العدد الثلاثون - كانون الثاني

أطروحة الديمقراطية الدينية عند الإمام الخميني

وجيه قانصو - استاذ جامعي
الاربعاء 5 آذار (مارس) 2008.
 

هل الديمقراطية الدينية ممكنة؟ سؤال يطرح نفسه في ظل الديمقراطيات المختلفة في العالم.

هنا وجهة نظر حول أطروحة الديمقراطية الدينية عند الإمام الخميني، يعتبر فيها الكاتب أن لا تناقض بين السلطة الدينية والسلطة السياسية.

تفتح تحولات هذا الموضوع للحوار حول مفهوم الديمقراطية وارتباط الدين بالدولة.

 

خرج الصبح متثاقلاً من جوف الليل، وأخذ النهار يجر نفسه بملل ليعود ويتوارى من جديد في العتمة، في هذا اليوم، أطل روح الله بروح من الله على العالم. بكلمات قليلة، وبكثير من امتلاءات الوجه وفيض الحياة ونبض الروح، مد جسر عبوره الصوفي إلى قلوب الأحرار والمعذبين من البشر، مخترقاً حواجز اللغة ومحلقاً فوق أسوار الثقافات. لم تكن رسالته مجرد كلمات نسمعها أو نص نقرؤه، بل كان هو الكلمات التي تفتح أمامك كل خيارات المعنى وهو النص الفائض دائماً بالدلالة. رسالة بلا شروط انتساب أو لائحة معتقدات، سوى أن تستعيد ذاتك الإنسانية، التي آمن منذ بداية حياته، أنها سر الهي، وأنها أول هذا العالم وآخر مطاف حركته الجوهرية. رسالة بسيطة، ولكنها تعيد تشكيل المشهد الكوني: ليكن لنا نحن المستضعفون مكاناً في هذا العالم.

تشعر مع روح الله الخميني أن شيئاً في داخلك قد اتسع إلى تخوم الحد واللحد وأن الكون أصبح في مرماك. تتعلم منه أن تجعل من النهايات المحتومة بداية لتاريخ إنساني جديد، وأن تتمرد من دون أن تهجر أمكنتك، ولكن لتجعل من تمردك طاقة خلاقة في إبداع أمكنة جديدة، وأن تجيد أخلاق النبلاء في المخاصمة، وأن تحارب بدون حقد وتنتصر بدون انتقام، وأن تقبل الهزيمة وقوفاً كالشجر الضارب في الأرض.

الصعوبة كل الصعوبة، في أن يكون روح الله الخميني موضوع دراسة لديك، إذ أن موضوعية الموضوع تقتضي بينونة بينه وبين الذات، ومسافة ترائي بينهما، وغيرية بين الطرفين. فالإمام، لم يكن آخراً، بل كان الذات نفسها في لحظة اكتشافها لخيارات وجوه جديدة، ولم يكن ذلك الآتي من بعيد، بل كان فعل يقظة الأنا من غفلتها عن حقيقتها وعما يمكن أن تفعله في هذا العالم، كان ذلك الدفء الذي ملأ الأحاسيس البادرة ونبه الأذهان الشاردة.

عندما يطلب منك، كما في هذه الندوة، أن تتحدث عنه: أطروحة الديموقراطية عند الإمام الخميني، تشعر في البداية من الحيرة أو الحرج، إذ كيف يمكن الجمع بين أطروحة الخميني في ولاية الفقيه، التي تعطي الفقيه بجعل ديني، سلطة الأمر المطلقة، وتهبه كل حقوق التصرف التي كانت للنبي وللإمام المعصوم (بحسب المنظومة الاثنا عشرية)، وبين الديموقراطية التي يخلو تكوينها السياسي من أية حقوق إلهية توجب تمايزاً لطبقة على أخرى، أو لفرد على غيره. فلا سلطة تفرض أو تشرع من خارج المجتمع، والشعب هو مصدر السلطات ومصدر التشريع أيضاً.

هذا التعارض، دفع البعض، إلى التوفيق بين الأطروحتين، بالقول إن ولاية الفقيه سلطة مستمدة من الشعب أيضاً، لأن الآلة الدستورية في تعيين الفقيه، آلة ديموقراطية، تبدأ من انتخاب الشعب لمجلس الخبراء، وتنتهب باختيار هذا المجلس للولي الفقيه، قد ينجح هذا التوفيق بسلطة إلهية ممنوحة لفرد أو طبقة، ومبدأ أن الشعب مصدر السلطات.

