الانتماء الفردي

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : د. عبد الله راشد
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 

جميع الكائنات الحية على الأرض لابد أن تكون منتمية ً لأي شيء ، فالحيوان ومنذ ولادته نجد أنه ينتمي ويلتصق مع والدته ضمن وكره ثم يتبع أمَّه وأباه ، ثم المكان والموطن الذي يعيش فيه ، فالدب القطبي لا يمكن أن يعيش في أفريقيا وكذلك العكس فالفيل لا يمكن أن يعيش في القطب المتجمد .

كذلك الإنسان هو كائن حي منتمٍ متطور عقلاني منفعل وفاعل . فمنذ ولادته ينتمي إلى صدرِ أمهِ ، ثم أمهِ وأبيه ، وهكذا تنشأ العائلة التي انتمى إليها وينتقل انتماؤه إلى المنزل والعائلة فالشارع والحي الذي هو فيه بعدها تأتي المدرسة ، فينتمي إلى صفه وأصدقائه ومدرسته ، ثم يتطور الأمر إلى أبعد من ذلك إلى طائفته ومحيطه فمدينته ثم موطنه وأمته .

وإذا قلبنا البحث ، وانطلقنا من الأمة أو الوطن إلى الأفراد ، فبحثنا في الخصوصية أي لنبحث في سورية حصراً مثلا ً .

إن سورية كمجتمع إنساني هي خليط ومزيج متجانس من الأفراد ومن الكثير من الطوائف الدينية والتي تؤمن بالله الواحد ، ولكن كل على طريقته الخاصة فهناك ( للعرض لا للحصر ) المحمديون بطوائفهم والمسيحيون بطوائفهم ، أما عرقيا ً فهناك أيضا ً التنوع المتناغم والمنسجم مع بعضه: الآشوريون والكلدان والشراكس والأرمن والأكراد والتركمان والبدو والشيشانيون والسريان والعشائر الكبيرة المترامية الأطراف والعائلات الكبيرة والعريقة في هذا البلد و ....

إن هذا المزيج البشري المتعدد امتزج مع بعضه في الحياة الواحدة على بقعة الأرض هذه وتعايش سلميا ً حتى أنه نسي انتماءه لهذه العشيرة أو العصبية أو الطائفة، بل بقي يقول ولا يعترف إلا أنه سوري ٌ من المنطقة الفلانية.

فإذا صادفت أي فرد وسألته من أين أنت ؟! مباشرة وبعفوية يجيب أنا سوري من المنطقة تلك... هذه العفوية في الكلام إنما هي عفوية الانتماء إلى بلد واحد وشعب واحد دون التفكير في التفاصيل .

لا أريد الخوض في تفاصيل الأمور ولكن هذا البحث ينطبق على سورية الحالية وعلى سورية الطبيعية الشاملة بحدودها الطبيعية ، وتنوع الأقوام بانتماءاتهم المختلفة فيها ( الدينية - المناطقية ) .

وكما تحدث الأستاذ ميشال معطي عن ثقافة الانتماء ، نجد التأكيد على الفكرة السابقة التي ذكرتها عن مبدأ الانتماء ( وبالتفصيل الدقيق ) ولكن هذه الانتماءات في سورية هي انتماءات لمجتمع واحد وليس " لقوميات متعددة " هذا الخطأ الشائع، والذي ساد فترة طويلة من الزمن ، ومازالت آثاره حتى الآن يتناقلها " الباحثون " أو " المفكرون " في سورية لإيجاد أرضية ضحلة لهم في هذا المجتمع ليبثوا وينشروا أفكارهم الخاطئة . وهناك جهات خارجية قامت بتعزيز ودعم هذه الدعوات لأهداف خاصة استعمارية ، الهدف منها تفكيك هذا المجتمع الواحد إن كان من جهات فرنسية أو إنكليزية أو عثمانية ، وحتى الأمريكية - اليهودية . لأن هذه البلاد يوم كانت موحدة كانت تشكل خطرا ً حقيقيا ً ومهدِّدا ً للمصالح الخارجية منذ الرومان والصليبيين والفرس وحتى الفراعنة .

