العدد الثلاثون - كانون الثاني

وسام حماده لتحولات :نشهد عصر انحطاط تحت شعارات سخيفة منها التكنولوجيا

حاوره: زاهر العريضي
الاثنين 11 شباط (فبراير) 2008.
 

سيبقى رافعاً راية قانا وآلامها، يغني من أجلها، بصوته الذي يزرع في داخلك الثورة،

وعوده الذي يمتلكك ويأخذك إلى الجنوب ويعبر بك الحدود إلى جرح العرب، فلسطين. ولد ملتزماً كما يقول، ويعبر عن قضيته بفنه الملتزم. كما في الفن هو في الطب، يداوي جراح الناس ويترك الابتسامة على وجوههم في وطن أصبحت الدموع فيه هي الطاغية.

إنه الفنان الملتزم والطبيب وسام حماده المؤمن بالقضية والوطن. التقته تحولات وكان معه هذا الحديث.

 

كيف كانت البداية، وخصوصاً اختيار الفن الملتزم؟

أعتقد أني خلقت ملتزماً. منذ بدايات الطفولة كانت لي طريقة التزامية بين الأصدقاء والمحيط، إضافة إلى ظروف البيت والتربية التي كان لها دور كبير في خلق شخصيتي الوطنية، وتربيتي على حالة الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي خلق لدي حالة استنفار دائم، حاولت التعبير عنها بالموسيقى وكانت البداية عام 1974 كعازف، وعام 1982 كان لي أول لحن عنوانه غريب في الوطن وصديقي الشاعر حسين حماده صاحب معظم النصوص التي أغنيها، كنّا وقتها في الصحراء بين أبو ظبي ودبي حين وضعت أول لحن غريب في الوطن، ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم، أشعر بأني لا زلت غريباً في الوطن، إنه شعور مؤلم وخاصة في هذه الأيام التي لا تستطيع أن تجد تعبيراً تصف فيه الحالة السيئة التي وصلنا اليها وحالة اللاتزان السياسي وخلط الأوراق، بحيث أصبح همي اليوم وخصوصاً كمؤدٍّ للأغنية الملتزمة أن أقنع طرفاً في لبنان بحق المقاومة بالدفاع عن الوطن ومواجهة العدو الإسرائيلي في الوقت الذي يجب أن تكون أعيننا موجهة إلى العالم، لإقناعهم بحقنا ومقاومتنا.

هل تعني أن دور الفنان يتخطى التلحين أو أداء الأغنية؟

دور من يدّعي بأنه مثقف، هو دور تحريض إنما ليس بالمعنى السلبي، بل هو دور تحريضي إيجابي باتجاه الحرية والسيادة وكرامة شعبه وتحقيق الحد الأدنى من حقوقه. نحن كمثقفين أو فنانين علينا أن نلعب دورنا الطبيعي في إظهار الحقائق. هناك بطولات بعد الانتصار على إسرائيل 2006. هذه بعض الحقائق التي علينا أن نحوّلها إلى انتصارات عبر الفن والمسرح، لتصبح من تاريخنا وثقافتنا. المؤسف أنه منذ ولادتنا وهم يزرعون لنا مبدأ الهزيمة، نحن دائماً مهزومين أمام إسرائيل وأميركا، أمام اقتصادنا ـ والسياسيين وحتى أمام أولادنا. وهناك من يقول اليوم إن المثقف قد انهزم أيضاً وهذا أخطر ما تمر به الأمم، حين يضيع المثقفون البوصلة.

برأيك هل يلتقي الطب مع الفن، وكيف توفّق بينهما؟

ليس هناك من تناقض بل هما مكملين لبعضهما. فالطب وخصوصاً الذي أمتهنه أي طب الأسنان هو الأقرب إلى الفن بحيث هناك علاقة حميمة بينهما، والموسيقا عامل متمم لأحلامي وأفكاري ولمحاولة التعبير وبعث الوعي الذي لا أستطيع أن أعبّر عنه في المهنة.

هناك شعور جميل حين تحقق الابتسامة لمريضك، وكذلك حين توصل الابتسامة عبر المسرحية أو الأغنية، فهي عملية إنسانية تلتقي في مجالات مختلفة إن كان في الأغنية أو في الطب.

أين تضع الثقافة والمثقف اليوم؟ كيف تصف المستوى الثقافي؟

نحن بالدرك الأدنى من الثقافة في جميع أنواعها ومستوياتها، المكتوبة والمرسومة والمغناة وغيرها، أعتقد أننا نشهد عصر انحطاط تحت شعارات سخيفة منها التكنولوجيا والتطور، وطبيعة الجيل الجديد هذه كذبة كبيرة يحاولون اختلاقها. الواقع أننا أمام نوعين من المثقفين: المثقف اليائس والمثقف المنعزل في بيته، هناك أزمة مثقف وأزمة متلقّي، والمتلقي يساهم إلى حد ما في دونية الثقافة فهناك جيل يوافق على أي نص سيء، أي رسم، أي موسيقى سيئة، لأن هناك إعلام موجّه ودراسات وسياسات تصب في اتجاه مبرمج ومقصود لإفراغ الثقافة وتاريخ الأمم من مضمونها.

وأهم من يعتقد أن المعركة اليوم مع الصاروخ الذي تطلقه إسرائيل لتدمرنا، نحن في مرحلة اللاوعي وفقدان الذاكرة والثقافة الهابطة لذل باستطاعة أي أحد أن يأتي ويحتلنا بكل بساطة دون أن يستعمل حتى السلاح.