وقد يعمد آخرون إلى القول إن الشعب الإيراني هو الذي ارتضى، باستفتاء عام، شكل النظام القائم على ولاية الفقيه. فتكون سلطة الفقيه الفعلية، نابعة من إرادة الشعب وقراراه، ويكون النص الديني مرجع محدد لسلطة الفقيه وليس مصدراً لالزاميتها. إلا أن هذا برأيي لا يحل المعضلة، فالديموقراطية لا تملك أن تلغي نفسها، ولا يملك الشعب إرادة التنازل عن إرادته، وكما يقول سارتر، أنت حر في كل شيء إلا أن تتخلى عن حريتك. كذلك فإن استفتاء جيل معين على قبول سلطة مطلقة، لا يلزم الأجيال التي تليه، بل تبقى مشروعية هكذا سلطة مرهونة باستفتاءات جديدة ومتكررة.

برأيي، فإن التعارض بين مبدأي ولاية الفقيه ومشروعية الديموقراطية، نابع من فهم ولاية الفقيه نفسها، حين ينظر إليها كسلطة فرد مطلقة تقابل وتزاحم الأمة كلها، وكمنظومة طاعة أو فكرة خلاص لا تستقيم النجاة بدونها.

من هنا، وبعد مرور ثمانية عشر عاماً على نجاح الثورة، تبرز الحاجة، إلى التعرف على رؤى الإمام في مجالي الحكم والسياسة، وإلى فهم ولاية الفقيه بنحو يتعدى ملابسات الثورة. فالمسافة بين خطاب الثورة وخطاب الدولة، هي المسافة بين الأيديولوجيا التي تعبئ وتحشد وبين المقولة السياسية التي ترصد تفاعلات القوى، هي المسافة بين منظومة طاعة وتماسك ضرورية لإحداث التغيير وبين التأسيس لشبكة الروابط التي تجمع القوى المتعددة وتنظم الإرادات الحرة، هي المسافة بين العقيدة الدينية والعقيدة الوطنية أو القومية، والمسافة بين الإيمان والمواطنة.

أحدث الأمام الخميني، بثورته السياسية وبأطروحة ولاية الفقيه، تحولاً تاريخياً في الوعي الشيعي، حيث أعاد الاعتبار لزمن الغيبة، واستبدل عرضيته بأصالته، وألغى الفارق بينه وبين زمن حضور الإمام المعصوم، واعتبر أن مشروعي الحياة والدين قابلان للتحقق في كل الأزمنة. كانت ولاية الفقيه قلباً لوضعية التخارج التاريخي بين الاجتماع الشيعي وبين السلطة. وكانت أيضاً تأسيساً لتكيف ديني بوجوب التصدي للشأن العام. نجحت ولاية الفقيه في بناء مجال سياسي عام تتشارط بداخله وبنحو متبادل عناصر الاجتماع والدين والسلطة، ونجحت أيضاً في بلورة عقل ديني يهضم حركة الدين في التاريخ ويكيف مطلقاته القيمية داخل شبكة معقدة من علاقات القوة.

هذا يعني أن مقولة ولاية الفقيه، لا تفهم على أساس موجبات التكليف الديني فقط، بل تفهم أيضاً كوظيفة وكمؤسسة داخل بنية النظام السياسي. فالتأسيس الفقهي لولاية الفقيه يبين موقع الفقيه داخل نظام الحكم، ولكنه لا يقدم إجابات كافية عن بنية النظام وعن شبكة العلاقات المعقدة في داخله.

فالفارق بين الفهم الفقهي للسلطة وبين الفهم السياسي لها، هو الفارق بين الحقيقة والتحقق، بين الجوهر وتمظهراته وتجلياته، بين التنصيب الإلهي وبين الاعتراف الاجتماعي به.

ولا يعني التمييز بين الفهم الفقهي والفهم السياسي، الفصل القاطع بين البعد الديني والبعد السياسي. فالسياسة لم تنفك يوماً عن الدين، حتى في لحظات زهوها وادعائها. إنما الذي تنفيه هنا، هو عدم تطابق المجالين رغم التداخل المعقد بينا، وعدم إمكان أحد المجالين الإحاطة بالآخر إحاطة كاملة، سواء كان ذلك على مستوى التحليل والفهم، أم على مستوى الوجود والتحقق.

