العدد التاسع والعشرون - كانون الاول

سفر الخروج الأول من افريقيا

منصور عازار
الاحد 13 كانون الثاني (يناير) 2008.
 
New Page 1

كيف لي ان انسى؟

شارفت على الصفحة الأخيرة والصور تتدافع امامي.الحزب - سعادة - الأهل - العائلة . اكرا، كوماسي، نكروما، فايز صايغ، اعدام الزعيم، الانقلاب، فلسطين، التجارة، الأرباح، الخسائر... متعب هذا الزمن وجميل ايضاً. يضيء امامي شموعه، ثم يترك ظلامها في روحي. اشعر انني قمت باحراق الزيت في مصباحي، ولا اعرف ان كان ذلك الضوء قد آن اوان افوله، غداً او بعد غد.

انا مؤمن، ان بعض هذه الضمات سيبقى. ستحترق امور كثيرة، ستختفي امور مهمة، الا ان ما يبقى، هو الانسان، في ما خلفه لنفسه وعائلته ومجتمعه ودنياه.

اعود، لأمسك بيدي، اوراقاً افريقية. اعود في الذاكرة الى العام 1945، يوم كنت قد بلغت افريقيا، ويوم تحول ما بي من هدوء وضجيج وما يعتمر في من طموح ورغبات بواقع حياتي وفصول ايامي.

وضعتني هجرتي الأولى على محك الحياة، فكان فكري يتطور، من ضمن ايماني الشديد بعقيدة سعادة، حتى اصبح الأمر يطبعني بطابعه الخاص، بتّ  معروفاً بشدة تطرفي في الدفاع عن افكاري ومعتقداتي.

دخلت عالم التجارة  مكرهاً، وعالم الفكر حراً، وعالم الخبرة بين بين، ما كنت احب التعامل بالشأن المالي ولا يغريني الربح، ولست احمل عقلية التعامل مع الناس من اجل تأمين الربح. عالمي هو عالم فكري، عالم الكلمة والموقف والأمل. عالم الأمة وطموحات شعبها. كنت احمل ذلك دائماً. ما وجدت دقيقة فراغ الا وكان هاجسي فتح باب النقاش الفكري. قلما كنت اولي المال اوقات فراغي. ولكن، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. صرت اباً لثلاثة اطفال في افريقيا: هاديا وميشال وفاديا. كان عليّ هذه المسؤولية العائلية، تعلقت بأطفالي عاطفياً، بشكل مثير. قلت في نفسي: لن افترق عنهم بعد اليوم، وما ان يعن على بالي العودة الى الوطن، حتى تراودني فكرة الانفصال عن افريقيا، فتنتابني حالات القلق. كنت موزعاً بين امتي و افريقيا، بين حزبي وعائلتي، بين مصالحي التجارية، وافكاري التي تزداد نمواً وغنى.

في تلك المرحلة، وقع حادثان هامان جداً في حياتي هزّا كياني وجعلاني انساناً آخر، انساناً مختلفاً عن جميع من هم حولي في تلك الأيام.

الحادث الأول هو الثورة  في وجه الاستعمار البريطاني، كانت افكار الصديق كوامي نكروما قد الهبت الشعب، وحركت قواه ضد الاستعمار، فالمظاهرات الشعبية تتوالى وتزداد حجماً وخطورة، وذات يوم، من العام 1948، وقبل ولادة ابني ميشال بقليل، قامت مظاهرة باتجاه قصر الحاكم الانكليزي، فما كان من حرس القصر الا ان فتحوا النار على المتظاهرين فسقط منهم عدد من الضحايا، واجتاحت الجماهير موجة غضب هستيري، فارتدت الى المدينة وبدأت عمليات احراق وسلب ونهب لوسط المدينة وفي المنطقة التي تحتشد فيها الشركات الانكليزية الكبرى. وكان من نصيب محلنا ان وقع ضحية النهب، فأفرغ من كل بضائعه ولم يعد عندنا شيء على الاطلاق.

