنها أكثر أصالة, لكنها تبدي أيضاً ضعفاً ذاتياً, فلجأت إلى وسائل دينية.

الاقتصاديون, واتباع آخرون, توجسوا بالحدس من أن يلاحظ الناس التشابه الغريب بين أفكارهم الحديثة ونظريات التبادل في منتصف القرن التاسع عشر, أو نماذج فساد الأسواق الكاسدة من جراء أزمة عام 1929, فعادوا إلى التديّن على الطريقة القديمة. وقد آلت سلطة الدولة- الأمة إلى الأفول لصالح سلطة الأسواق العالمية. وصار الاقتصاد هو الذي يخلق مصير الإنسانية وليس السياسة ولا الأسلحة.

أدّى رفع القيود بسرعة إلى توازنات عالمية لا تتأثر بمخاطر الدورات القديمة. كما أدّى نمو التبادل العالمي بفضل تخفيض الحواجز التجارية, إلى تضخّم أشرعة كل السفن, سواء أكانت من العالم الغربي أم من البلاد النامية.

وقد حوَّل ازدهار الأسواق الديكتاتوريات إلى ديمقراطيّات. كل شيء في هذا التطوّر استوجب أن يحدّ من القومية اللامسؤولة, ومن العنصرية والعنف السياسي. قد يخلق الاقتصاد المعولم استقراراً بفضل مشروعات تكبر باستمرار ومحمية من الخسارة. من متعددة الجنسيات هذه, بزغت زعامة عالمية متحررة من كل السياسات المحلية الأولية.

إن بروز سلطة الأسواق وأفول السياسة القومية, قد يضع حدّاً للدين العام. ومع دول ٍ لن تكون خاسرة, تصبح مجتمعاتنا مستقرّة بشكل ٍ نهائي.

فالقوى الاقتصادية العالمية, المتمتعة بحريتها الكاملة, وجب أن تحمينا من الأخطاء المتولدة من الغطرسة المحلية, وان تجلب الازدهار والسعادة للجميع.

كيف لا يُسحَرُ بمثل تلك الأخبار الطيبة, وبمثل تلك الوعود بالفداء الشخصي مَنْ عاش في عالم بقي لمدة طويلة محكوماً بالعقيدة المسيحية؟

نشأت العولمة في السبعينيات من القرن الماضي, من ذلك الفراغ الذي يظهر في كل مرة تتحرك فيها حضارة ما لتغيّر اتجاهها متلمسة طريقها لتنتقل إلى عصر ٍ آخر.

في الجغرافيا السياسية, الفراغ ليس اختياراً, إنه المسافة بين خيارين, هو زمن كل الممكنات, شرط أن نعترف بوضعه كما هو: استراحة قصيرة يستطيع خلالها كل فرد أن يؤثِّر بكامل ثقله في توجيه حضارته.

لكن كيف ظهرت هذه الاستراحة؟ لقد جعلت الخمس والعشرون سنة من الإصلاحات الاجتماعية النخب التقدمية واهنة ومن دون أدنى شك. وكان حينها على القادة السياسيين أن يقودوا الدهماء بطريقة ديمقراطية وببرامج اجتماعية جديدة وكبيرة, وهذا ما أعاق اهتمامهم بالشان الأساسي. فأصبحوا شيئاً فشيئاً رهن التكنوقراطيين الذين يتجنبون النقاش العام فأدوا بهم إلى العزلة. والواقع إن غالبية القادة الغربيين لم يكن لديهم فكرة عما سوف يجري لاحقاً؛ فهم قد فرغوا من كتابة آخر صفحة من فصل التقدم الاجتماعي.

لكن بوادر عصر جديد بدت تلوح في الأفق مع بشير هزلي: وهو إنشاء نادٍ في قرية من جبال الألب السويسرية اسمها "دافوس", وكان ذلك عام 1971, جمع فيه كبار قادة المشاريع الأوروبية. باجتماعهم هنا, تمكنوا من مراقبة وملاحظة الحضارة بمنظار الأعمال. وبسرعة كبيرة, أخذ المكان باستقبال رجال أعمال من جميع أنحاء العالم، ثم القادة السياسيين, فالجامعيين بغية البحث عن مستثمرين. الجميع, من مصنعين, وسياسيين ومنظّرين, ابدوا قبولاً لمبدأ دافوس المركزي: المصلحة العامة ليست سوى ناتج ثانوي للمبادلات والمضاربة والمصالح الخاصّة.

