العدد الثلاثون - كانون الثاني

الجانب النوعي العسكري في إسرائيل

الياس سالم
الاربعاء 5 آذار (مارس) 2008.
 

منذ إعتراف الرئيس ترومان بدولة إسرائيل في أيار 1948، دأبت الولايات المتحدة على دعم إسرائيل وضمان بقائها وحمايتها في منطقة الشرق الأوسط. وفي عام 1953 أعلن ديفيد بن غوريون العقيدة الإسرائيلية الدفاعية، وجاء فيها أن على إسرائيل أن تضمن تفوقاً نوعياً لأنه لا يمكنها أن تواجه التفوق العددي للعرب. وفي عام 1968 وبعدما قررت فرنسا حظر تزويد إسرائيل بالسلاح على أثر عدوان 1967، وإحتلالها لأراضي ثلاث دول عربية ورفضها الإنسحاب، قرر الرئيس الأميركي ليندون جونسون عقد صفقة طائرات فانتوم ف-4 لإسرائيل، وبذلك بدأ تنفيذ الإلتزام الأميركي بضمان التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي بالمقارنة مع الدول العربية. ومع أن الولايات المتحدة زودت دولاً عربية بأسلحة أميركية حديثة، إلا أنها حرصت على أن تبقى إسرائيل الدولة الأكثر تجهيزاً بالأسلحة الأميركية المتطورة، ومؤخراً وقعت إتفاقية مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 30 مليار دولار أميركي.

التزم الأميركيون التفوق النوعي العسكري لإسرائيل على الدول العربية باستخدام طريقتين:

ـ زيادة تجهيزات وقدرات الأسلحة المباعة أو الممنوحة لإسرائيل وخصوصاً الطائرات وآليات القتال.

ـ تخفيض قدرات الأسلحة المباعة إلى الدول العربية وخصوصاً الطائرات وآليات القتال أيضاً.

وقد أدى ذلك إلى أن صفقات الطائرات على أنواعها التي كانت تباع إلى دول الخليج والسعودية ومصر هي غير مجهزة بمعدات الملاحة والتوجيه والتسليح مثل تلك التي تستلمها إسرائيل.

يجمع الخبراء العسكريون الأميركيون أن أساس التفوق النوعي الإسرائيلي هو السلاح النووي الإسرائيلي الذي لم يعد سراً إمتلاك إسرائيل له، رغم الهالة من الكتمان والسرية التي تحوط به. تشير تقارير الإستخبارات الأميركية أن إسرائيل تمتلك ما بين 75 و130 قنبلة نووية، وأنه لا يستطيع أي عدو أو خصم لإسرائيل أن يشن هجوماً عليها دون أن يأخذ بعين الإعتبار الرد الإسرائيلي النووي. وحقيقة أن البيت الأبيض لا يسائل إسرائيل على إمتلاكها السلاح النووي، ويعتصم بالصمت كلما ارتفع صوت دولي حول هذه القضية، هي أن الولايات المتحدة إنما تنفذ التزاماً بضمان التفوق النوعي العسكري لإسرائيل.

في الولايات المتحدة يتولى مكتب الشؤون العسكرية السياسية في وزارة الخارجية المسؤولية عن بيع الأسلحة وتصديرها، وتتولى لجنة سياسة كشف الأسرار الموافقة على بيع الأنظمة العسكرية الحساسة. وتتألف هذه اللجنة من وزير الخارجية ووزير الدفاع ووزراء الجيش والبحرية والقوات الجوية ورئيس هيئة الأركان المشتركة (National disclosure policy committee). وفي الواقع تعتمد وزارة الخارجية على معلومات الإستخبارات لتحدد درجة التفوق النوعي.

لا يمكن السماح ببيع وتسليم منظومة عسكرية حساسة إلا بإجماع أعضاء اللجنة.

ولإسرائيل إتصال معين في هذا الموضوع، فهي تقدم كل سنة لائحة بالأسلحة التي تعتبر أنه إذا إمتلكها أعداؤها تهدد التفوق النوعي، وذلك في إجتماع مستوى تعقده المجموعة السياسية العسكرية في وزراة الدفاع.

يحدد الإسرائيليون الجانب النوعي العسكري على أنه:

القدرة على الاحتفاظ بنوعية عسكرية عالية، توفر قوة الردع، وعند الحاجة القدرة السريعة على تحقيق التفوق الميداني في مواجهة أية مجموعة من القوى المعادية وبأقل خسائر ممكنة. وفي تقديرها للجانب النوعي تركز إسرائيل على التهديد الذي تشكله الأسلحة المتطورة أكثر من وسائل إطلاقها وعلى الغواصات والطائرات المسيرة.

وتفرض لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس على رئيس الولايات المتحدة أن يحيل إلى الكونغرس تقريراً حول بيع الأسلحة للشرق الأوسط يتضمن معلومات عن إنتقال أي سلاح من أي دولة إلى الشرق الأوسط والخليج، سواء كان سلاحاً تقليدياً أم غير تقليدي (نووي ـ كيمائي ـ بيولوجي)، وتحليلاً حول تأثير هذه المبيعات على التوازن العسكري في المنطقة، وعندما تخطر وكالة الأمن الدفاعي الأميركي الكونغرس حول إقتراحات بيع الأسلحة إلى الشرق الأوسط يتضمن ذلك تقريراً حول تأثير هذه الأسلحة على الجانب النوعي العسكري الإسرائيلي.

