العدد الثلاثون - كانون الثاني

ندوة حول كتاب أمل لا يغيب للدكتور سامي خوري

الاربعاء 5 آذار (مارس) 2008.
 

نظمت مؤسسة سعاده حواراً حول كتاب أمل لا يغيب للدكتور سامي خوري في نادي خريجي الجامعة الأمريكية في بيروت بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين وكانت مداخلات للسادة محمود شريح، جان دايه، نسيم خوري، صقر أبو فخر وهنا نص المداخلات المكتوبة.

 

الزعيم انطون سعاده يسمعنا الآن يا دكتور سامي!

للدكتور نسيم الخوري

ما الفرق بين الأمل والحلم؟

الأوّل يخطو إيجابياً في اليقظة بحثاً عن الرجاء، والثاني يخطو إيجابياً، أيضاً، في الضوء وفي العتمة متشحاً بالرغبات والخيال. لكن أي حلم وأي أمل يختزنه واحدنا عندما يكون في غيبوبة كاملة طويلة؟

الأفضل ألا نجتهد بحثاً عن مصطلح جديد، لأننا نصبح فوق الحافة الخيالية التي تفصل الحياة عن الموت، وهما أصلاً لا ينفصلان أبداً. فنحن الآن، نجتمع حول سامي الخوري، ونحيا معاً هذه الفترة الرائعة، لكننا نموت معاً في الوقت نفسه. وتهرّ فترتنا في حفرة الزمن تحت سنديانة لا ندركها، تماماً مثل حبّات البلوط تسقط في جورة السنديان، أعني قرية الكفير في نائي الجنوب اللبناني كما أسمتها الأديبة والقريبة اميلي نصرالله. الحق معك أيتها الإملي، الماثلة أمامنا بألقك، كما في حبر الدكتور سامي زهرة من سنديان لوى حبرها بعض الشوك النافر في العروق. لم تحلقّي يا سيدتي فوق أجنحة طيور أيلول، لأن رسائل خطيبك غالب الخوري، الذي مات جبلاً قومياً، شكلّت جذور أدبك الواسع كما جاء في الكتاب، لكن أباك داوود أبو راشد كان ماهراً في زراعة الأجنحة للطيور المهيضة كما للعبقريات التي تنبت الأدباء مثلك. وعندما خطف الموت أبن عمنا خطفتك طيور أيلول نحو المجد، وتبعثرنا كعائلة نضالاً في الأرض وتحتها. تلك هي معضلة الزمان. والكتابة لا تفصح في خاتمة المطاف ولا تزهو إلا إذا غُطت الريشة بجروح لا تيبس دماؤها تحفظ الحلم نسغ المرّ في طعم البلوط اليابس.

الأمل والحلم، إذاً، خيط رفيع مستل من غيمة، أي من ماءٍ تبخّر ينجدل في الخيال عالياً فوق الحقائق والممكنات. ويثخن مثل حبال المشانق الجاهزة في العالم للطغاة والمجرمين، كما للمفكرين والكتّاب الكبار والمناضلين الأحرار، أمثال الزعيم أنطون سعاده ورفيقه الدكتور سامي المحكوم بالإعدام منذ نصف قرن إلى جانب الأمينة العامة جولييت المير سعاده زوجة الزعيم، وعصام المحايري وجورج عبد المسيح وإنعام رعد واسكندر الشاوي وغسان جديد.

لقد عقد المؤلف أو العم سامي سبحته بصدى الرصاص وترنيمة الحبال في كتابه أمل لا يغيب. استيقظ مجدداً من العدم ناموساً للعمد عبر الحبر عندما خرج بكتابه من الموت إلى الحياة.

قفز الطبيب سامي الخوري من غيبوبته الطويلة. تثاقلت شفتاه نحو كلمة واحدة قال: أعطني قلمي! قالها لدلال خليف زوجته ورفيقته في الحزب السوري القومي الإجتماعي، أو منتظرته دهوراً على أبواب الكوارث والأعاصير والسجون والمنافي والتشريد والغربة والمستشفيات والإغتيالات والإنشقاقات والإنقسامات. واملأوا الفراغ هنا بالكلمات المقهورة التي تعجز عنها القواميس، والتي لم ولن تؤثر جميعها في دستور الحزب وقوانينه التي وضعها وأصدرها الزعيم.