كانت هذه اول تجربة قاسية في حياتي وحياة والدي فخسر جنى العمر وبات مشدوهاً غير مدرك حقيقة ما شاهده. يرى الأمر ولا يصدقه. راح كل شيء. تعب السنوات ذهب هباءً كان نتاج العمر، نهب العنف. نظر الى الحطام المنتشر على الأرض والأبواب المحطمة والكارثة في كامل وجعها.

خرج ابي من المحنة بقوله "ذهب كل شيء، الله يعوض كل شيء".

في هذه الأثناء، وفيما كانت الأحداث تتوالى والاضطرابات تتكاثر والاحتجاجات تداوم على المكوث في الشوارع، ومنع التجول يفرض بين يوم وآخر، وفي فترات الليل تحديداً، احسّت زوجتي بالمخاض العسير. وكان على والدي ان يخرج ليلاً للتفتيش عن قابلة قانونية يعرفها. وبعد خروجه من المنزل صادف طبيباً انكليزياً يبيت ليلته في فندق قريب من منزلنا في اكرا، فاستنجد به الأهل فحضر وهو في حالة من السكر الشديد واسعف زوجتي، فولد ابننا ميشال .

وصل والدي بعد قليل ومعه القابلة القانونية ولما عرف والدي ان ميشال قد ولد، جلس مع الطبيب وراحا يكرعان الويسكي حتى طلع الصباح.

خسرنا المتجر بكامله ولكننا ربحنا الصبي. هكذا كان ابي يردد على مسامعنا، كي يقوي من معنوياتنا، برغم ما يعتصره من الم في داخله.

خرجت من هذا الامتحان بفضيلة اساسية: الانسان يخسر ولا ينهزم. يسقط وينهض من جديد، ينحني ثم ينتفض. المحل عاد الى سابق عهده، بجهد امي وابي وختايرتي.

وتعلمت امرأ آخر: الصبر ثم الصبر. نفاد الصبر رذيلة كبيرة.

والحدث الثاني في تلك الحقبة من حياتي والذي خضّ كياني كله، هو استشهاد سعاده، ففي الثامن من تموز عام 1949 فاجأنا في اكرا خبر اعدام سعاده.. وقع هذا النبأ علينا وقوع الصاعقة، فاهتزت الجالية وانقلبت جميعها متعاطفة معنا، اذ ان هول الجريمة النكراء التي ارتكبتها الحكومة اللبنانية لم يستطع شعبنا في الاغتراب ان يتحملها، فأقفلت المحلات التجارية اللبنانية والسورية في ذلك اليوم المشؤوم، وبات الناس في حيرة من امرهم لأنها لم تعرف التفاصيل التي ادت الى اغتيال سعاده اعداماً بالسرعة والطريقة البعيدة عن سير العدالة، والقيم الأخلاقية والانسانية.

تغيرت كثيراً. اجتاحني غضب كبير. حزن وقلق. عودة او لا عودة. وطن او لا وطن. وغربة الى متى.

بات مستقبلي في حالة من الارتجاج. اضعت البوصلة. خط سيري لم يعد واضحاً ابداً. لم اعد اهتم بتجارتي او مستقبل اعمالي، حال من عدم الجدوى والشلل كادت تصيبني. لكن والدي كان قد اقدم على تنفيذ حلمه. قرر العودة الى الوطن نهائياً. قرر ان يرتاح بعد غياب طال ثلاثين عاماً من حياته قضاها في غانا. مستفيداً مما حصل معه في غانا وما حصل مع والده في الحرب العالمية الأولى، رأى ان ينشىء لنا في لبنان مركزاً عقارياً واقتصادياً يدر علينا ببعض المداخيل المضمونة. فالغربة ليست اماناً بالمرة.

سبقته عائلتي الى الوطن، وبت وحيداً وحيداً. كبلني عملي. كنت اتابعه دون ايمان مني بما افعل، لم يكن لدي قناعة بأنني ولدت لأكون رجل اعمال او لأكون تاجراً في محل او في متجر لي بعيداً عن وطني.