هذا يستعدي الحاجة إلى تلمس أدوات تحليل غير فقهية في قراءة واستيعاب المشهد السياسي، ويعني على المستوى الموضوعي عدم كفاية البحث الفقهي أو عدم كفاية تصدي المؤسسة الدينية في التأسيس لمنظومة الحكم والسلطة الشاملة لكل المجتمع. فالتأسيس لسلطة ممنوحة من الله، يعبر عن شرط ضروري في نظام الحكم، ولكنه شرط غير كاف لتصبح تلك السلطة حقيقة موضوعية قائمة. أي أن التأسيس الديني للسلطة، هو تعبير عن تصور ديني لما يجب أن تكون عليه السلطة، إلا أن هذا التصور لا يحمل بذاته قوة تحققه، إذا لم يتحول إلى قوة مجتمعية ويخلق لنفسه طاقة تمكنه من الإمساك بزمام القوة السياسية.

الفارق بين التأسيس الديني وبين التأسيس السياسي للسلطة، هو الفارق بين إثبات السلطة بنحو الحقيقة ومطابقة الأمر كما يقول المناطقة، وبين إثباتها بنحو الموضوعية والواقع اللذان يتجليان في ميدان المجتمع. وهذا يفسر لنا سر دعوة النبي محمد لأصحابه بمبايعته بيعة الشجرة، رغم أن النبي يستمد كامل مشروعيته الحقيقية من سبب أو مصدر غيبي، إلا أن استعانة النبي ببيعة أصحابه ومؤيديه هو السبيل لتتحول دعوته من حقيقة إلى واقع ومن إمكان إلى فعل. ويفسر لنا تمسك الإمام علي بالبيعة له زمن حكمه واحتجاجه بها ضد خصومه، رغم أنه كان يرى نفسه، بحسب رأي الشيعة، خليفة بالنص لا بالبيعة. ويفسر لنا أيضاً تفكيك بعض فقهاء الشيعة، بين مقام الإمام الديني وبين ضرورة استلام السلطة السياسية.

عندما نعلم أن الإمام الخميني أحجم عن أي إيحاء، بممارسة السياسية التي توحي بسلطة مطلقة، وندرك تأكيده على المشاركة الشعبية ليس فقط في صنع الثورة بل أيضاً في صنع قرار وفي تشكل النظام، وعندما لجأ الإمام عشية الثورة إلى استفتاء حول النظام السياسي الذي يرتضيه الإيرانيون، وإذا لاحظنا كافة العناصر التي صنعت الثورة وشكلت النظام السياسي في إيران، نجد أن عناصر الإرادة والإجماع والتعبير الحر والمؤسسات المجتمعية القائمة على التحالف الطوعي، هي عناصر أصيلة في بنية النظام السياسي في إيران.

ربما كان إطلاق سلطة الفقيه، تلبية لضرورات الثورة وتحولات الكبرى التي تتطلب تعبئة وتماسكاً في زمن الأوقات الصعبة، إلا أن هذا الإطلاق لا يعني انه يمثل ضرورة ذاتية للنظام السياسي نفسه، رغم أنه ضرورة في مجال التدبير الديني، بل هو تعبير عن حكم سياسي خاص، ينتفي في داخله الصراع بين الزمني وبين الروحي، وتعبير عن إطلاق حضور الدين في الحياة، واستعادة الحياة لكامل حركتها.

كل ذلك، يدفعنا للاعتقاد، أن ولاية الفقيه فكرة متحركة ومرنة، تعبر عن حضور الدين الدائم والمحوري في مجريات السلطة والحكم والتشريع والقضاء، وتحتمل التوسعة والتضييق بحسب ما تقتضيه شرط التاريخ، وتقبل التموضع داخل منظومات سياسية جديدة، والانتقال إلى وضعية علائقية جديدة والقيام بوظيفة مجتمعية أكثر تطوراً وفعالية.

بهذا الفهم، لا تعود ولاية الفقيه سلطة تقابل سلطة الأمة بل هي سلطة داخل شبكة القوى والمؤسسات في المجتمع، ولا تعود قوة إلغاء للإرادة العامة، لأنها تتشكل بها وتقوم على شرطيتها، وليست قوة استلاب للفرد، بل هي مظلة حاضنة لكل أشكال التعبير وصور التضامن. أنها ترتيب ثقافي يفعل الحاضر ويتصالح مع الذاكرة، وإجراء ذكي يرفع التناقض بين المكون الديني والمكون السياسي، ويساعد المجتمع على مراكمة تجربته في الحكم والسلطة، وأطروحة اجتهاد مرنة، تغذيها القراءة المستمرة للنص الديني، ويصوبها المعطى التجريبي، الذي يختبر واقعية أي مفهوم وفعالية أي رؤية.