وفي عام 1975, تم إنشاء الـ: G6, وهو سلف الـG8 الحالي, وبهدف مماثل للتجمع السويسري: جمع قادة أقوى الفعاليات الاقتصادية القومية كي ينظروا إلى العالم من خلال الواقع الاقتصادي المشوّه. لم تكن العلاقات بين الأمم الكبيرة قبل ذلك بمثل هذا الوضوح وهذا التصميم وقد ترتبت حول المصالح التجارية فقط الخاصّة بكل أمة منها مهملة التوازنات - مضرة كانت أم مفيدة- التي تجلبها المعايير الاجتماعية وحقوق الإنسان, والأنظمة السياسية, والسلالات الحاكمة, والأديان, والحتمية العرقية.

لكن الانطلاقة الحقيقية للعولمة تعود إلى الانهيار الاقتصادي الحاصل عام 1973, الأزمة الشبح. وفي عالم التكنوقراطيين المهووسين بالإدارة والقيادة, وجب لنا تأمين كل شيء. وقد قالوا لنا أيضاً إن ذلك ليس سوى ركود اقتصادي, ثم أزمة أخرى, وهكذا دواليك, موكب من الأزمات يُقلَّل من قيمتها على الدوام, وهي دوماً في طريقها إلى الحل. المصلحون, ومعظمهم أعضاء في الأحزاب والحكومات , لم يكلفوا أنفسهم التراجع لدراسة السياق بمجمله. لقد فقدوا ُبعد الرؤية والتوازن الضروريين. وشيئاً فشيئاً فقدوا أيضاً حق الحكم.

أدخلت الإيديولوجية الجديدة استراتيجية شاملة تسمى العولمة, ومعها إجابة وحل لكل مسائلنا. هل يوجد شيء أجمل من ذلك؟ لقد جلبت حلولاً بسيطة وجذرية, وعلى غرار كل الديانات القائمة, وضعت المسؤولية النهائية في جوهر ٍ مقدَّس ٍ غير مرئي. العولمة لم تكن تطلب من أحد أن يكون مسؤولاً عن أي شيء كان. ولم تلبث هذه النظرية المتسمة بالتفوّق أن ملأت الفراغ.

ولقد رأيتُ لأول مرة في التلفزيون الفرنسي, وفي خطاب لفاليري جيسكار ديستان, سلبية الفرد التي أدّى إليها مثل ذلك الأسلوب في المعتقد. هذا الاقتصادي اللامع, جيسكار ديستان, قد انتُخِبَ لصورته كرجل تحديث, ولحداثته وما بعد حداثته. وقد وجب عليه أن يقود المجتمع من خط اقتصادي, لكنه أتى تماماً بعد صدمة 1973 التي اتسمت بالتضخّم وارتفاع البطالة. وكان جيسكار قد كافح لمدة أكثر من سنة للتغلب على الأزمة, عندما ظهر على التلفزيون ليقول للفرنسيين أن القوى الكبرى العالمية, وهي حتمية ولا مفرَّ منها طبعاً, هي وراء ذلك. لهذا السبب, لا يمكنه أن يقوم بعمل ٍ فعّال. فالدول - الأمم كانت عاجزة. لم يكن ذلك سوى بداية ما لبثت أن أصبحت عادة درجت عليها التصريحات العامة بالعجز عند القادة الديمقراطيين المُنتَخبين. فقد أصبحت العولمة بالنسبة إليهم عذراً كي لا يعالجوا المسائل الصعبة وكي لا يُحرِّكوا سلطتهم وميزانياتهم بطريقة فعّالة.