أعطني قلمي قال وراح يكتب سعادة والحزب في أحداث وتفاصيل وأسماء وتواريخ، تعجز عنها ذاكرات الشاشات الحالية. ولولا أننا في حضرة روّاد العلمانية لكنا استنجدنا بالقديسين الكثر وعجائبهم في جبل لبنان!

لست هنا لأخبركم عن كتاب الدكتور سامي. لا أرجو سوى قراءته حرفاً حرفاً وجرحاً جرحاً حيث أنصف الكاتب نفسه وأنصف الآخرين. فيه تتلمسون النضال المصفى والمنخول في دنيا من السطحيّات والفكر الأفقي المحبوس بين قوسين. قرأتك حتى الثمالة بالقرب من بحر صاف قرب بخنسز أتذكرها؟. كنت أتلمّس طفولتي مع كلّ جملة، بعدما كانت القصص في النضال همساً أسترقه طفلاً ويافعاً في الكفير مروراً ببيروت وباريس وكندا وبيروت. الهامسون كلهم صاروا ضمة من عظام تتمايل تحت السنديانة في الكفير. وأظن بأنّ أطيافهم تسمعك وترقص لعودتك إلى بيروت، وليس بعيداً بالطبع عن مقر الحزب في رأس بيروت حيث اصطحبك ابن عمنا سمير الخوري وأنت خارج من الموت بصندوق سيارة عادل العجلاني.

وهنا قبل قراءة خمائر الحزب في الكتاب ملاحظات ثلاث:

الملاحظة الأولى في العلمنة المستحيلة. وترجعني إلى العام 1990، في محاضرة لي، حول العرب قراءة جديدة، في دار الفن والأدب لجانين ربيز، بعنوان عروبة الممكن وعروبة الإستحالة، وفيها تساءلت: من نحن؟ أي السؤال إيّاه الذي كان طرحه سعاده مباشراً عمارته الفكرية، ونطرحه مع كلّ حدث ويوم. هل هناك عرب واحد أم عرب متعدد ينطقون بالعربية؟ نتخاطب فلا نتفاهم لأن الفصحى ليست لغة الأم/الجسد، مع أنّ سعاده طوّعها في محيطه العائلي الضيق؟ وهل يمكن اعتبار الوحدة والقومية العربية أكثر من مصطلحات وأحلام أرادوا منحها مرتبة الأفكار؟

النصوص هي هي ثابتة عند جفاف الحبر بين أصابع أصحابها. لم ترشدني إلى قارئ جديد أو إنسان جديد أو واقع جديد. لماذا يبقى الجديد عابساً فينا لا يتجدد إلا بنسبة إلى قديم طودي يراوح في الزمان والمكان؟ القراءة عبء في الأساس، ودحض للنبوءة التي تطمح إلى الدنيا بدءاً من أميتّها حيث لا قراءة ولا كتابة. أسئلة كثيرة، وجدت بعض أجوبتها في ما أسميته عروبة الإستحالة. ففي العالم مشكلات يقوم حلها في أن تبقى خارج دائرة الحلول النهائية. والواقع أن وقف هذا الجدل حول العروبة والإسلام وبين المسيحية والعروبة حق أخلاقي بعدما شغل التاريخ العربي أكثر من ألف سنة. حتى العروبة العلمانية أراها تغرق في الإستحالة كلّما استغرقنا في الزمان، وفي صحوة الإسلام أمام الجندي الرقمي الأميركي يقرع بحذائه أسوار مدننا المستوردة التي لم تلامس الشمس الفكرية النقدية بعد.

وإذا كان سعاده قد غالى، مثلاً، في البحث عن تأثير الجغرافيا على حياة الأمم ونهضتها وتوجيه حركتها، يجدر بنا كشحاً لعناصر الإستحالة من بعض النصوص القومية والعلمانية أن نطرح أسئلة كان هو طرحها وأجاب عنها ولربّما كان عدّلها لو كان هو بيننا اليوم. وأذكر أن بعض القوميين قطّبوا وجوههم بعد المحاضرة، لرهبة النصوص في الشرق، ومنبعها سماوي لا يطاول ولا يمس!

