"نــســاء الـنـبـي" كتاب يثير اشكاليات المرأة في الاسلام

العدد 5 تشرين الثاني 2005
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 
تحاول ناهد سليم في كتابها هذا مناقشة وضع المرأة في الإسلام عبر قراءة ذاتية جديدة للأحكام والقوانين القرآنية المتعارف عليها منذ قرون طويلة، ولكن لأنها تسعى إلى قلقلة الثابت والمتوارث من خلال رصدها الدؤوب للنقاط المثيرة للجدال والخاصة بوضعية المرأة في الإسلام. تعيد الكاتبة قراءة القوانين والأحكام القرآنية وتقاربها بسيرة حياة النبي محمد (ص) وأحاديثه النبوية التي رويت عنه، والتي تقول إنها فُسرت على أيدي أناس كانت لهم مصالح أخرى غير تأويل ما صعب على المسلمين فهمه واستيعابه. الأمر نفسه تسحبه المؤلفة على تفسير البعض للعديد من الآيات القرآنية الخاصة بوضعية المرأة في الإسلام، والتي حاولوا تحجيم معانيها بما يجعل المرأة تظل تحت سيطرة الرجل، وجعلوا التمرد الأنثوي على المواضعات المجتمعية ورغبة المرأة في الانعتاق من سيطرة الرجل معادلاً للخروج على أحكام الدين والإسلام!

الكتاب أثار ضجة كبيرة في الوسطين الثقافيين الهولندي والبلجيكين، وأصبحت ناهد سليم تذكر متردفة مع فطمة المرنيسي وسواها من المدافعات عن حرية المرأة. وهي في هذا الكتاب تنطلق من رصيد كبير في دراسة القرآن والتفاسير، حيث تحول الربط بين الحاضر والماضي حيث تبدأ كتابها بوصف الحياة في مصر قبل ثلاثين عاماً عندما كان المجتمع يشهد انفتاحاً كبيراً في الأفكار والرؤى والحريات والمعتقدات. و كانت المرأة تحارب من أجل الحصول على حقوقها ولم يكن الشارع المصري قد ابتلي بعد بظاهرة الحجاب. لكن بعد هزيمة 1967 وصعود المجتمع الديني وانتشار الأصوليات وظهور شعارات على الجدران تقول إن "الإسلام هو الحل"، بدأت مرحلة لم تنته حتى الآن.

تؤكد سليم في مقدمة الكتاب أنها متدينة، لكنها ترفض التسليم بالتفاسير الحرفية للآيات القرآنية، وترى أن من الجنون وقف عملية التطور المجتمعي والتاريخي كأننا وصلنا إلى أقصى حالات المدنية والتطور الحضاري. ولا تحجم عن طرح أشد الأسئلة صدامية وإثارة للحساسية فتقول متسائلة: "كيف نعرف أن كلام النبي محمد (ص) كتب بشكل دقيق بعد أكثر من 1400 سنة من موته، وكيف لا نتشكك في أهداف من كتبوا وفسروا كلامه بعد كل هذه السنين؟!".

هل المشكلة في التفاسير؟

ترى الكاتبة أن الإسلام يعيد الكرامة الى المرأة ويعمل على تحسين أوضاعها، لكن التفاسير القرآنية تحدَّ من هذه الحرية وتبقي المرأة على ما كانت عليه قبل الإسلام، ومن ذلك إجبارها على ارتداء الحجاب، رغم أن القرآن يخلو من نص صريح يأمر النساء بارتداء الحجاب. وتستشهد المؤلفة بالآية 31 من سورة "النور": وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخُمُرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليُعلَم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون. هذه الآية فسرها ابن عباس بأن الله إنما يأمر المسلمات بإخفاء كامل أجسادهن، فيما تفند ناهد سليم هذا الرأي مشيرة إلى أن كلمة "زينتهن" لا تعني الوجه أو الشعر بقدر ما تعني المفاتن الأنثوية للمرأة، وهذا ما ينفي فكرة الحجاب التي يظن البعض أن الآية تحض عليه.

وتشير إلى آيتين أخريين 223 من سورة "البقرة" و23 من سورة "النساء"، وترى أنهما صوّرتا المرأة أداة لمتعة الرجل ليس إلا. وزاد المفسرون الأمر سوءاً حين أضافوا تفسيرات أخرى تحول دون حصول المرأة على بعض من حريتها. ولا تتوانى الباحثة عن ذكر قضايا أخرى مثل عدم عدالة توزيع الميراث في الإسلام ونصيب المرأة الذي يبلغ نصف نصيب الرجل، وتدلل على أن الإسلام إنما جاء ليحسِّن من مكانة المرأة، حيث أن المرأة لم تكن تحصل على شيء من الميراث قبل الإسلام، بل كان الميراث كله من حق الرجل. وتعتبر أن القرآن إنما حاول التمهيد لمساواة المرأة في مسألة الميراث بالرجل، لكن التفاسير اللاحقة جعلت الموقف على سكونه كي تظل المرأة تابعة للرجل. وترصد الباحثة في فصل آخر الآراء التي أُدخلت على سيرة النبي ودفعت البعض لاستغلال هذه الأكاذيب لفرض سيطرة المجتمع على النساء، ولم تتوقف ناهد سليم فقط أمام التفاسير القرآنية التي أصبحت قوانين لا يمكن الخروج عليها، بل عملت على تفنيد العديد من الأعراف المجتمعية التي اكتسبت قداسة دينية وهي ليست من الدين في شيء، مثل مهر العروس الذي يشعرها بأنها تباع للرجل، وعذرية الفتاة التي أصبحت من أقدس أقداس المسلمين اليوم، فيما نجد أن الرجل في حل من مسألة العذرية هذه بل ويتباهى بأنه كل ليلة مع امرأة جديدة!

لم تهدأ المناقشات والكتابات النقدية منذ صدور هذا الكتاب، واعتبر أكثر من باحث ومتخصص أن أهميته الحقيقية أنه يقدم صورة جديدة للمرأة المسلمة، تلك التي ترفض الخضوع لسيطرة الرجل باسم الدين.