دائماً نرمي المسؤولية على الآخرين، هل المشكلة هي في الشريحة التي تتقبل اللحن الهابط أم في عدم وجود من يقدم البديل؟

نحن في القرن العشرين، استفادت البشرية من التكنولوجيا المتطورة، وأصبح العالم قرية صغيرة واستطاع كل فرد أينما كان أن يتواصل مع الجميع ويعلم ماذا يدور حول الكرة الأرضية، لكن الإعلام ومع الأسف بدل أن يأخذ الجانب الإيجابي راح يلعب الدور السلبي.

شخصياً، لا بمنطق المؤامرة، بل هناك أدمغة وسياسات تعمل ويتوفر لها المال، وتفكر بتحطيم هذه الشعوب عبر إفراغها من ثقافتها وهنا دور الاعلام بتحويل المتلقي إلى سلعة قابلة لامتصاص أي شيء. أما لبنان فكان البلد الوحيد رغم كل ما يقال، الحياة الحزبية فيه أوصلته إلى مستوى جيد من التطور والوعي، وحين حان القطاف تم ضرب الحياة الحزبية فيه، فالشباب لم يعد يجد من يستوعبه لا الوطن ولا الأحزاب، وفي أماكن كثيرة حتى العائلة لم تعد تستوعبه. لقد تم ضرب اللغة والذوق العام والقضاء على الجماليات والنص الأدبي. وتم ملأ الفراغ بمن يغني بجسده.

برأيك هل تبدل مفهوم القضية وأصبح اللحن الملتزم من الماضي؟

لم يتغير شيء، حين غنى سيد درويش ومرسيل خليفة وغيرهم كان حجم القضية كبير، وما زال بل أصبح الوضع أسوأ. الصراع العربي ـ الإسرائيلي ما زال في أوجه، التهديد اليومي في المعيشة أصبح أكبر، السلم الأهلي على المحك، وما زال هناك من يؤمن بالقضية والفن الملتزم.

هل ترى تراجعاً في المجتمع المدني، وغياباً للدولة عن الفنون والثقافة بشكل عام؟

لا ننتظر شيئاً من الدولة، فهي لا تشجع حتى الانتاج الذي يصب في خانتها، كيف لها أن تشجع هكذا إنتاج في غياب لمفهوم الوطن والمواطنة. فالأساس مفقود ولا نستطيع أن نراهن على الدولة.

الأحزاب عاجزة، الأزمة عند المجتمع المدني تكمن في أن المتلقي ككرة الثلج، لقد غنيت في الخارج أمام خمسين ألف شخص كما غنيت أمام خمسة أشخاص، وحين عدت إلى لبنان حاملاً هذا النوع من الأغنية إلى جانب مهنتي كطبيب كنت أنوي تقديم أمسية أو أمسيتين في الأسبوع.

ولكن في فترة زمنية بسيطة أصبح الموضوع مختلف حتى بت لا أستطيع تلبية الدعوات المستمرة، هذا دليل على أن المتلقي ينتظر من يقول له ويعطيه شيئاً يلامسه ويعبر عنه. ولكن لسوء الحظ مجموعة الناس التي تعمل على هذا النوع من الفنون قليلة وأسباب ذلك كثيرة أهمها الأسباب الاقتصادية، رغم أن جمهور هذا النوع من الفن ليس جمهور تقنيات بل هو جمهور نص وأداء ولحن.

بعد (CD) حان الوقت، وتقاسيم على الزمن، ماذا يحتوي عملك الأخير أحلام الناس؟

أحلام الناس مجموعة من الاعمال التي تحتوي على تشكيلة تعبر عن شخصية وسام حمادة المؤمن بمساحة الوطن الكاملة غير المجزأة على مستوى الطوائف، وعبرت عنها في الأغنية والكلمة وهذا العمل يجمع نصوص لشعراء على مساحة الوطن، يحمل أحلام الناس في قضيتهم والأغنية الملتزمة التي تعبر عنهم.

هل تحضر لأي عمل جديد؟

جزء أساسي من العمل الجديد سيكون مخصصاً لذكرى قانا وأنا أصرّ أن أرفع دائماً راية هذه المجزرة البشعة لأنني لا أعتقد تاريخ الحروب المعاصرة عرف أبشع منها أصرّ على الذاكرة والاعلام والنص، نتذكر لا لنتألم ونحزن، بل لنقول للمجتمع الدولي بأن هناك عدو لا يحترم الحد الأدنى من الطفولة.

ما هو المشهد الذي يستفزك؟

دمعة الأم، أكثر الأشياء التي استفزتني، إنه المشهد الوحيد الذي يجعلني أصمت على المسرح حين يأتي في الذاكرة لأن دمعة أم شهيد تختصر كل المآسي، قد أجد مبرراً لدمعة طفل أو رجل ولكن لا أجد مبرراً لدمعة الأم.

كلمة أخيرة؟

أنا من الأشخاص الخائفين على الوطن، ليس من العدو الاسرائيلي لأن في الحروب الداخلية ليس هناك من أبطال ولا شهداء ولا أحد يذكرهم إلا عائلاتهم وحلقة صغيرة من الأشخاص. فأنا من الناس الذين زاروا العالم ولم يجدوا أفضل من هذا الوطن، ليس تعصباً لكن إيماناً وحباً، لأنني استطعت أن أعرف قيمته وعلى اللبنانيين أن يعرفوا قيمة وطنهم مهما تبدلت والظروف تغيرت.