الملاحظة الثانية هو فقدان السيادة بمعناها القومي أو السبب الأول في كلّ ما حلّ بالأمة، وتكرار المقولة بأنه من غير المعقول أن يخشى الطائر اللبناني الجميل القمحة الدمشقية. فإذا ما تساندا ازدهرا وإن تنافرا تكسّرا مثل قصب البصرة، لكن ما العمل إن كان الكثر من سياسيينا لا ينامون إلا وأمير ميكيافيللي تحت وسائدهم. ما زلنا بعد غيابك الطويل في دائرة من نحن؟ يا دكتور سامي.

أمّا الملاحظة الثالثة ففي حلم انتظار قرن ونصف هو الفاصل الزمني بين زمني الميلادية والهجرية، لربّما يتمكن المسلمون من إطلاق ثورتهم الفكرية الخاصة بهم لا نحو الأصول بل نحو الأقول في مستلزمات الماضي الذي يفيض بالمعنى الفكري فوق كل حاضر أو مستقبل. تلك ليست من مهمات المسيحيين ولا اليهود ولا الغرب الذين يخرجون دوماً من الصليب إلى صلب الدول والشعوب المسحوقة بدلاً من تنميتها. ومشكلتنا هي في الغرب بقدر ما هي في شرقيي الغرب وأربابه في الداخل والخارج.

وهنا يحق لنا السؤال، عن مدى الزلازل التي نسمع وقعها في العالم مع بدايات هذه الألفية الثالثة، وهي تطمح، لربما، إلى خرط اتحاد الروسيا في الكثلكة لتبشير آسيا، وأخذ الإسلام في غفلة وفي غزوات، ليهاجر البابا إلى القدس متصالحاً مع الشرق، ويصالح المسلمون نصوص إبراهيم. ها نحن في دوائر الإستحالة أيضاً. والإستحالات من ضروب الخيال والحلم.

ولذا أخرج من الملاحظات لأسأل:

سامي الخوري من أنت؟

لست وحدك في غيبوبة. أنا مثلك في غيبوبة ما أو في حلم أو خيال منذ كان عمري تسعاً. أكاد أذكرك زرت الكفير خلسة ليل السادس من آب 1959 برفقة بشير عبيد لتلقي نظرة وداع على مسقط رأسنا هناك، وتودّع أباك وأمك التي أقعدها موت غالب حتى الموت. أكاد أتذكرك أبن عم لوالدي وأبوك أبو عارف أبن عم والدي. كنّا نضيع في شجرة العائلة وتشعباتها، وكان والدي أبو راجح يلحّ علينا بأن نخاطبهم جميعاً بعمي عارف وعمي غالب وعادل والعمة أسماء وعبلة سلالة من القوميين السعاديين الأصليين. كانوا يفاخرون بوزنك وأوزانهم في الحزب إلى جانب الزعيم، كلهم انخرطوا في فكر سعاده وتزوجوا الحزب فكراً وممارسة حتى الذوبان والتشتت في أصقاع الأرض والمجد والشهرة وهما من ثمار السنديان.

من أنت يا موشّح عائلتي وادي التيم ومطرّز شراييننا بالفكر القومي حتى أقاصي الذرية التي لم تصل بعد؟ كيفما اتجهت إلى إضبارات الأمن تجدني مثلاً قومياً سورياً مع أنني لم أنتسب يوماً إلى الحزب. فقد لفنا أبي بجدار سميك من الوصايا لم ينفع وعلى الرغم من التنكيل بعائلتك / عائلتي. يومها حفظتنا عبلة وأسماء أديبات الحزب أكثر من الأناجيل، وعشنا حياتنا مفكرين متميزين وفي عزلة عن كثر من الناس، يتجنبوننا أو يخافون منا ولا يحبوننا لكنهم يحترموننا، ولاسيما أننا خلقنا جميعاً في أرحام من الحديد المحمى. بقيت العلمنة ديننا، وبقينا نشيخ ببصرنا عن رجال الدين، ونستهلم أعمارنا لإزالة الحواجز بين الطوائف والمذاهب المتكاثرة المستوردة إلى ديارنا. لا يهمنا سوى مصلحة الأمة وكرامتها وكيانها، وصلاتنا محاربة الإقطاع. ونتوق إلى جيوش قوية تصون بلادنا وتحميها. ليست مهمة القرابة الدموية، فكلّنا نعود في أنفاسنا تلك إلى جدّنا جبور الخوري، رائد التمرّد على الأديان، وأول بروتستانتي في هذا الشرق شارك في حملات إبراهيم باشا المصري.