ثم في العصور اللاحقة، وعندما تنبهت الدول المحيطة بسورية الطبيعية ، وضعت المخططات التفتيتية ، فلا يمكن إنهاء هذه الوحدة الطبيعية المجتمعية السياسية إلا بتقسيمها إلى وحدات سياسية صغيرة وإعطائها الخصوصية لزرع النزعات الفوقية لهذه الوحدات السياسية للوصول إلى زرع القطيعة أو التفرقة والتمايز بين أبناء هذه المنطقة ، ثم تم الانطلاق إلى كل وحدة سياسية أو كيان سياسي والتدخل في مكونات هذه المجتمعات .. لماذا ؟! لتجزئة وتفتيت هذا المجتمع الكياني حتى لا يفكر بالخروج من كيانيته بل الغرق في كيانيته ، فلا أسهل ولا أسرع من التدخل في انتماء وإيمان هذه المجتمعات ، وخلق الفرقة والتمايز بين أبناء المجتمع الواحد .

إن الخوضَ في هذا الأمر وتفصيلَهُ يطول شرحه ، ولا أريد أن أعطي دروساً فيه، ولكن الأحداث الحالية في المنطقة هي التي أثارت الفضول لدي لطرح هذا البحث لأن ما يحدث في العراق ولبنان هو أكبر دليل على ذلك ، ومحاولة نقل هذه الأفكار إلى سورية بلدنا الهادئ ، وشعبه المتفهم والواعي .

فالعراق يريدون تقسيمه مجتمعيا ً للوصول إلى تقسيمه سياسيا ً ، فبدلا ً من أن يقول العراقي أنا عراقي يُراد أن يصبح شيعيا ً وسنيا ً وكرديا ً ، فتارة يُبحث في الطائفة سنة أو شيعة ، وتارة يُبحث عرقيا ً أكراد وعرب وتركمان و.... ( مع إهمال الكثيرين لكثرة التنوع المجتمعي الموجود ) وتارة يُبحث وفق مصالح خاصة. ( لماذا في مسألة الأكراد يبحث الأمر عرقيا ً ولا يبحث طائفيا ً أليسو هم من الطائفة السنية ) .

كذلك نجد لبنان ، قامت الحرب الأهلية وقطّعت أوصال هذا البلد الصغير مساحة والكبير بقيمته الحضارية . رغم ذلك وعند بروز الوعي الأوحد في وجه عدو واحد يريد إلغاء هذا الشعب وهذا البلد حضاريا ً انتهت الحرب الأهلية ، عندها ذهل الأجنبي لهذه النتيجة فهو لم يخطط لذلك ، ووقف الشعب اللبناني واحداً لتحرير جنوبه من الاحتلال اليهودي بمساعدة الشعب السوري . وعندما توجه الشعبان لتدعيم أواصر الألفة والتآخي بين البلدين والشعبين في سورية ولبنان ، أصبح من الضروري تدخل الجهات الخارجية ، وعادت لزرع وتكريس الفرقة الداخلية ، وإحيائها من جديد . وللأسف إن الذين يقودونها هم أصحاب الأموال ورجال السياسة العائلية وليس الشعب اللبناني . إنها مصالح مرتبطة بالخارج وهي مكشوفة للشعب اللبناني وهذا ظهر جليا ً عند استطلاع الرأي لأفراد بسيطين في المجتمع اللبناني وغير مُسَيسين ، عندما قالوا لا يهمنا إن تغير الرئيس أو الوزير أو ..أو ...نريد أن نعيش معا ً فقط .

هل صحيح يريدون أن يعيشوا فقط ، أم أنه لا يعنيهم فعلا ً إن جاء رئيس الجمهورية فلان ، ورئيس الوزارة فلان والوزير .... إن ما يعنيهم فقط هو وحدة البلد وحماية البلد واستقرار البلد . لماذا هذا البحث في الطوائف بدلا ً من البحث عن مصلحة البلاد .

وبعيدا ًعن كل ذلك نعود للموضوع الأهم وهو المسألة الكردية التي ظهرت جلية على الساحة ، وتم تعويمها لأسباب واضحة لدى الجميع ، لأن هناك من يريد الاصطياد في الماء العكر ...

إذا ً إن مسألة الانتماء هي مسألة واضحة وجلية ومتكاملة ، فكما ذكرنا هناك انتماء للأرض وانتماء للشعب أو للمجتمع ، أي هناك انتماء أفقي وانتماء عمودي وهما كلّ متكامل يؤسس ويرسخ حياة أي شعب أو جماعة من البشر وبالتالي لأمة كاملة .

