العدد الثلاثون - كانون الثاني

داء التفاهة

سركيس ابو زيد
الاثنين 11 شباط (فبراير) 2008.
 
New Page 1

وإلا ما هي أسباب تدني الخطاب السياسي؟

تعددت المبررات والأجوبة:

ـ غياب الرؤية والفكر عن المطارحات السياسية التي أضحت أقرب إلى المهاترات والديماغوجية والقلقلة وعدم ارتكازها على قواعد تفكير وخطة إستراتيجية وقيم أخلاقية.

ـ دور التلفزيون خاصة والإعلام عامة الذي حول السياسة إلى صورة من دون كلام، فأضحى المواطن مشاهد يستمتع برؤية قائده على الشاشة ونادرا ما يستمع إلى أقواله وترابط أفكاره ومصداقية حججه. فرجال السياسة يستسهلون الكلام طالما لا يوجد محاسب ولا مراقب ولا جمهور يسأل ويقيم. فمن معه معه، ومن ضده ضده. وبالتالي الحكي ليس له فعل وتأثير في الرأي العام. الرأي العام محكوم بالغريزة الطائفية والتبعية السياسية، وفكرة ناصر زعيمك ظالماً كان أم مظلوماً!

ـ البرنامج في لبنان هو الشخص، إذ نادراً ما يطرح رجال السياسة وحتى الأحزاب خطط ومشاريع مدروسة وتقرن بالعمل والسلوك بها حتى تحاسب عليها من قبل جماهيرها أو حتى لإجراء نقد ذاتي لمعرفة أماكن الخلل والتقصير بغية تعديل وإصلاح المناهج.

ـ الفعل السياسي مرتبط بالتحالفات الخارجية. لا قيمة للكفاءة. ومهما كان الخطيب بارعاً ليس له تأثير، ومهما أجاد الكاتب الكتابة لا مؤيدين له. القرار السياسي يصنع في الخارج. رضا السفراء والأوصياء يخترع أصحاب النفوذ في الداخل، وعندما يسحب الرضى تنهار الزعامة وتهمش وتنتقل إلى رأي آخر.

ـ النفوذ السياسي غير نابع من الخطط والمواقف المدافعة عن المصالح الناس والوطن، بل إجمالاً هي وليدة المال والرشوة والمحسوبية والتوظيف وشراء الأصوات والمنابر. لذلك مهما كان الخطاب بليغاً أو تافهاً، لا يؤثر على الشعبية لأنها وليدة الموروث الإقطاعي أو الشحن المذهبي أو الخدمات الخاصة.

إلى متى سنبقى أسرى الخطاب السياسي الهابط؟

هل الإشكالية موجودة في وعي الناس أم في عدم ريادة القادة؟ الأرجح أنها في الاثنين معاً:

من جهة، فئات واسعة من الناس تستسلم لتبعيتها الطائفية والإقطاعية وتكتفي بفتات الخدمات وتترك السياسة لزعمائها ومهما حصل من حرمان وتخلف وارتفاع أسعار وقلة فرص العمل وزيادة الهجرة وانقطاع الكهرباء وتصغير الرغيف، لا تتحرك الجماهير ولا تصرخ ولا تطالب، بل تبقى غارقة في سكون وصمت القبور.

ومن جهة ثانية، معظم القادة لا يبادرون، يستسهلون الخطاب الشعبوي، يطمئنون للتحالفات الخارجية ويستسلمون لإملاءاتها. وعندما يبرز قائد فذ، يسعون إلى تهميشه وتهديم صورته وعزله حتى لا يفضح تقصير الآخرين وعجزهم.

متى يستفيق المواطن؟

ومتى يغير القائد؟