العدد الثلاثون - كانون الثاني

البنتاغون حمامة سلام في التنمية العالمية

الاربعاء 5 آذار (مارس) 2008.
 

تبذل الإدارة الأميركية من دم قلبها وقلب أمتها لنشر العدل والغنى والديمقراطية في العالم ولإحلال السلام في البلدان المتحاربة, وها هي تخصص هذا العام مبلغ 70 مليار دولار لقياداتها في العراق. لكن الباحثان ستيوارت باتريك وكيزي براون يجدان أنها توكل الأدوار المدنية وإعادة الإعمار بمجموعها إلى وزارة الدفاع مما يخل بالتوازن المالي والوظيفي الداخلي كما انه يقلل من فعالية التنمية المطلوبة. فهل يعقل أن يتسبب نشر العدل في الخارج إلى نفيه في المهمات الأميركية نفسها؟

دراسة ستيوارت باتريك وكيزي براون

من أهم الركائز في سياسة التنمية الأميركية منذ 11 أيلول 2001 هو ازدياد تنكب وزارة الدفاع لنشاطات التنمية التقليدية. فبين 2002 و2005 ارتفع مقدار المساعدة التنموية وفق مصدر ميزانية البنتاغون, من %5,6 إلى 21,7 % , أي أن المقدار وصل إلى 5,5 بليون دولار.

في الوقت نفسه وسع البنتاغون رصيده المباشر لتجهيز وتدريب القوى العسكرية الخارجية في العديد من البلاد النامية والمعتبرة مراكز صراع أساسية في الحرب الشاملة على الإرهاب.

هذه التوجهات قد تؤدي إلى أن تصبح سياسات التنمية الخارجية خاضعة لأجندة أمنية قصيرة الأمد على حساب أهداف دبلوماسية طويلة الأمد كما على حساب بناء المؤسسات في العالم النامي. بالإضافة إلى أن الجنود الأميركان يمكن أن ينفذوا مسؤوليات وأعمال يقوم بها مدنيون مهرة مدربون في تحديات التنمية.

إن تفاقم دور وزارة الدفاع وما يوفره من مساعدات رسمية للتنمية, يجلب مخاطر جدية. فإذا لم يُدر بتأني قد يسيء إلى سياسة أميركا الخارجية وأهدافها في التنمية في البلدان المعنية, كما انه يفاقم من عدم التوازن في الميزانيات الأميركية بين العناصر العسكرية والمدنية في بناء الدولة.

إحدى أهم الدروس التي أعلنها الرئيس بوش بعد أحداث 11/9 في إستراتيجية الأمن القومي, كان أن الولايات المتحدة هي الآن أكثر تهديداً من الدول الضعيفة المنهارة أكثر مما تكونه لو أنها استعمرتها.

لن تتمكن الأمة الأميركية الصبر أكثر من ذلك وهي تشاهد دولاً فقيرة ومحكومة بشكل سيء, ولن تسمح للدول المتحاربة أن تظل كذلك. قامت إدارة بوش خلال السنين الخمس بعدة مبادرات سلام لترجمة هذه الرؤية ضمن سياسة عملية تطبيقية.

في الجانب المدني للحكومة, هناك خطوات جدية منها إنشاء مكتب التنسيق لإعادة الإعمار وذلك في وزارة الخارجية (في آب 2004)؛ وإطلاق المساعدات الأميركية : إستراتيجية مساعدة الدول الضعيفة (كانون الثاني 2005) تعيين وزارة الخارجية كقائد لتنسيق إعادة البناء بعد النزاعات (كانون الأول 2005). إعلان دبلوماسية تحويلية (أجندة كانون الثاني 2006) وهي لترقية بزوغ بلدان ديمقراطية ومحكومة بشكل جيد في العالم النامي مترافقة بمخطط واضح لفحص وإصلاح هندسة المساعدة الأميركية الخارجية لمصلحة الأهداف الإستراتيجية.