وانطلاقا ً من هذا رغبت في تفنيد مقالة السيد محمد موسى محمد سكرتير الحزب اليساري الكردي في سوريا والتي تحمل الكثير من التناقض.

فبداية إذا عدنا للتاريخ والجغرافيا في منطقة سورية الطبيعية( الهلال الخصيب) نجد أن منطقة إقامة الأكراد أو هضبة كردستان إنما هي تقع في الحدود الشمالية الشرقية لسورية الطبيعية . إذا ً هم قوم يعيشون في سورية الطبيعية ، أي هم ليسوا بأتراك أو فرس أو عرب بل هم سوريون أصلاء أسوة بباقي الأقوام والعشائر التي أقامت في هذه الأرض العريقة منذ الأزل .

يَذكر أن الأكراد عانوا من مظالم كثيرة ، وهنا أقول له إن المنطقة كلها عانت وتعاني من المظالم الاستعمارية ، إن كان من الفرس أو الأتراك أو الفرنسيين أو الإنكليز .... أي أن الأكراد ليسوا وحدهم من ظُلموا في هذه المنطقة ، بل جميع أقوام هذه المنطقة أي المجتمع السوري كاملا ً . والتجزئة كانت في الأساس لتجزئة سورية الطبيعية عبادا ً وأرضا ً وليس الهدف من سايكس بيكو فقط تقسيم كردستان هذا أمر فيه وتجزئة للقضية القومية العامة الشاملة لسورية ضمن مسألة صغيرة مثل باقي المسائل الأخرى .

أما مسألة الحكومات السورية المتعاقبة وممارساتها اتجاه الأكراد ، فأجد أن المسألة شاملة وتبدأ وتنطلق من رؤية الأكراد لقوميتهم وليس في الحكومات ، فكما سبق وذكرت هم أناس سوريون بكل ما للكلمة من معنى ، ولكن التركيز من قبل الجهات الخارجية منذ تقسيم سايكس بيكو على مسألة أن الأكراد قومية مستقلة ويجب أن تنقسم وتستقل ( بل إنهم أقلية كالأرمن والشركس ووو .. ) كان المقصود منه هو التحريض لخلق مسألة من لا شيء إن كانت لجهة الأكراد أنفسهم أو لجهة الدول الحالية ( إيران والعراق وسورية وتركيا ) .

إن ذكر أسماء أبطال أكراد ساهموا في الحركات النضالية ضد المستعمر في سورية أقول : إن شعورهم بانتمائهم لهذه الأرض ولهذا الوطن هو الذي دفعهم لممارسة البطولات مع إخوانهم ، واستشهادهم مع جملة الشهداء الآخرين . وعندما نذكر الأبطال والشهداء لا نذكر دينهم أو طائفتهم أو عرقهم . بل يُذكرون بأفعالهم ووقفة العز التي وقفوها في الأزمات الصعبة ( يوسف العظمة وزير الحربية السورية استشهد دفاعاً عن سورية وليس كرديا ً ودفاعا ً عن الأكراد فقط.

وأنطلق من كلام حضرة السكرتير عندما قال في العمود الثالث : " فالوحدة الوطنية لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن بناء جسور الثقة بين مكونات المجتمع السوري "كيف يمكن بناء هذه الجسور ودعوته المستمرة للقومية المستقلة؟!

ثم يعود ليؤكد على وجود قضية كردية عويصة ويعتمد على الطرح العام ليدعم فكرته بأنهم مضطهدون ، فيطرح مسألة الإصلاحات الجذرية في الوضع الاقتصادي ، أقول له إن هذا الوضع هو شأن عام يصيب جميع أبناء هذا الوطن وليس الأكراد وحدهم .

ثم يؤكد على وطنية القضية الكردية وأصالة هذا الشعب من ضمن الشعب السوري ليعود ويذكر أن الأكراد يشكلون القومية الثانية في البلاد .