وجاءت الفكرة المجنونة. حضرت في ساعتها: "بع كل شيء واتبعني". قال السيد المسيح لتلاميذه. ها انذا ابيع كل شيء واعود الى وطني، عائلتي، حزبي وعقيدتي ومنطقتي.

هل كان هذا القرار في محله؟

هل كنت ضحية اقلام ابدعتها اوجاع الغربة؟

من يكتب مصير الانسان، هو ام ظروفه ام رغباته؟

اذ اقف اليوم على العتبة الأخيرة بانتظار الوداع الأخير، اسأل نفسي: هل اصبت ام اخطأت؟

هل اصبت انا ام اخطأت؟.. السؤال يبدو سطحياً، اذ لم يكن في ارادتي او رأيي ان اقرر عكس ما حصل. ان ما خضعت له كان نتيجة ظروفي السائدة في تلك الأيام: ظروف وجودي وحيداً اثناء الحرب العالمية الثانية ووجود اهلي خارج الوطن ونتيجة الاتجاهات التي كانت سائدة في تلك الأيام. الانسان هو ابن بيئته وظروفه وهو مسيّر في هذا الكون لا يعرف نتائج قراراته او اتجاهاته في هذه الحياة، انما وانا اكتب ما اكتب عليّ الاعتراف ان الانسان في مراحل حياته الأولى يحتاج الى موجّه صادق، وان على اولادي واحفادي ان يستفيدوا من معاناتي فلا يدخلون الحياة الا بوفرة العلم والقوة والمعرفة والارادة. على الواحد منهم ان يكتشف ما في نفسه من مواهب وميول واستعدادات وان يعمل في الحقل الذي يرتاح اليه، ما اصعب ان يعمل الانسان في مجالات لا يميل اليها ولا تعني له شيئاً لأنه سيقضي حياته في صراع داخلي دائم ومتواصل بين ما يقوم به وبين ما يحب ان يعمله فينشأ عندئذ هذا الصراع المؤلم وتكون الحياة بلا معنى حقيقي. لقد نجحت في عالم التجارة والمال اجمالاً في حياتي كلها لكنني لا استطيب هذا النجاح ولا احبه لأنه لم يحقق لي ما اردت في هذه الحياة من انجاز، فأنا ولدت لكي اكون في حقل الثقافة والعلم اوجه الأجيال واعلّمها الفكر والفلسفة واكتشف ابداعاتها.

هل ضللت السبيل؟

ان متاع الدنيا وارزاقها لا قيمة لها عندي، وقد تعذبت جداً من هذا القبيل، لأن الناس تعرف عمق هذه النزعة في نفسي ولأني في مجال الأعمال عليّ ان اتقن دوري. ان ميولي الفكرية والفلسفية كانت طاغية على كل احاسيسي فأضعتها، كما اضعت الاحتفاظ بمكاسبي الاقتصادية والمالية، لم اتمكن ان اصبح رجل اعمال يحتفظ بثروته، لأنها لم تكن تعني لي شيئاً هاماً في حياتي، فكانت كلها حياة اصطناعية ليس فيها من الأصالة غير ما كنت اعتني به من شؤون الفكر والسياسة والمراسلات. باكراً جداً اكتشفت اني اسير ضد تيار نفسي وعقلي ووجداني ولكن هموم الحياة والمسؤوليات العائلية والمسؤوليات الخطيرة التي كنت قد تحملتها ابت كلها عليّ ان اتمكن من الخروج منها، ولما حاولت تسليم مسؤولياتي لغيري لم انجح لأن هذا الغير لم يكن بدوره مستعداً ان يحمل معي او عني كل هذه الأعباء التي كانت قد تراكمت عليّ فسقطنا جميعاً تحت الحمل، اذ كان هذا الحمل ثقيلاً جداً واوسع من امكاناتنا وهذا هو ثمن ما يدفعه الانسان عندما يعاند او يضطر من خلال ظروفه ان يقتحم مجالات في الحياة لم يولد لها ولا هي تعني له شيئاً.