وقد جاء ذلك بعد أن أعرب عدد من أعضاء الكونغرس عن خشيتهم من أن تنضم دول الخليج التي تشتري أسلحة أميركية متطورة إلى باقي الدول العربية في عملية هجومية ضد إسرائيل. وفي مجال تأكيد الولايات المتحدة على التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي على العرب، قال وزير الخارجية الأسبق وارن كريستوفر (في ولاية كلينتون الأولى 1992 ـ 1996): ستحافظ الولايات المتحدة على التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي وعلى قدرتها على الدفاع عن نفسها بنفسها.

وحددت وزارة الدفاع في تقريرها عن السنة المالية 2007 أهداف المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل بما يلي:

ـ ضمان التفوق العسكري الإسرائيلي ضمن التوازن العسكري في المنطقة، وتقوية قدرة إسرائيل على ردع التهديدات والدفاع عن نفسها.

ـ منع النـزاعات الإقليمية، ومساعدة إسرائيل على تحقيق الأهداف التي تشاركنا فيها وذلك بمكافحة الإرهاب ومنع إنتشار أسلحة الدمار الشامل.

ـ بناء الثقة اللازمة لإسرائيل لإتخاذ خطوات محسوبة من أجل السلام، كما حصل في القرار الإسرائيلي بالإنسحاب من جانب واحد من قطاع غزة وبعض أجزاء الضفة الغربية.

لا تكتفي إسرائيل بالدول العربية التي لا تزال في حالة حرب معها، وهي عملياً سوريا ولبنان من أجل حساب التفوق النوعي، بل تتعدى ذلك لتشمل الدول التي تربطها بها معاهدات سلام، أي مصر والأردن بالإضافة إلى دول الخليج والسعودية، وإنضمت إيران إلى هذه الحسابات بعد تصاعد دورها الإقليمي وكشفها عن قوة عسكرية برية وبحرية وخصوصاً الصواريخ بعيدة المدى التي تصل إلى إسرائيل.

إن حساب التفوق النوعي بالمقارنة مع الدول العربية وإيران (ومن يدري، هل تنضم باكستان قريباً إلى هذا الحساب؟) يجعل من هذه المسألة الأكثر حيوية في العلاقات الأميركية الإسرائيلية. فهي تمتد من الإدارة أي البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي إلى وزارة الدفاع وإلى وزارة الخارجية والكونغرس وصولاً إلى أجهزة الإعلام بكل أنواعها.

ويعتبر الإسرائيليون أن أي صفقة سلاح أميركية تباع إلى دول عربية تؤثر على الجانب النوعي العسكري الإسرائيلي, ولكن ظهرت مؤخراً إشارات إسرائيلية من أن الحكومة بدأت تتخذ خطوات أكثر تفهماً فيما يتعلق بالمبيعات العسكرية الأميركية لدول الخليج خصوصاً أن الإدارة اتفقت مع الكونغرس على مبيعات عسكرية لهذه الدول بقيمة 20 مليار دولار. ومن الملاحظ أن رئيس الوزراء أولمرت وباقي المسؤولين الإسرائيليين لم يعترضوا على هذه المبيعات، وأقروا بحاجة الولايات المتحدة لدعم الدول العربية المناوئة لإيران، ورغم ذلك يعمد أصدقاء إسرائيل في الكونغرس وهم الملكيون أكثر من الملك من أجل تحديد مستويات الأسلحة المباعة ونوعيتها وعدم الموافقة على بيع أنظمة حساسة ودقيقة.

يتساءل بعض المحللين في واشنطن ماذا يحصل إذا أوقفت الولايات المتحدة مبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط متجاوبة مع الضغط الإسرائيلي بعدم بيع أسلحة إلى دول الخليج، بذريعة التوازن مع إيران؟ يجيب هؤلاء أن ذلك سوف يؤدي إلى مزيد من القتال الطائفي في العراق واهتزاز الوضع في لبنان، وهناك ناحية أخرى إذا لم تزود الولايات المتحدة الأسلحة إلى هذه الدول، فإن دولاً أخرى سوف تملء هذا الفراغ وتلبي الحاجة المتصاعدة للسلاح، وهي روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا دون أن تأخذ بعين الإعتبار التفوق النوعي الإسرائيلي. ومثالاً على ذلك وقعت السعودية مذكرة تفاهم مع بريطانيا لشراء 72 طائرة من نوع تايفون بقيمة 21.2 مليار دولار. وحالياً تجري مفاوضات بين السعودية وروسيا لشراء دبابات من نوع ت 150 بقيمة مليار دولار، كما أن القوات الجوية لدول الإمارات العربية تسعى لشراء جهاز إنذار مبكر وأخرى للحرب الإلكترونية بقيمة مليار دولار.

