العدد الثلاثون - كانون الثاني

حلاوة النضال ومرارة السؤال: هل نحن أمة ملعونة؟

منصور عازار
الاربعاء 5 آذار (مارس) 2008.
 

التحية الأخيرة

في كل مرة أدخل فيها المستشفى يظن الكثيرون أنها ستكون المرة الأخيرة، قلبي يصدقني أكثر من الأطباء. ما زال قادراً على احتمالي، البطارية المرافقة لقلبي، تتعثر أحياناً، لا تنضبط في إيقاع الاستمرار، تتخلف عن القيام بوظيفتها. يخاف الجميع، باستثناء قلبي. إنه وفيّ لي. مريض جداً ومعاني جداً من اليأس. لم ييأس مني بعد. وأنا، لم أيأس منه أيضاً.

أشعر أن التعب يتناوب على جسدي، لكن قلبي ما زال يضيء صبحي، ويرافقني حتى المساء، ويسمح لي في ما بين ضفتي اليوم، بنزهات عقلية وعاطفية. يفتح لي صفحات الماضي، لأرتوي منها ولأرويها أيضاً. يعيدني إلى الينابيع السخية، فيما هو يبحث عن دم إضافي كي يغتذي بالحياة ويحييني. أشعر أن قلبي متعب جداً جداً. إنه ما زال يقوم بخدمتي بما تبقى له من زيت الأيام القليلة والمتكاثرة أيضاً.

شكراً لك يا قلبي. لقد كنت كريماً جداً معي.

وللمناسبة، أتذكر أول مرة خفق فيها قلبي بسرعة، ربما خوفاً، أو لأول وهلة ونقزة.

استوقفني رجل قصير القامة، أمام بوابة الجامعة الأميركية وسألني:

ـ أنت منصور؟

ارتبكت. تلعثم قلبي قليلاً. قلت:

ـ نعم أنا منصور. من أنت؟

قال: أنا الياس جرجي قنيزح. من طرطوس. خذني إلى جورج عبد المسيح.

ولم تكن الطريق سالكة. فالسلطات الفرنسية أقدمت على اعتقال عدد من قيادات الحزب. وكانت تشدد المراقبة على الجميع تقريباً. وحده جورج عبد المسيح من قيادات الحزب آنذاك، ظل فاراً من عدالة الظلم الفرنسي الاستعماري الاستبدادي.

كيف عرف الياس جرجي قنيزح أنني على علاقة سرية بالعم؟ لا أعرف. ترى هل كان يدرك أن عبد المسيح يرسل إليّ الرسل لألتقي به في أمكنة بعيدة نائية عن الأعين؟ مرة في العاقورة، ومرة في المغيرة، مراراً في أحراش الزيتون الموزعة في قرى المتن الجميلة.

هل كان يعرف أنه اختارني رسولاً له، يحملني التعليمات والرسائل إلى الحزبيين، لأوافيه بالردود؟ هل كان يعرف أننا كنا نزمط من أعين السلطة والدرك، لكثرة الإجراءات الاحترازية التي كنا نقوم بها، كي لا نقع في الأسر والاعتقال؟

كان لي من العمر، ثمانية عشر عاماً. وكنت موزعاً في دروسي بين الجامعة اليسوعية لدراسة الحقوق، والأميركية لدراسة الفلسفة. كنت أقيم معظم أوقاتي في المكتبة، على صداقة مع الكتب، وما تبقى لي، كنت أنفقه في تحمل المهمات السرية والصعبة والخطيرة.

لعله الياس جرجي قنيزح عرف بذلك. فأمرني: خذني إلى عبد المسيح. كان قادماً من بعيد. وعلي أن أتدبر أمر نقله إلى العم.

دبرت عملية الانتقال بدقة متناهية. ولهذا الانتقال قصة تنكرية. كنت أعرف شخصاً شديد الشبه بالياس جرجي، يدعى جان نجم، فقررت أن يصبح الياس جان، ويتحول جرجي قنيزح إلى نجم. أعطيته بطاقة هوية جان، مع صورته، وانتقل الياس إلى العم بسهولة، ثم، راح يطوف لبنان، من دون خشية. من دون ذلك، كان من الممكن أن يقع ابن طرطوس، بيد سلطات الانتداب، ويعتقل إلى جانب القيادات الحزبية المناضلة.