كان للعولمة مدافعون لامعون وعلى رأسهم مارغاريت تاتشر, واقتصاديّون مثل ملتون فريدمان, وعدد متزايد من رؤساء الشركات والمستشارين.. وذلك مع نظرية أساسية: كانت وبقيت الآتية: المنهجية الحديثة هي عالمية وهي مُفضَّلة على ضوضاء وهرج ومرج الجدل الديمقراطي. باسم هذا المبدأ أُجريَت مجموعة كبيرة من التجارب في العالم أجمع: ضغط الوظيفة العامّة والخاصّة, فتح أسواق, تخفيف الضرائب, وتوازن الميزانيات. أخذت المشاريع بالتضخم والاتساع بفضل الاندماجات المستمرة, ذلك لأن العملقة تُعتَبَر شرط ومعيار النجاح في السوق العالمي الجديد. فتضاعفت المبادلات بمقدار العشرين. وتسرَّع الدمج والتكامل الاقتصادي الأوروبي. ووقعَّت كندا والولايات المتحدة, ثم المكسيك [عام 1992] على اتفاقية التبادل الحرّ الأمريكي- الشمالي.(آلينا ALENA).

المصلحون, من جهتهم, عملوا على مراجعة كاملة لحججهم, متخذين الفرضيات الأساسية لمنافسيهم. والاجتماعيّون- الديمقراطيّون وغيرهم من التقدميين أصبحوا هم أيضاً عولميين, لكن بأسلوب أكثر تهذيباً, وأكثر لطافة. وفي عارض غلبت عليه النزعة الأخلاقية, رفضت الحكومات المتعاقبة شرعياً حقها بالاستدانة أو بخلق ضرائب جديدة وهما حقّان امتيازيّان أساسيان وضروريان لبناء الدولة وحفظ الديمقراطية. أصبح الدَيْن العام خطيئة, وهي صفة صارت تُطبَّق على الخدمات العامّة, كل شيء ينبغي أن يُخصخص ويُعطَّل, سواء أكان يعمل جيداً أم لم يعمل, ليصبح بدوره سوقاً عالمية واحدة قد تخلصَّت من جميع تلك المعايير النوعية للخدمات العامّة. وهكذا, ظهرت المشاريع الخاصّة الكبيرة إلى هيئات المجتمع, مثل بعض شركات الطيران التي تحررت من نير الأنظمة, فاستطاعت أن تُرضي الجانب النفسي للفردانية خصوصاً عندما أعلنت عن حق السفر بأسعار مخفضة, واختيار أوسع واتجاهات اكثر.

اعتباراً من بدايات أعوام 1970 وحتى نهاية القرن, تمَّ عدد لا يُحصى من الاتفاقيات التجارية العالمية الإرغامية, لكن لم يحصل شيء في مجال ظروف العمل والضرائب, ولا في مجال البيئة أو القوانين القضائية. لقد استند البناء الصعب للدولة- الأمة الحديثة على إعادة توازن مستمر وثابت للقوانين الملزمة بين المصلحة العامّة والمصالح الشخصية, وذلك خلال 250 عاماً. وفجأة, وبانتقال بسيط للسلطة الاقتصادية إلى السوق العالمي, اختلَّ التوازن. وظهرت السلطة الاقتصادية فاقدة القومية ومتعددة الجنسيات قادرة أن تجمع ممولين نشطين اكثر من معظم الدول- الأمم. وكان منطقياً أن المرحلة اللاحقة كان غرضها خلق أمم جديدة من متعددة الجنسيات تلك: أمم وهمية, متحررة من كل قانون محليّ, متمتعة بحركة رؤوس الأموال والبضائع. وبعد مرور 25 سنة على العولمة, بلغ هذا الحدث ذروته عام 1995 مع تحوّل نظام الاتفاقيات التجارية العالمية القديم (والمعروف باسم "غات"

GATT , وهو اتفاق عام حول الرسوم الجمركية والتجارة) إلى كيان نهائي ٍ جديد وقوي, إلى منظمة التجارة العالمية (OMC). وكان ذلك الانتصار النهائي. مع ان إنشاء الـ OMC ليس أمراً استثنائياً: كانت مجرد منظمة مركزية مكلفة بدراسة المسائل الكبرى التي لها علاقة بالمبادلات التجارية, فلا شيء يوحي بسوء النية. لكن كل شيء كان في السياق: المفهوم الجديد للحضارة, من خلال رؤية الاقتصاد المشوهة, قد وصل إلى مرحلة اللاعودة. وفوق ذلك, كل العلاقات الدولية التي تتضمّن طابعاً تجارياً سوف تُعتَبَر على أنها تجارية بشكل ٍ أساسي. فالثقافة لم تعد سوى مسألة تنظيم صناعي؛ والتغذية, هي منتَج ثانوي للصناعة الزراعية الغذائية.