لكن للأسف هذه الاستراتيجيات والتحديثات المؤسساتية لم تكن مترافقة بتوظيف استثماري في مؤسسات أو إدارات مدنية أميركية مكلفة بهذه الأولويات.

تتنكب وزارة الدفاع مهمات القطاع المدني كتأسيس المؤسسات وإحياء الأسواق وإعادة بناء البنى التحتية, بحجة أنه من غير الممكن للمدنيين أن يعملوا في مناخات غير آمنة ولا يوجد فيها كفاءات مدنية.

وبما أن الولايات المتحدة ملتزمة بحرب طويلة ضد الإرهاب العالمي خصوصاً في المناطق المحكومة بشكلٍ سيء والتي هي مرتع للإرهابيين والمجرمين والثوار المتمردين والذين تبدو أهدافهم ضد قيم أميركا وحلفائها.

ينبغي على جيش الولايات المتحدة أن يساعد الدول النامية على بناء قدراتها وسيادتها كي تحمي حدودها وأراضيها, حيث تتم بذلك محاربة التهديدات.

وهذا ما ألهم لوضع برامج عديدة في وزارة الدفاع لبناء ما يسمى مقدرات مقاومة الإرهاب CT وذلك بتطوير بلدان يقودها مقاتلون أميركان (عدد كبير منها يقع في إفريقيا).

هناك تناقض بين ما أعلنته السلطات جهاراً بأنها أوكلت إلى وزارة الخارجية الالتزام بقيادة المساعدات الخارجية وبين الموارد القليلة المتاحة لها وللمؤسسات المدنية لتنفيذ هذه المهمة خصوصاً عندما تقارن هذه المخصصات بميزانية وزارة الدفاع الضخمة.

إن عدم التناظر أو عدم التكافؤ بين التمويلين يحدّ من قدرات الفرع المدني من التقدم في قضية بناء الدول الضعيفة والمنهكة من الحرب...

وطالما استمر عدم التوازن هذا ستدعى وزارة الدفاع باستمرار للقيام بالمهمات ليس في العراق وأفغانستان فحسب بل في طوارئ مستقبلية!...

إن الإصلاح أو القضاء على جذور عدم التوازن والعنف في الدول الضعيفة, عدا تحديات إعادة البناء في بلدان ما بعد الحروب, تتطلب مقاربة الحكومة بأكملها بين وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ومجلس المساعدات الأميركية مع الأخذ بعين الاعتبار بناء قدرات مؤسساتية كحلفاء في العالم النامي.

لكن للأسف نفقات الميزانية تضع عقبة كبيرة لشراكة متوازنة بين الدفاع الأميركي والدبلوماسية وبين قوى التنمية.

ويقول ضابط أسترالي: في الوقت الحاضر, تبلغ ميزانية الدفاع الأميركية حوالي نصف كلفة الدفاع العام الذي تم صرفها, وتستخدم القوات المسلحة الأميركية حوالي 1,68 مليون عنصر مرتدين بزة نظامية.

بينما بالمقارنة تستخدم وزارة الخارجية حوالي 6000 ضابط أو موظف أجنبي, بينما لدى المكتب الأميركي للتنمية العالمية حوالي الـ2000.

بعبارة أخرى تكون وزارة الدفاع أكثر بـ210 مرات من مكتب المساعدات الأميركية ووزارة الخارجية مجتمعين. - بما معناه أن هناك عناصر مستخدَمين كموسيقيين في زمر الدفاع أكثر من كامل الخدمات الخارجية كلها.

إن مقدرات البنتاغون وموارده الضخمة تمارس ضغطاً مستمراً على القادة المدنيين العاملين في السياسة الخارجية في أميركا.

أين يذهب مال البنتاغون المخصص للمساعدات الرسمية للتنمية؟

إن المقدار الكبير لمصروف البنتاغون المخصص لنشاطات التنمية يذهب إلى تصدي أميركا للثورات ولمجهود بناء الأمم في العراق وأفغانستان حيث مددت وزارة الدفاع مهمتها في عمليات حربية شاملة لدعم الاستقرار وإعادة البناء. في الحقيقة من عام 2004 إلى عام 2005 يبلغ مقدار المال المحول مباشرة إلى العراق وأفغانستان حوالي 50% من كامل مجموع المساعدات الأميركية. والأموال المخصصة للعراق لإعادة الإعمار والتخفيف من المعاناة تبلغ أكثر من 4 بليون دولار - وهذا المبلغ يشكل أكثر من ثلثي البرامج المؤهلة لتبنيها من قسم المعونات.

