العدد الثلاثون - كانون الثاني

إشكالية الدين هي الأساس

نعيم تلحوق
الاثنين 11 شباط (فبراير) 2008.
 

ثمة مشكلة يعانيها المثقف العربي من خلال معايشته الواقع، هي تعليله للأشياء إنطلاقاً من الآخر، فيكتب عن الآخر لآخر، ولا يكتب عن الآخر لنفسه أو عن نفسه للآخر، أو عن الآخر في نفسه، ممّا يتيح فهماً جديداً للأدب الخالي من الإنارة والإضاءة على غاية الأدب. لهذا لم يَزل المثقف العربي يعيش أسباب النكبات ولم يتجرأ أحدهم إلاّ ما ندر على إفشاء حقيقة النتائج والحوافز التي شكلت هذه الغايات.

 

لماذا أقول هذا الكلام وما هي أسبابه؟

في الحقيقة، لفتني لدى قراءتي كتاب العرب.. وجهة نظر يابانية للكاتب الياباني نوبوأكي نوتوهارا، حين أجرى مقارنة بين العالم العربي واليابان من خلال جولة قام بها على البلدان العربية بدءاً من المغرب العربي مروراً بمصر وصولاً إلى سوريا، تأكيده على إستهتار المثقف العربي وعدم جدوى إهتمامه بحمل قضية صغيرة كانت أم كبيرة، محملاً إياه عدم دفاعه عن قضية السجناء السياسيين وإعتبارها قضية فردية، فالسجين السياسي يعمل للشعب ولا يوجد مظاهرة أو إحتجاج على قضية شخص يعمل للمجموع.

الفكرة صحيحة، لكن الموضوع هو المشكلة لناحية طرحه وقد تتداخل فيه أطر ومشاهدات نعزوها بالواقعية فيما ربط العناصر مع بعضها يؤلف نتيجة لا سبباً، وهذا مشهد من مشاهد الحريات والديمقراطية في العالم الصناعي المتمدّن.

الديمقراطية كي تكون، يجب أن يكون إستعدادها النفي والتشرد والسجن فباسم الديمقراطية في العالم زُهق ستة ملايين قتيل في أوروبا، نتيجة للمعتقدات والأفكار إستعملت الديمقراطية آلاف المرات كي تكون صوت الفئات لا صوت المجموع، وحقها في أن تكون ملك كل الناس وليست ملكاً لأحد البتة أي أن لا تكون إحتكارية.. لأنه حين تصبح الديمقراطية مجموعاً متآلفاً واحداً، أصبح إسمها الديكتاتورية.. الرأي الواحد ـ وهو أخطر ما يمكن أن يحل في حياة المجتمعات البشرية ـ فلو اتفقنا على إله واحد في مضامين الرسالات السماوية لكنّا جنبنا أنفسنا التعددية وإختلاف الآراء.. لكل إختلاف في الرأي حجّته ودوافعه وحيثياته وأثمانه.. الديمقراطية الحوارية هي المملكة المثالية التي تحدث عنها أفلاطون في الجمهورية والفارابي في المدينة الفاضلة. وهذا ما لن يُحدث العدل الإلهي لأننا لم نتفق على سنترة وظيفة الإله أو الآلهة.

إن ما يمكن أن نتحدث عنه، هو غياب مفهوم الديمقراطية عند العرب كما يقصدها نوبوأكي نوتوهارا، فالتظاهر حق إنساني مطلق معطى للدفاع عن الشعارات والمعتقدات، وقد لا تكون إحدى القضايا الجماعية بنظر الآخر ضمن هذا المفهوم. فالفرد في المجتمعات العربية يتحرك بدافع إنتماءاته الروحية والفكرية لا للمفهوم ذاته ضمن قضايا بحث فردية.. فلا يمكن أن يقوم تظاهر من أجل مجرم حكم القانون بجرمه، لأن الديمقراطية لا تحكم القانون، بل القانون يحكمها، وإلاّ باتت الديمقراطية قضية معقدة تحمل في طياتها دوافع بحت ذاتية تخصّص لتنفيس إحتقانات وقضايا لا تمت إلى حقيقتها بصلة. المسائل الشخصية مسائل متشابكة ومتناقضة وشائكة.. وإذا سمحنا بإستعمالها في أمكنة عامة لضربت الفوضى أصقاع الأرض وعمّ البلاء المعمورة.