كان اهتمام الرأي العام العالمي متوجهاً إلى نقطة واحدة: التنظيمات القومية للتغذية والصحة لم تعد تُعبِّر عن شعب ٍ يعير اهتماماً بالغاً لما يضعه في معدته الكبيرة الجماعية, إنما اصبح يُنظَرُ إليها كردود فعل للحماية- إلا إذا استطاع العلم أن يقدِّم براهين علمية متينة دامغة. لكن مع بروز المعضلات الكبرى مثل مرض جنون البقر, والحصول على الأدوية في البلاد النامية, أو ارتفاع حرارة الأرض, بدأ عدد متزايد من المواطنين يفهمون أن ما كان يُقدَّمُ لهم على انه صراع بين عولمة وحمائية لم يكن غالباً سوى مجابهة فوضوية بين الخيار الفردي وبين مصالح تجارية مقدسة لا يمكن المساس بها.

فالعولمة لا تنتظم حول المستهلكين, بل حول المشاريع, والبنى التي تبحث عن مرابح بالحدِّ من إمكانات خيار الفرد. عندها, لم تتأخر الشعوب باكتشاف تناقضات أخرى في العقيدة العولمية.

كيف يمكن لعقيدة واحدة هي نفسها أن تعِد بنمو الكرة الأرضية في الديمقراطية مع سقوط الدولة- الأمة؟ إذ أن الديمقراطية لا يمكن لها أن توجد إلا في بلد: فإضعاف الدولة - الأمة, هو إضعاف الديمقراطية بالضربة نفسها.

كيف حصل أن نمو الكتلة النقدية الذي لم يسبق له مثيل تترجَمَ بطرح أموال ٍ للخدمات العامة؟

لماذا هذه الزيادة في رؤوس الأموال لم تُغن ِ إلا الذين يمتلكون المال مسبقاً؟ لماذا أدىّ ذلك إلى هوة سحيقة بين الأغنياء والفقراء, وإلى تقليص الطبقة الوسطى؟ لماذا لم تؤدِ الخصخصة في حالات عديدة في الخدمات العامّة لا إلى تحسين الخدمة ولا إلى تخفيف الكلفة على المواطن, لكنها حققت فقط مصدر ربح للملاكين الجدد, بينما تناقَصَ التوظيف وتناقصت الاستثمارات في البُنى التحتية بشكل ٍ كبير؟ هناك ثلاثة مظاهر تدل بوضوح أن العولمة لن تفي ِ بوعودها.

أولاً,التحرك من أجل "منافسة حقيقية" كان قد قام به بشكل ٍ أساسي أساتذة, ومستشارون واختصاصيون (تكنوقراط) أي ـ بتعبير آخر ـ بيروقراطيو الخاصة. ومن هذا الأمر الواقع, كان الهدف الحقيقي، وراء اغلب التغييرات التي تمنوها، هو الحدّ من المنافسة.

ثانياً, إن مفهوم متعددة الجنسيات على أنها الدول- الأمم الافتراضية, قد أهمل نقطة أساسية. الثروات الطبيعية متموضعة جغرافياً داخل الدول - الأمم. والمستهلكون يعيشون على ارض ٍ واقعية حقيقية, في أمكنة حقيقية تسمى بلاد. ورجال الأعمال والجامعيون, الذين أبدوا فصاحة حول الشركات- الأمم الافتراضية الجديدة, هم أنفسهم رعايا ومستهلكو الدول - الأمم القديمة. عاجلاً ام آجلاً, سوف يكتشف القادة المُنتَخبون أن حكوماتهم تبقى أقوى بكثير من جميع المشروعات الكبيرة.