بعد سقوط صدام حسين في العراق جاهد الجيش الأميركي لإقامة إدارة طوارئ في البلاد. وتشمل هذه الخدمات بدءاً من إزالة النفايات إلى إصلاح الأمور الصحية الأساسية وتوزيع مؤونات وترميم وإعادة بناء المدارس والمشافي.

إن أموال الطوارئ أتاحت للجيش إنجاز هذه الأمور ووظائف أخرى طالما تكون متعلقة بإصلاح الأبنية وإعادة تشكيل البنى التحتية والاجتماعية في العراق.

لقد كان برنامج الطوارئ ناجحاً حيث إنه أعطى قادة الجيش إمكانية أخذ المبادرة الفردية لتمويل مدى واسع لنشاطات التنمية في مناخات يكون فيها وجود المدنيين أمراً هامشياً, وحيث يكون تمويل المدنيين شاناً بيروقراطياً.

مثلاً في الأشهر الثلاثة الأولى للبرنامج في العراق, تم انجاز 11,000 مشروع بما فيه إصلاح مئات من المولدات المتحطمة وتنظيف الطرقات, والأهم من كل ذلك: بناء وإعادة بناء السجون ومراكز الشرطة في كل أنحاء بغداد.

وكان قد حصل البرنامج نفسه في أفغانستان.

في الوقت نفسه هناك اعتراف بان هذه المؤسسة هي أداة غير كاملة وحصل فيها عيوب؛ فكون البرنامج لا مركزي ومتعلق بفعالية ومبادرة القيادة المحلية, كانت عرضة للاستغلال والفساد.

لكن بشكل عام ووفق التقارير فإن المشاريع التي تم تحديدها لاحتياجات تكتيكية كانت غايتها الحصول على رضا الشعب وذلك كأدوات أولية لتنفيذ أهداف أمنية أميركية.

بتعبير آخر تم إنشاء برنامج الطوارئ لشراء دعم محلي قصير الأمد, أكثر منه لتنمية مستدامة.

طالما أن المتطلبات الأمنية سوف تستمر ويستمر معها السيطرة على هذه الأموال, فبإمكان أميركا تحسين فعاليتها المستدامة بتوظيف أخصائي تنمية من مكتب المساعدات الأميركية ووزارة الخارجية وتصميم مشاريع, وتقييمها وتقييم تأثيرها على الأمن والاستقرار السياسي والعودة بالاقتصاد إلى وضع سوي. لكن هناك إشكالية في الممارسات الرديئة للتنمية وعدم الاهتمام بتطور أسلوب الحكم وسيادة القانون.

فحيث كان هناك نشاطات لإعادة البناء كان هناك فشل في إقامة تنمية مستدامة. وهذا الأمر أدى إلى أمثلة وفق هيئة التقييم أن هناك مدارس تم بناؤها لكن دون مدرسين وعيادات دون أطباء.

اقترحت إدارة بوش قانون الشراكة العالمية للبناء, حيث وفقه تم زيادة تمويل وزارة الدفاع إلى 750 مليون دولار لتزويدها بشكل مستمر ولتوسيع صلاحياتها وسلطتها في تدريب وتجهيز قوات الأمن.

لقد تم إنشاء منظمة محاربة الإرهاب عبر الصحراء وفي شرق إفريقيا كرد مباشر على اعتداءات 2001. حيث كانت البحرية الأميركية تخطط للقضاء على الإرهاب في القرن الإفريقي بما فيه الصومال وكينيا والسودان وإثيوبيا وأريتيريا وجيبوتي واليمن.