أنت هو أنت. سام، كبير، مناضل شريف، وأشدّ ما يوجسني هو أن أكتبك بلا وعيي وغيبوبتي بعدما قرأتك أو أعدت قراءتك حبة حبة حتى تجمعت الصورة أمامي الآن ألتقيك للمرة الأولى في حياتي كأي كائن لا أعرفه في هذه القاعة.

أنت هو أنت الدكتور سامي الذي قضينا عمرنا نملّح نصوصنا به. ومنذ مقتل عدنان المالكي في 22 نيسان 1955 زميلك في مدرسة اللاييك في دمشق، غيّرت تلك الحادثة مجرى حياتك وحياة العائلة وحياة الحزب القومي السوري الاجتماعي، وكانت نقطة تحول كبير في الوضع السياسي في سوريا والمنطقة بشكل عام. نعم!

منذ 53 عاماّ كان نهار جمعة مثلما اليوم نهار جمعة. كنت تحضّر جدول أعمال الجلسة الأسبوعية في مكتب الزعيم بدمشق مع جورج عبد المسيح وعصام المحايري، عندما أطلق يونس عبد الرحيم رصاصة اخترقت عدنان المالكي، ثم انتحر في الملعب البلدي، في أثناء مباراة كرة القدم بين فريق الشرطة العسكرية السوري وفريق خفر السواحل المصري. تلك الرصاصة قائمة في رؤوسنا ولم نصدأ حتى اليوم!

أما الأمل فالحق معك بأن الإنسان أمل لا يغيب. لكن أي إنسان يا عم سامي وقد تضافرت صوره في أحلام الفلاسفة منذ سقراط حتى اليوم تناقضاً فاضحاً. أهو إنسان يسوع يبسط وجهه أمام راحات الكفوف المتأهبة دوماً للانفعالية والتهشيم، أم إنسان نيتشه الذي حوّله أجداد بوش إلى سوبرمان، ويبدو لاعباً مثل صغاره خلف شاشة يمحق ينابيع الحضارة في بلاد ما بين النهرين وفلسطين ولبنان. أهو الإنسان العربي؟ الحزبي؟ المؤمن؟ المقاوم؟ المتمغرب؟ المسلم؟ المسيحي؟ العلماني؟ الكافر؟ لنقل بأنه الإنسان الرقمي في المجتمع الرقمي الواحد الأميركي الذي يحمل تشظياته في خلده، وعلينا مقاومته حتى آخر الأجيال.

لا أعرف أين هو إنساننا اليوم؟ علمتني الجروح بأن الحزب لا يتقدّم على الوطن، لكننا ما زلنا في ساحات بلا أوطان، كما لا يتقدّم الإنسان على الجغرافية التي طرّزها سادة في حبره. أنا أميل، اليوم، إلى الفكرة الزوتشية التي ابتكرتها كوريا المرتجفة مجدداً بعدما خرجت من الحريق الأميركي الهائل لجسدها. فخرجت من الرماد لترميم القدرة المطلقة للإنسان، لكن سوبرمان نيتشه المعاصر هو على الأبواب ملوّحاً مجدداً بالنار، والموضوع دهري في توريث المقاومة والنضال.

ختاماً، أعقد اليوم بوجداني سبحة العمر أمامكم وأمام العم سامي بلحمه ودمه وهيبته وذكائه وحبره. وأقوم لأتعرف عليك. فأقبلك للمرة الأولى. تلك لحظة رائعة من العمر نتشارك فيها الشيخوخة وبيروت والحزب ومجرى الدم ولربما كان كتابك تفاحة نيوتن تقرع رأسي ملحمة نضالنا الكبير قبل أن نلوذ نهائياً بجورة السنديان، وكلانا علاقته بأرضنا علاقة صوفية لا تنتهي حتى تحت التراب! هل توافق معي؟

روح الزعيم سعاده كانت تسمعنا اليوم أيضاً.