وأخيراً, المفهوم الجديد للدَين (عام مقابل خاص, بلاد صناعية ضد بلاد نامية) اوحى بفوضى قاتلة. فرسل العولمة لم يفرِّقوا بين علم الأخلاق العامة والمناقب. فإذا كان الأول معيار المصلحة العامة, فالثاني هو سلاح الاستقامة الدينية والاجتماعية.

من المؤكد أن العقائد الاقتصادية والسياسية, تحوِّل الأمور في اغلب الأحيان إلى المناقب الدينية وذلك من اجل مآربها. لكن العولمة كانت قد قضت على الأخلاق منذ خطواتها الأولى, لمصلحة استقامة مناقبية غريبة شاذة مصنوعة من تجارة حازمة, وفردانية جامحة وقروض لا يسددها سوى الحكومات. من هنا نشأت فكرة أن البلاد التي تقع في ضائقة مالية, كانت تُعتَبر لا أخلاقية بشكل ٍ من الأشكال وينبغي عليها أن تتهذَّب. وفي الحكمة الاقتصادية لنظرية الموت صلباً, كان ينبغي الموت اقتصادياً واجتماعياً من اجل ولادة جديدة افضل, اكثر نظافة واكثر صحّة. وخلال ربع قرن, وتحت الوطأة الشديدة لصندوق النقد الدولي (FMI), طُبِّقَت هذه الطريقة التهذيبية على البلاد النامية دون تحقيق أي نجاح. من الواضح أنه في نهاية القرن, أصبحت القومية والدول- الأمم أقوى مما كانت عليه في بداية العولمة. وقد لوحِظَت هذه الأمور منذ عام 1991, عندما حاول الجيش اليوغسلافي منع سلوفينيا وكرواتيا من مغادرة الفيدرالية اليوغسلافية. والمذبحة التي تلت ذلك كانت اختباراً لمجموع المنظمات الدولية. جميعهم فشلوا. وكما في كوميديا- مأسوية, رأينا النُخَب الدولية تهذر من واقع أن القوى الاقتصادية العالمية قد جعلت الدول- الأمم بالية وقد بطُلَ دورها, بينما كانت الألوف من الأفراد يُذبَحون بلحمهم وعظمهم, وقُضيَ عليهم بهدف ٍ وحيد هو خلق دول- أمم جديدة. مشهد فظيع أظهر للأوروبيين أن اتحادهم الاقتصادي والإداري كان عاجزاً في مواجهة كارثة سياسية- عسكرية.

وقد أنجزَت واشنطن من لعب دور الوسطاء في اتفاق دايتون. لكن دايتون هو قبول جريمة الحرب المحلية والقومية. وكان عام 1995 قد سجَّل انتصار العولمة مع إنشاء منظمة التجارة الدولية الـOMC, لكن أيضاً قد سجَّل انكسارها مع التوقيع على اتفاقية دايتون.

وكان قد لاحظ القادة القوميون أشدهم دقة في الملاحظة, أن العولمة لا تنفِّذ التزاماتها. ومن بين هذه النواقص أكثرها وضوحاً كان انهيار ميكانيكية الدَين والقروض الدولية. وخلال فترة قصيرة بدت المقاربة الجزائية لصندوق النقد الدولي الـ FMI قد أعطت ثمارها. فالحكومات في أمريكا- اللاتينية جهِدت خلال عقد من الزمان لاتباع التعليمات الصادرة عن صندوق النقد الدولي الـFMI, وعن الحكومات الغربية والمصارف الخاصّة. وقد وجب عليهم تحمّل الصرامة التي ادّت بهم في العديد من الحالات إلى تحقيق نمو متين ٍ ظاهرياً, حتى لو أنه في الوقت نفسه كانت قد تشكلت هوة سحيقة بين الأغنياء والفقراء. لكن هذا الازدهار تبعه بعد بضع سنوات أزمة أشد وأخطر في جميع الأرجاء. وقد اتضح أن هذه المدة الطويلة من الصرامة قد أضرّت واستنفدت النسيج الاجتماعي- الاقتصادي عوضاً من أن تقويّه.