المهمة هي منع النزاع وتعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية مصالح التحالفات في شرق إفريقيا واليمن عبر المساعدة الإنسانية. هذه العمليات تتضمن عمليات مدنية - عسكرية ودعم المنظمات غير الحكومية لتعزيز الاستقرار لمدى طويل, كما تتطلب تدريب عسكري لقدرات وكفاءات محاربة الإرهاب.

صرح الأدميرال روبير مولر أن النجاح الاستراتيجي للقيادة الجديدة لفريق أفريكوم يتضمن إتمام الأهداف التالية:

*- قارة افريقية تنعم بالحرية والسلام والاستقرار, وتزداد ازدهاراً.

*- تقوية الدول الضعيفة؛ وكل البلدان تُحكم بديمقراطيات حقيقية فعالة.

*- تنمية اقتصادية وحكم ديمقراطي بحيث يتاح للدول الإفريقية أن تتصدى وحدها للتحديات.

*- ينبغي أن يمتلك الأفارقة كفاءات ومقدرات عالية وقوية؛ وينبغي أن تكون قادرة على دعم التحولات التي تحصل بعد النزاع وان تكون قادرة على حفظ السلام.

*- ينبغي أن يُهزم الإرهاب في إفريقيا وأن تُحارَب إيديولوجيته من الأفارقة بذاتهم.

*- أن تتم الاتصالات الإقليمية؛ وأن تبقى خطوط التعاون مفتوحة؛ وأن يظل تدفق الثروات الإستراتيجية دون إعاقة.

*- المصالح الحيوية ومفاتيح البنى التحتية للولايات المتحدة وحلفاؤها تكون آمنة ومصانة. وأن تتم الوقاية ضد أي اعتداء على أميركا وحلفائها.

كان الترتيب الأولي يسمح لوزارة الدفاع أن تتصرف بـ750 مليون دولار في أية سنة مالية لتجهيز وتدريب ليس الجيش فحسب بل أيضاً القوى الأمنية الأخرى, خفر السواحل والشرطة. أما القانون الأخير فهو يسمح لسكرتارية وزارة الدفاع باستخدام المال للقضايا الإنسانية وإعادة البناء للشعوب المتضررة حيث تعمل جيوش الولايات المتحدة.

في الكونغرس, يبقى موقفه تجاه هذا الاقتراح التشريعي موقف حذر وله أسبابه. فبينما يدعم المشرعون السلطات المؤقتة الممنوحة لوزارة الدفاع في العراق وأفغانستان, فهم يخشون من إعطائها سلطات دائمة وشاملة التي يمكن أن تنتهك ميزات وزارة الخارجية وتوسع الدور العسكري المباشر في المساعدة الأمنية للدول المستهدفة والتي تعمل فيها أميركا.

هذا القلق أصاب الجميع, الأحزاب والمجالس التشريعية. وبشكل عام وجد المشرعون السبب والأساس المنطقي لسلطات مباشرة لوزارة الدفاع كي تكون أكثر مقدرة في المناخات غير الآمنة.

كما أنهم قاوموا فكرة الشامل دون معلومات وافية من وزارة الدفاع تعلمهم أين ستستعمل هذه الأموال. كذلك أصروا على أن أموال المتاحة ينبغي أن تكون محدودة في حالات الخطورة الكبيرة ومحصورة بقواعد مضبوطة.

إن تشريع الـBGP استجابة مفهومة من البنتاغون تجاه الفصل بين سلطات المساعدة الخارجية الممنوحة لوزارة الخارجية والأرصدة الضخمة الموجودة بتصرف البنتاغون. فالحل المقترح لتوسيع سلطات وزارة الدفاع قد يخلق مسائل بقدر ما يحل منها لأنه يُضعِف قيادة وزارة الخارجية في الشؤون الخارجية.

في نهاية الأمر, ينبغي على البيت الأبيض والكونغرس أن يبحثا عن إصلاح عدم التناسب بين الموارد والسلطات وذلك بتوجههما باتجاه آخر: بزيادة التمويل لوزارة الخارجية والحاجات الملحة.