الأرمن وقصة التيه

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : صفاء اليوسف
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 

هل يستطيع الزمن أن يمارس محواً لذاكرة الشعوب، أم كلما أوغل الجرح في القمم يتأجج الحنين.

بهذا التساؤل أبدأ الحديث عن الأرمن، ذلك الشعب الذي سكن منطقة جنوب جبال القفقاس، وشمال جبال زاغروس، وقد عاش على مر السنين بسلام، مع شعوب المنطقة، لا سيما الأكراد، والأرمن شعب مسالم ليس في تاريخهم أي طموحات توسعية، اللهم إلا في فترة الإمبراطورية الأرمنية في عهد الملك (ديكران).

اعتاش الشعب الأرمني من الإنتاج الصناعي والحرفي، ولهذا السبب تمركزوا في المدن، في حين عمل جيرانهم الأكراد في الزراعة وتربية المواشي.

بقي الحال هكذا إلى أن وقعوا تحت هيمنة الإمبراطورية العثمانية، وعاشوا تحت نيرها فترة من الزمن، كانوا يعانون خلالها ما تعانيه باقي الشعوب المحتلة من قبل الإمبراطورية العثمانية، في نهاية القرن التاسع عشر، بدأت الإمبراطورية العثمانية تضعف حتى صار يطلق عليها اسم (الرجل المريض)، وهكذا بدأت الدول المستعمرة تتسلخ عنها لتقع تحت سيادة (إنكلترا، فرنسا) في البداية ساعدت كل من إنكلترا وفرنسا دول شرق أوروبا لتستقل عن الإمبراطورية العثمانية، في هذه الحالة، لم تجد تركيا مفراً من التحالف مع ألمانيا، مما أثار حفيظة الدولتين (فرنسا، بريطانيا) لأنها أخذت تستغل طموح الشعوب المستعبدة، من قبل الاحتلال العثماني، إلى التحرر وأغدقتا الوعود على تلك الشعوب بالحرية والاستقلال.

وقد كان الشعب الأرمني على رأس تلك الشعوب، لكونه يعتنق المسيحية، وقد اتخذت الدول الاستعمارية حماية الأقليات ذريعة للتدخل في شؤون السلطنة، حيث ساهمت القوى السياسية الأرمنية في الحرب ضد العثمانيين، من خلال دعمها لروسيا، مثلما كانت تفعل على الدوام خلال الحرب العثمانية الروسية المتكررة على أمل الخلاص من الحكم العثماني.

هذا الدعم أعطى مسوغاً لقادة الاتحاد والترقي، أصحاب ممارسات التتريك، لاتخاذ قرار التهجير القسري بحق الشعب الأرمني، المنتشر على أراضي الدولة العثمانية، وتبنت الدولة العثمانية تنفيذه حيث قامت بتهجير أعداد كبيرة من الشعب الأرمني، المنتشر على أراضي الدولة العثمانية، إلى سوريا ولبنان والموصل، خشية انضمامهم إلى روسيا، وقد رافق هذا التهجير قتل عدد كبير منهم.

يؤكد الأرمن أن عدد القتلى الذين قتلوا في عملية إبادة جماعية يقارب المليون ونصف المليون، في حين تنكر تركيا ذلك وتصر على أن عدد القتلى لا يتعدى عشرات الآلاف فقط وبأن ذلك لم يكن عملية تطهير عرقية، أو مذبحة وإنما عملية نقل للأرمن إلى أماكن أخرى ضمن حدود الدولة العثمانية، وذلك بسبب سعيهم للاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية بتحريض من روسيا القيصرية، كما أن الكتائب الفدائية الأرمنية، ارتكبت مجازر في حق الفلاحين الأكراد، والأتراك في منطقة (أضروم) وغيرها، والأرمن لا ينكرون ذلك، وإنما اعتبروا ما فعلوه مقاومة ودفاعاً عن الشعب الأرمني.

ظلت مسألة الأرمن هادئة إلى حين تفكيك الاتحاد السوفيتي واستقلال أرمينيا عام (1991) حيث طفت المشكلة الأرمنية على السطح، لتجد تركيا نفسها أمام عقبة جديدة في طريق انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وقد أصرت تركيا دائماً على نفيها ارتكاب مجازر بحق الأرمن، لأن ذلك يعني أنه سيترتب عليها دفع تعويضات مالية، وإرجاع أقاليم منحت لأرمينيا عام (1991) ثم أعيد الاستيلاء عليها من قبل تركيا، عندما وقعت أرمينيا في أيدي القوات السوفيتية.

في عام (1987) اصدر الاتحاد الأوروبي بياناً، ينص على أن الأحداث التي جرت للأرمن عام 1915 ـ 1917 كانت عملية إبادة جماعية، وفقاً لمعايير الأمم المتحدة عام 1948.

وربط انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، باعترافها بالمذابح الجماعية للأرمن، ولكن بدون تبعات سياسية، أو قانونية أو مادية وقد جدد تأكيده على ذلك عام 2005 حيث أصدر قراراً غير ملزم بهذا الشأن، كشرط لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وهكذا باتت تركيا تواجه عقبتين في طريق انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي أولها الاعتراف بدولة (قبرص) وثانيها الاعتراف بمجازر الأرمن.

وقد عقبت تركيا على هذا القرار، على لسان رئيس وزرائها (رجب طيب أردوغان) بأن هذا القرار غير ملزم ولا يهم.

ومازال بعض الأرمن يعيشون الآن في تركيا، كمواطنين أتراك يتمتعون بأحوال جيدة، ولكنهم يعاملون كأقلية، ولهذا يواجهون بعض الصعوبات والعوائق في بعض المسائل، كترميم كنائسهم ومدارسهم، أما في سوريا فيعدون مواطنين سوريين، وكذلك في لبنان ويتمتعون بكامل حقوقهم.

وفي النهاية لا بد من القول: إن ملف الأزمة التركية، الأرمينية سيبقى ملفاً حساساً حتى تعترف تركيا بارتكابها تلك المجازر، فالمسألة بالنسبة للأرمن، ليست مسألة تعويضات مادية، أو استعادة بعض الأراضي ، وإنما هي قضية إنسانية، وينبغي للعدالة الإنسانية أن تأخذ مجراها.