لأحفادي وأصدقائهم اذكر هذه الصفحات، لأضعهم أمام صورة من صور النضال والجرأة. على أنني سأذكرهم أن الرسائل المعتمدة آنذاك، كانت مختلفة جداًَ. فلا سيارات ولا طرقات ولا هاتف ثابت، ولا هاتف خلوي. كنا إذا قررنا إيصال أمر ما إلى مسؤول، نتكبد عناء الانتقال سيراً على الأقدام. أنا كنت محظوظاً، كنت أناضل على دراجة البيسكلات، كانت رفيقتي في النضال. كنت الأسرع في التنقل من مكان إلى آخر. دراجتي الهوائية، رفيقة ملتزمة حزبياً، وعليها أن تخدمني وتؤمن لي ركوب الخطر، بيسر وسرية.

كان سعاده قد انتقل إلى المغتربات، مبشراً بين المغتربين بالعقيدة القومية الاجتماعية، متوسلاً الصحافة، الإعلام، والتنظيم والكتابة والمحاضرات والتأليف. في تلك الفترة، كنا نقتات من كتاباته الكثيرة، التي كانت تنشر في المغترب، وبعضها كان ينقل إلى لبنان والشام وفروع القوميين الاجتماعيين في الجامعات والمدارس.

وفجأة، عاد أسد الأشقر، مجازفاً بركوب الخطر.

خالي أسد الأشقر، كان قد رافق سعاده في مغتربه العشري وتحديداً في أميركا اللاتينية.

الحرب العالمية الثانية لم تضع أوزارها بعد، والقبضة الإستراتيجية الفرنسية تخنق الأحزاب والجمعيات. لذلك، عندما علمت بقدوم أسد الأشقر، وانطلاق عمله الحزبي، والنهضوي، اتخذت السلطة قرارات تعسفية كثيرة، فبدأت المطاردة من جديد. التحق أسد الأشقر بجورج عبد المسيح، ونشط الأشقر ثقافياً، فيما كان عبد المسيح ينشط لإعادة تنظيم صفوف الحزب، وإبقاء العمل الحزبي في أوجه النضالي، وبسرعة، تحركت الثقافة القومية والنهضوية في صفوف الأدباء والمفكرين والجامعيين. وكان تيار الحركة القومية، قد ابرز منارات ثقافية وعلمية، طبعت المسيرة الحزبية بوعيها وكلماتها ومقالاتها.

أذكر من هؤلاء، جورج مصروعة المؤلف والكاتب والصديق والحزبي والمناضل. عليه تتلمذ جيل كبير من الحزبيين والطلاب والنهضويين. ميشال فضول، رفيق المطابع والحبر والمهمات الكتابية، إلى جانب يوسف الحايك، وجوزف المغربي، وأمين النجار، وسليمان كتاني وأمين داغر ومسعد حجل.

يومها، وبعد نشاط ملحوظ، وقدرة على الإضاءة المستمرة في حلك ذلك الليل الاستعماري الاستبدادي، طار صواب الفرنسيين إذ، كيف يمكن لمنطقة مسيحية مارونية أن تتحرك وتغلي ضد السلطة وتطالب بوحدة سورية الطبيعية؟

أزمنة النضال الجميلة تلك، قذفتني إلى معترك الحياة، بعزم وقوة. مات المؤمن يومذاك عندي، صرت دينامو. أتحرك كالزنبرك. لا أهدأ. الدراجة الهوائية رفيقتي. الرسائل حملي. المهمات الصعبة في جيبي. الكلام العقائدي زوادة عقلي. الإيمان بالحرية صلاتي.

تفولذت. صرت أشعر أنني أقوى من أعدائي. جازفت كثيراً. وخاصة أنني كنت المتحرك الدائم بين المركز المتخفي والفروع النشطة.

تلك المرحلة أتاحت لي عقد علاقات تعارف وطيدة ونضالية، مع مأمون اياس وجبران جريج ومعروف صعب والدكتور حسيب بربر وعجاج المهتار وعبد الله سعاده وحلمي وفوزي المعلوف والكاتب الكبير فؤاد سليمان ومؤسس مجلة شعر يوسف الخال، وسواهم ممن كانوا يعطون من دون وجل.