أقول له: إنه بهذه الطريقة يعمل على مبدأ (ضربة على الحافر وضربة على النافر)، وهذا فيه مواربة عن حقيقة ما يريد من كل ما يطرحه ويستغل الظروف ليوجهها لخدمة طروحاته ويعتبر حركته حركة وطنية تقدمية وديمقراطية ( لغة العصر الحديث وكأن مسألة الديمقراطية هي شأن حديث لم يكشف أو يعرف إلا عندما تحدثت عنه أمريكا ) . كيف حركته وطنية وهي تدعو إلى تفتيت المجتمع إلى أقليات وقوميات وعشائر وطوائف؟!

ثم ينقذ نفسه من تهمة الارتباط الخارجي في البند الثاني فأقول ـ ولا أريد التشكيك في كلامه _ ولكن الفكرة بالأساس تخدم الخارج ولا تخدم الوحدة الوطنية السورية .

أما في البند الثالث فيعظّم موقف دمشق ليؤكد على ضرورة إيجاد حل مجتزأ للمسألة الكردية مع مسائل خاصة أخرى . هنا أقول : كيف يمكن التوفيق بين العام الوطني السوري والخاص القومي الكردي . إنه لا يمكن حل أي مسألة إلا من خلال القضية القومية العامة السورية والوطن السوري والمجتمع السوري الواحد بجميع أطيافه دون التمييز بين أي فرد أو عرق أو طائفة ، فإن القوانين تصدر ويجب أن تصدر للعموم لا للخصوص .

أما في البند السابع فيؤكد على تطبيق الديمقراطية . ( ما معنى كلمة الديمقراطية . إن الديمقراطية هي حق وواجب إبداء الرأي المسؤول وليس الاعتباطي . ) وكأن الديمقراطية لا وجود لها في سورية وغير ممارسة نهائيا ويجب العمل بها وبسرعة حسب ما تريد أوروبا و أمريكا .( إنها موجودة ولكنها غير متبلورة بشكل جيد لدى الشعب والدولة ) وبممارسة الديمقراطية تحل جميع المشاكل أو المسائل الأتنية والطائفية ( الجزئية ) فهل هكذا يكون الحل.

إنني أرى أن مسألة الأكراد بدأت من قبلهم وتراكمت ، مع أنني لا أنكر أن طريقة التعاطي أو العلاج من قبل الحكومات قد تمايزت وأخطأت لأسباب عديدة منها عدم وضوح الرؤية للقضية القومية العامة ووحدة المجتمع . ولكن الحل برأيي يبدأ عندما يعتبر الأكراد أنفسهم أنهم أبناء هذا الوطن انتماءهم هو لهذه الأرض وهذا المزيج المجتمعي الواحد ، فبدلا ً من اعتبار أنفسهم وأن أكراداً فقط. ليعتبروا أنفسهم سوريين أو عراقيين ويصبح البحث والنضال معا ً للوصول إلى وحدة الأوطان ووحدة سورية الطبيعية بدلا ً من إكثار ودعم الشقاق والتفرقة والتجزئة. وهذا ما يحدث في العراق الآن ، فبدلا ً من المطالبة بالحياة الواحدة والمشتركة ينادي كل طرف وللأسف لدعم موقفه واستقلاليته، وهي لعبة أمريكية غربية إيرانية، فالجميع لا يريد لهذه المنطقة الهدوء والتوحد والعيش المشترك في بلد واحد ووطن واحد وشعب واحد .

إن مناداة الأكراد بدولتهم وقوميتهم هو عمل يشبه دعوة اليهود لدولتهم المزعومة (ولكن الفرق شاسع )، فالأكراد هم من أبناء هذه الأرض وهذا الوطن بينما اليهود هم شعب شتات يدَّعون أنه في فترة من الزمن قامت لهم دولة وأبيدت لأنهم قوم لا يحترم القوانين أو أي ناموس بشري وهم نزعة دينية متطرفة ويدعون إلى تفتيت واقتسام المنطقة لمصلحتهم فقط . بينما الأكراد رغم قيام دولة فهم ولأسباب خاصة جدا ً وانتهت وكان قيامها وسقوطها مقصودا ً ... ولكن يبقى الأساس أن الأكراد يعتبرون أنفسهم أبناء هذه الأرض السورية وأبناء المجتمع السوري .

لنكن أصحاب وعي راقٍ وواضح وعميق عندما نبحث في القضايا الهامة والعامة وأن يكون منطلقنا دائما ً مصلحة الوطن العامة وأن تكون مصلحة سورية فوق كل مصلحة خاصة.