إذا استجابت الإدارة الأميركية لضغوط أصدقاء إسرائيل في الكونغرس، فإنها سوف تخسر صفقات أسلحة في المنطقة وتخسر معها نفوذاً وتأثيراً وتواصلاً مع جيوش هذه الدول عن طريق خبراء الصيانة والتشغيل. وإذا لم توافق الولايات المتحدة مثلاً على بيع مراكب جديدة للبحرية السعودية، فإنها سوف تنتظر من 20 إلى 30 سنة لتحصل على نفوذ في هذه القوة البحرية (في الأساس المراكب البحرية السعودية معظمها فرنسي).

وتعيد الدوائر الأميركية تقدير الموقف المتعلق بالتفوق النوعي الإسرائيلي وتعتبر أنه في الوقت الحاضر لا يظهر أن هناك دولة عربية تنوي شن هجوم على إسرائيل. العراق لم يعد يشكل أي تهديد وسوريا تعاني من سلاح قديم وقوات جوية محدودة التأثير على الأقل في المدى القريب. لكن إنتصار حزب الله في حرب 2006، على حد قول أحد المحللين، شجع باقي العرب وخصوصاً سوريا على الإسراع بتطوير إمكاناتها في مجال الحرب غير المتماثلة (Asymmetric warfare). ويعتبر هؤلاء أن إحتمال نشوب حرب تقليدية في المدى القريب شبه منعدم.

مع أن إسرائيل تواجه تهديداً متصاعداً من الحرب غير المتماثلة أي الوحدات الإرهابية المنظمة والصواريخ بعيدة المدى أرض ـ أرض وأسلحة الدمار الشامل، لكنها تحتفظ بتفوق واضح في مجال الفضاء والأسلحة النووية والصواريخ المضادة للصواريخ البالستية. إن التهديدات غير المتماثلة والهجمات الإرهابية ما تزال الخطر الأكبر واليومي لإسرائيل، وهي التي لا يستطيع التفوق النوعي العسكري الذي تحققه بفضل التحكم بالمبيعات العسكرية الأميركية في المنطقة، أن يزيله ويعتبر الإسرائيليون أن أي خطر على وجود إسرائيل سوف يأتي من خارجها. وينظر الإستراتيجيون في إسرائيل بعين القلق على إستقرار الأنظمة في مصر والسعودية والأردن، لكن هذا القلق لا يصل لدرجة الضغط لتغير سياسة الولايات المتحدة تجاه هذه الدول.

لقد جهدت إسرائيل والدوائر الأميركية المؤيدة لها من أجل ضمان التفوق النوعي العسكري على العرب اعتقاداً منها بأن ذلك يحفظ أمن إسرائيل ويضمن بقاءها لكن الخطر الذي لاح في الأفق ثم دخل حيز التنفيذ على الأرض وهو الحرب غير المتماثلة، حيث لا تخضع المواجهة للقواعد التقليدية المعتمدة في الحروب والتي على أساسها تم تصميم الأسلحة. فها هي الولايات المتحدة تواجه حرباً شعبية في العراق وتتكبد الخسائر وتعجز عن تحقيق الأهداف السياسية رغم التفوق العسكري. لم تنفع الأساطيل ولا الطائرات في السيطرة على الشوارع والأحياء والعشائر. وينطبق ذلك على إسرائيل التي اضطرت للإنسحاب من لبنان تحت تأثير ضربات المقاومة والموقف السياسي المؤيد لهذه المقاومة، وهي لم تستطع رغم تفوقها الواضح اجتياح لبنان والقضاء على المقاومة، لا بل تسبب هجومها بتعريض الداخل الإسرائيلي لأول مرة في تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي لضربات أدت إلى نزوح خمس عدد سكان إسرائيل من الشمال إلى مناطق أكثر أمناً.

والوضع نفسه ينطبق على غزة والضفة الغربية حيث لا يمكن للتفوق الإسرائيلي في الفضاء والجو من تحقيق السيطرة على الأرض. إن عمليات تحديد الأهداف وإطلاق القذائف بواسطة أجهزة دقيقة وقتل عدد من قادة المقاومة الفلسطينية في غزة لم ينه هذه المقاومة، ولا ننسى عندما أعرب شيمون بيريز عن سروره بعدما قتل يحي عياش المعروف بالمهندس عام 1995 بتفجير هاتف جوال يحمله، واعتبر أن التفوق التقني سوف يحقق تغليب الإرادة السياسية.

إن كلفة التفوق النوعي العسكري الإسرائيلي عالية جداً وهي تستنفذ عشرات المليارات من الدولارات، ولم تؤد إلى نتيجة ضمان الكيان الإسرائيلي. ولا ننسى قول شيمون بيريز في حرب تموز 2006: إن هذه المعركة هي معركة حياة أو موت بالنسبة لإسرائيل. لقد خصصت الولايات المتحدة مجهوداً كبيراً وهيئات عديدة في إدارتها من أجل ضمان التفوق النوعي الإسرائيلي، لكن كل ذلك لم ينفع طالما أن الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني والشعوب العربية لم تنحن أمام هذا التفوق.