ثم هل أن كل سجين سياسي أو ما يقع تحت هذا الإطار، يعمل لنهضة المجموع وخيرهم؟ وما هو المقصود بالسياسي بالتحديد؟ فإذا سُجن مفكر لأنه تحدّى السلطة دون أذية، فهذا بالتأكيد يقع ضمن مفهوم الحرية والديمقراطية، وهذا أمر يدافع عنه المثقف بكل جرأة وصراحة وسلاحه المعرفة والتعبير الديمقراطي. وإذا جارت السلطة أو النظام على المثقف تبلّياً بهدف تحويل مفهوم السلطة والقانون إلى ثأر شخصي وأهداف رخيصة، يكون هدف السلطة الأذية الشخصية لأفراد لهم حقهم المواطني الطبيعي في القول والتعبير. ويناط هنا بالسلطة إسم السلطة الفاسدة والجائرة والمعتدية، وتجب إسقاطها ومحاربتها، ويصبح من حق الأفراد ـ مثقفين كانوا أم غير ذلك ـ أن يعلنوا مواقف شتى منها حق التعبير والتظاهر والإستنكار والإضراب بما يسمح به القانون المتفق عليه. هذا يشير إلى نظرية الكاتب الياباني نوبوأكي نوتوهارا غير متكاملة الأبعاد. فالشرط في الحرية عدم الأذية، وعلى الدولة القائمة أن تشرعن ممنوعاتها ومسموحاتها. وضمن هذا الإعتقاد تصبح المشكلة في بنية الدولة القائمة على المجتمع والشعب وعلى مصالحهم وحقوقهم، كما هم على واجباتهم، لا على وظيفة القانون. إن السلطة هي اتفاق في البنية بين المواطن والمسؤول، بالإنتخاب أو بالتعيين كلٍّ حسب نظامه. فالأنظمة الديكتاتورية والأوليغارشية تعيّن باتفاق.. والدول الديمقراطية التقدمية التمثيلية بالإنتخاب. وتصبح الدلالة في بنية العقد المركّب منه النظام.. فتحسم هنا حرية الفرد السياسية والإجتماعية والإقتصادية.. ويناط دور المثقف الرافض لهوية النظام الصراع الديمقراطي بغية تغييره.. فالمثقف داعية إصلاحي أيضاً بمقدوره أن يؤثر على المجتمع ويتفاعل فيه حتى يصل بغرض فكرته إلى قلب النظام ضمن مساحة الحرية المعطاة له.. فإذا تعب من نضاله وصراعه شاء الرضوخ والإستسلام، وإذا أفلح بكون قد حقق نضاله.

فبيننا وبين اليابان.. إشكالية كبرى هي الدين. فاليابان دولة لا دين لها، لهذا ترى حقيقة الأشياء أكثر وببساطة، وتتعامل بموضوعية أدق مع التفاصيل والعناوين، أّمّا بنية أنظمتنا العربية فهي النقيض تماماً، لأن مفاهيمها دينية بحت. إنه عقد إلهي غيبي يلغي العقل ويكسر المنطق، وقد نكون بحاجة إلى ناغازاكي وهيروشيما كي نصبح مثلهم!؟!

لهذا، أسوق كلامي في البدء مع ربط حقيقي لمشكلة المثقف العربي أيّاً كان موقفه وموقعه كي يقرأ ويكتب ويقول جهاراً دون مواربة، أن الحق علينا وليس على اليابان؟!!