فيما أنا أسجل هذه الذكريات، من حق أحفادي وأصدقائي أن يسألوني: وهل أنت تتفاءل بجدوى هذا النضال وماذا تنفعنا هذه الذكريات؟ هل حققتم شيئاً مما كنتم تؤمنون به وتعملون من أجله؟

من حق أبناء هذا الجيل أن يسأل: ما جدوى التعب؟ كنتم تؤمنون بالوحدة وتعملون من أجلها. فماذا حصدتم؟ كنتم تقيمون الدنيا ضد الطائفية، وتصرون على فصل الدين عن الدولة، فما الذي أمن الطريق لاجتياحات الطوائفيات ولتصير المذهبيات قلاعاً حصينة؟ كنتم تفخرون بالحداثة وثقافة النهضة، وتعتبرون أنكم مدرسة في الفكر والثقافة، والوعي، فلماذا تراجع الفكر وتخلفت الثقافة مخلية الساحة للفكر الديني بكل تلويناته؟

من حق أحفادي وأصدقائهم، أن يسألوني: ما عمر هذا النضال؟ كم سنة أفنيت؟ كم شهيداً سقط؟ كم عذابات ابتليتم بها؟ كم سجناً أقمتم فيه؟ كم اغتيالاً كابدتم؟ كم تشرداً عانيتم؟ أيستحق هذا الصيت كل تلك الجدية؟

من حقهم أن أجيب عليهم بدقة وموضوعية وعلمية على كل تساؤلاتهم، إلا أنني، وبسبب نضوب الزيت المتبقي، اختصر الجواب، يقول سعيد تقي الدين: ليس مهماً أن تصرع التنين، بل المهم أن تصارعه.

لقد صارعنا التنين... والمعركة مستمرة. ما قمنا به في عمر الأمة، ما زال يسيراً. وللدقة أقول: ظلت أوروبا تكافح أكثر من مائتي سنة، لإقامة النظام الجمهوري. ثم أكثر من ذلك، من أجل انتصار الديمقراطية، وأكثر من ذلك، لفصل الدين عن الدولة.

حصل ذلك، وسط نضالات وحروب وثورات وانتفاضات، ذهب ضحيتها الملايين.

نحن في مرحلة البداية. كنا جنود النهضة الأولى. ولكن النهوض لن يتوقف، نحن وضعنا لبنة أولى في مداميك بناء الأمة وإقامة الوطن، وتحرير الإنسان. ومع ذلك، فإننا نعتبر أن ما قمنا به، ما زال يسيراً. وأن ما نفذناه كان قليلاً جداً، والتاريخ لا يسير وفق خط مستقيم. الثورة الفرنسية العملاقة، أورثت فرنسا حكماً فوضوياً دموياً ثم حكماً إمبراطورياً أشد وطأة من الملكية، ثم حكماً ملكياً رثاً. ولم تنتصر أفكار القرن الثامن عشر إلا في مطلع القرن العشرين.

ما زال الوقت في بدايته، والتراجع الحاصل اليوم، عل عديد من المستويات القومية، السياسية والثقافية والاجتماعية والتربوية، يدفعنا تجاه الإصرار على المنطلقات، والتأكيد على العملية النضالية.

الوحدة بحاجة إلى عقيدة سعاده.

الحرية بحاجة إلى أحرار يؤمنون بالوطن الحر والمواطن الحر.

التقدم بحاجة إلى رجال تحديثيين، حبلت بهم العقيدة في بداياتها.

الديمقراطية بحاجة إلى ديمقراطيين.

هل نحن بصدد استكمال المسيرة؟

لا نظلم أنفسنا عندما نقول: إننا مقصرون جداً اليوم ومشغولون عن القضايا الكبرى، بالمسائل الصغرى.

إنما، من قال إننا نحن في نهاية التاريخ؟ الأمة اندلعت مقاومة... والمسيرة مستمرة. فإلى اللقاء، مع هذا الجهد النموذجي، بعد مائة عام من الآن. وإنني لمتفائل جداً.

دعوني أستريح قليلاً... قلبي يدعوني إلى قيلولة الذكريات.

منصور عازار