وكان لأمريكا اللاتينية في نهاية أعوام 1990 معدّل نمو أعلى بقليل من نصف ما كان عليه قبل الإصلاحات, رغم كل ما طُبِّقَ عليها من تسهيلات وخصخصات وكل البرامج المضادة للتضخم التي يمكن تصورها. لكن المؤمنين الحقيقيين يقولون لك انه كان بالإمكان أن تسير الأمور بشكل ٍ جيد وتنجح لو لم يكن هناك محاباة الأقارب, وضعف في النقابات, والفساد.

لكن السياسات الاقتصادية الحقيقية في العالم الواقعي, ينبغي عليها ألا تفترض مضموناً وعالماً كاملاً. لقد شهدت البلاد الغربية خلال قرنين من الزمان نمواً لا يُستهان به, رغم نواقصهم العديدة وتقصيرهم. وأخيراً, لم تعد أمريكا اللاتينية تؤمن بالعولمة, وكذلك الأمر بالنسبة إلى أفريقيا والجزء الأعظم من آسيا. فلقد فقدت العولمة عالميتها. وفي واقع الأمر, يعمل معظم وزراء مالية البلاد الغربية سراً منذ مدة على إعادة تنظيم جزئي للأسواق.

يوجد في قلب كل عقيدة اعتقاد بمستقبل أفضل, حيث يكون الماضي القريب مصاباً بالفشل. لكن بعد الوقفة, تترك الإرادة مكانها للحذر, حذر ناس قد تعرضوا للخيانة. وهذا ما حصل في نهاية أعوام 1990: عادت لنا الريبة ومعها الذاكرة.

إن فترة 1945- 1973 لم يكن فيها أي شيء كارثي؛ لا بل كانت من اكثر الفترات سعادة في التاريخ, إن على صعيد الإصلاحات الاجتماعية أم على صعيد النمو الاقتصادي. هي فترة يجب إعادة التفكير بها ثم بناء الحداثة انطلاقاً منها.

أتت أول إشارة صريحة دالة على انتهاء العقيدة المسيطرة وكان ذلك عام 1998. رغم كل حماسنا, لم نرَ في الأزمة المالية الآسيوية سوى ظاهرة اقتصادية, أي خاضعة لقانون الحتمية. أما الماليزيون فقد رأوا فيها أزمة سياسية قومية مع تبعات اقتصادية. فاتخذوا إجراءات سياسية قومية وتمت بنجاح. وفجأة ظنوا ان الدول- الأمم ليست في حالة النزاع الأخير. ثم حصلت في نهاية 1999 الانتخابات العامة في نيوزيلانده. وكان هذا البلد الصغير قد اصبح مثالاً للعولمة قبل خمسة عشر عاماً. وبين ليلة وضحاها, صوَّت النيوزيلانديون لصالح تغيير القيادة من اجل حكومة قادرة على التدخل الفعّال والواسع جداً, وتسعى من اجل مزيج من السياسات الاجتماعية على الصعيد القومي, ومن اجل تنظيمات اقتصادية قابلة للتطبيق, ولقطاع ٍ خاص ثابت. وكانت في الواقع قد صُفيَّت الصناعات النيوزيلندية تماماً, وأصبح الاقتصاد في تراجع, ومستوى المعيشة لم يتقدم قيد أنملة خلال الخمس عشرة سنة التي استمرت فيها تجربة العولمة. كما أصبحت نسبة الشباب الذين هاجروا من البلاد نسبة خطيرة جداً. عندها أكد الناخبون أن هذا الذي حصل كله ليس فيه أي شيء حتمي محتم.

حصلت بعد ذلك اعتداءات 11 أيلول 2001.

منذ أولى الأيام التي تلت , بدأ الاقتصاد العالمي بالتدهور والوقوع في الأزمة. فانشغل الأرباب الكبار في أعمالهم, ناسين تماماً حكم العالم. كان همّهم كالعادة التخفيف من التبعات والمخاطر فاجروا انسحاباً واضحاً في برامجهم الاستثمارية, مسرّعين بذلك الانهيار الاقتصادي.