 

المحاولة الانقلابية بين الهزيمة العسكرية

والنصر القضائي

جان دايه

بعد ليلتين، تحل الذكرى الـ45 لمحاولة الانقلاب الفاشلة تنذكر ما تنعاد التي قامت بها قيادة الحزب الحزب القومي مع بعض الضباط المنتمين للحزب أو المتعاطفين معه سياسياً. ولأني دشنت حياتي الحزبية بـ105 أيام أمضيتها في معتقل ثكنة المير بشير الذي نافس سجن المزة قتلاً وتعذيباً وتنكيلاً.. فقد رأيتني أبدأ بقراءة كتاب أمل لا يغيب لطبيب الأبدان والبلدان سامي الخوري، من المقالين المتتاليين نبيه نعمه والانقلاب وريما. وكما يحصل مع أي قارئ معني بما يقرأه، فقد بلغت الصفحات التسع التي يملأها المقالان في حاسوبي 99 صفحة. ذلك أني خلال قراءتي لكل صفحة، وأحياناً كل عبارة، كنت أستعيد قراءة دراسة المستشرق بيار روندو التي نشرها في مجلته الباريسية (Orient) بعد أشهر من المحاولة تحت العنوان التالي:

Le mouvement du 31 Decembre 1961 est-il un coup d’etat?

هل تكون حركة 31 كانون الأول 1961 مجرد محاولة انقلابية كلاسيكية؟

واستعرضت أيضاً مئات التقارير الدبلوماسية التي بعث بها السفير البريطاني في بيروت إلى وزارة خارجية بلاده والمودعة في المبنى المعروف بالـ(Public record office) الكائن في حي كيو غاردن اللندني الارستقراطي. ويعود سرّ الاهتمام البريطاني البالغ بالمحاولة، إلى إصرار محمد حسنين هيكل وكمال جنبلاط - كان وزيراً آنذاك ـ بأنها ـ أي المحاولة ـ من نظم وتلحين 10 داوتنغ سيريث. وكان حضور قوي في الذاكرة لمذكرات عبدالله سعاده ومصطفى عبد الساتر وإنعام رعد ومنير خوري وفؤاد عوض وشوقي خيرالله وغيرهم. كذلك، أعدت قراءة وقائع المؤتمر الصحافي الذي ترأسه رئيس الحزب القومي الأسبق يوسف الأشقر في أوائل سبعينات القرن الماضي والمحاضرة التي ألقاها شوقي خيرالله في الفترة نفسها، وقد تمحورا ـ المؤتمر والمحاضرة ـ على الفظائع التي ارتكبها النظام الشهابي بحق المعتقلين ومنها قتل 31 بحجة الهرب. ولم يغب عن الذاكرة كتاب المكتب الثاني المليء بالمغالطات الذي أعدّه الزميل نقولا ناصيف وضمنه وجهة نظر المكتب الثاني وبخاصة رئيسه وقتذاك غابي لحود. وبالطبع، طغت على سطح الذاكرة وقائع المحاكمة الحزبية بحيثياتها وأحكامها العادلة، التي ترأسها الحقوقي الأمين صالح سوداح.

ولحظة فرغت من قراءة المقالين، كتبت عدة برقيات إلى المؤلف، تتراوح بين التأييد والمخالفة، أكتفي بإرسال القليل منها، بسبب أن وقت المداخلات ينتهي قبل أن يبدأ.

في برقية التأييد الأولى والرئيسية، أثنيّ على رفض المؤلف في الصفحة 399 فكرة الانقلاب من الأساس صحيح أن بيار روندو خلص في دراسته العلمية إلى القول بأن ما جرى في الليلة الأخيرة من العام 1961 ليس مجرد انقلاب عسكري كلاسيكي يقوم بع ضباط طموحون، بل محاولة استيلاء على الحكم قام بها حزب سياسي عقائدي يمتلك برنامجاً إصلاحياً، وأن الضباط الرئيسيين الذين اشتركوا بالمحاولة، هم أعضاء في الحزب. ولكن الصحيح أيضاً أن المحاولة لم تكن ديمقراطية ولا يتيمة. بل هي واحدة من ست محاولات قامت بها قيادات الحزب خلال دزينة من السنين، بدءاً من ثورة تموز 1949 في بيروت، ومروراً بأربع محاولات في دمشق، كانت أولاها وأكثرها أذى، تلك التي بدأت وانتهت باغتيال الضابط عدنان المالكي. اثنتان في لبنان. وأربع في دمشق، خلال فترة زمنية قصيرة. وكان يمكن أن تكون نتيجتها اندثار الحزب وتبخّر العقيدة، لو لم تعج المحاكمات بوقفات العز، ولو لم يكن بعض المسؤولين من أمثال الدكتور سامي الخوري، وبعض الأعضاء الطيبين من أمثال السيدة الأمينة المثقفة المجاهدة ماريانا عكاري زوجة عبد الرسول أبو خليل المعروفة بأم وليد، يصّرون، رغم كل الهزائم والمآسي، على أن حركة سعاده الثقافية السياسية أمل لا يغيب.