أما بالنسبة للقادة السياسيين, ووزراء المال, ومديري الادخار والبنوك المركزية والنخب الرسمية في الدول- الأمم, فقد تحركوا واصبحوا في حالة تأهب. فجابوا الدنيا, وناقشوا, وأصدروا أوراق النقد دون أن ينسوا الصرف منها بكثرة. فتوصلوا إلى استقرار الوضع. بتعبير ٍ آخر, قد حصل انقلاب مفاجئ بالأدوار واضح جداً للعيان. لقد استعاد قادة الدول- الأمم كامل سلطتهم بالتصرف والقيادة , بينما أُعيد أرباب العمل إلى دورهم التقليدي كمنفذين ثانويين.

عندما يختفي الإيمان تصبح الكنائس خالية. وظهر الجحود الاجتياحي في دافوس في المكان نفسه الذي ظهر فيه لأول مرة قبل ثلاثة وثلاثين عامًا لاهوت العولمة. وفي افتتاح مؤتمر كانون الثاني 2003 , هنّؤوا مهاتير محمد, رئيس وزراء ماليزيا, للنجاح الاقتصادي في بلده, والذي يعود إلى رفض النظريات الاقتصادية العولمية. ثم بعد بضعة أيام, حضر إلى البلدة السويسرية لويز إيناسيو, " لولا دي سيلفا, رئيس البرازيل الجديد ليقدِّم رؤيته المستقلة والشريفة عن الشعبية المسؤولة بالنسبة للدولة- الأمة. إن معنى هذه الأحداث لم يعد يترك مجالاً للشك خصوصاً بعد تصريح سكرتير الدولة الأمريكية كولن باول, عن احتمال حصول حرب في العراق:

" سوف نتصرف حتى لو أن البلاد الأخرى ليست مستعدة للانضمام إلينا."

سوف تتصرف الولايات المتحدة إذاً بطريقة أحادية الجانب, وبتعبير آخر, بطريقة قومية. وهكذا, وخلال أسبوع ٍ واحد, وفي مهد العولمة الأسطوري الحسّاس, أدارت ثلاث حكومات ظهرها للإيديولوجية الشاملة ليُثبِتوا ويجعلوا من الدولة - الأمة الحقيقة العالمية الوحيدة. وما لا يدعو مجالاً للشك أن القومية بمحاسنها ومساوئها قد حققت عودة مذهلة وغير منتظرة. إننا لا نزال نجهل ما إذا كانت القومية ستصبح الإيديولوجية الجديدة السائدة, لكن ما نعرفه الآن أنها عادت إلى كل أوروبا بشكل ٍ لا يبشِّر بالخير ويذكرنا بالقرن التاسع عشر: ففي جميع الأنحاء نشاهد قوميين في الحكومات وعلى رأس المعارضة. لكنّ هناك أيضاً أشكالاً إيجابية من القومية حققت ظهوراً جيداً كما في البرازيل وفي جنوب أفريقيا حيث باشرت بدخول المخابر الصيدلانية الكبيرة لتتوصل إلى الأدوية المكافحة للإيدز. لقد حققت هذه البلاد انتصارات كبيرة.

لقد تم توقيع عدد من المعاهدات الدولية بشكل تكون فيه ملزِمة وغير تجارية وأسسها الأخلاق والمصلحة العامة: مثل معاهدة اوتاوا ضد المناجم المضادة للأشخاص, والمحكمة الجزائية الدولية, أو اتفاقات كيوتو حول ارتفاع حرارة الأرض.

هناك العديد من الجهود لا تزال في بداياتها تهدف إلى إقامة توازن عالمي حيث لا يُنظر فيه إلى الحضارة نظرة مشوّهة من خلال منظار اقتصاد السوق الساذج ومنظار الأنانية القومية.

التاريخ فقط, بإمكانه أن يُعطي معنى لكل هذه الإشارات المتناقضة. لكن التاريخ حياديّ ليس مع وليس ضد, هو بكل بساطة الفراغ الجغرافي- السياسي الذي وجِد كي لا يستمر. هناك دوماً أمور يبلغ فيها السيل الزُبى.