وعلى ذكر محمود نعمه، فقد كان المؤلف على حق حين حاول إقناعه بعدم السفر من أميركا إلى بيروت.. ليس فقط لأنه لا يؤمن بنهج الانقلاب التي تؤدي إلى الفشل حتى لو نجحت.. بل لسبب وجيه آخر لم يأتِ الدكتور خوري على ذكره، وهو أن الدور الرئيسي التنفيذي الذي أسند إليه، وهو قيادة المجموعة المكلفة باعتقال رئيس الجمهورية فؤاد شهاب، كان يمكن أن يتولاه أحد الضابطين: عبدالله الجبيلي أو علي الحاج حسن اللذين كلّفا بمعاونة محمود نعمه. أضف إلى ذلك، أن محمود نعمه العسكري الذكي والشجاع، لم يشترك في رسم خطة الانقلاب، وهو بالكاد، اشترك في وضع اللمسات الأخيرة على خطوطها العريضة. وصحّ حدس المؤلف، فقد عُذب الضابط الشاب ثم اغتيل في مضافة المير، ليس فقط لأنه كان على رأس الزمرة الكبيرة التي حاولت خطف رمز الشرعية، بل أولاً لفراره الأسطوري من سجن المزة في دمشق قبل 24 ساعة من بدء محاكمته التي جرت في غرّة العام 1958.

كان من أسباب المحاولة الانقلابية سقوط أو بالأحرى إسقاط بعض مرشحي الحزب في المعركة الانتخابية وهم عبدالله سعاده في الكورة وأسد الأشقر في المتن الشمالي وإنعام رعد في الشوف، الذين يحّملهم المؤلف مع آخرين أمثال عيسى سلامه، مسؤولية الكارثة التي حلّت بالحزب أثر فشل المحاولة. صحيح أن التلاعب في الانتخابات يشكل مثلبة في العهد الشهابي، ولكن لسيد العهد مآثره وهي مباشرته في تحديث الدولة اللبنانية. وبدلاً من دعم الحزب لمشروعه الإصلاحي عبر بعض أصدقائه من القياديين القوميين أمثال عبدالله محسن وسعيد تقي الدين، جرى العكس. فقد أُبعد الأول عن رئاسة الحزب قبل انتهاء مدة ولايته القصيرة أصلاً... وفُصل الثاني لأنه وجّه انتقاداً لاذعاً لكميل شمعون في أحد كراريسه الانكليزية التي أصدرها في العام 1957: (Bridge under the water) (جسر تحت الماء). وارتفع حاجبا فخامته واحمرت عيناه حين خاض خصمه الأول وخصم الحزب الأول كميل شمعون على لائحة أسد الأشقر، مما أدى فوز فخامته وخسارة الأخير. وكان من نتائج زواج الحزب الكاثوليكي على كميل شمعون، اضطرار فؤاد شهاب للتعاون مع الشيوعيين رغم كرهه لهم كما تدل وثائق الخارجية البريطانية.

طبعاً، كان منتظراً أن يدين المؤلف كل المحاولات الثورية والانقلابية على ضوء إيمانه بالنهج التبشيري الثقافي والديمقراطي. ولكنه استدرك في الصفحة 408 ليستثني ثورة 1949 حيث قال: لقد قبل الحزب مرة واحدة في تاريخه عملاً من هذا النوع قام به انطون سعاده مرغماً. ولكن الزعيم يعرف كيف يتصرف كزعيم للحركة القومية الاجتماعية وقدوة لها، فقدم نفسه إلى الموت وهو يعرف ذلك، وجابه الموت بشجاعة عز نظيرها. أما أن تقوم قيادة الحزب بعملية انقلابية ليس لها ما يبررها سوى هاجس الاستيلاء على السلطة، ثم يهربون أو يختفون تاركين الحزب والقوميين الاجتماعيين فريسة بين أيدي السلطات المتلهفة للقضاء عليهم، فهذا أمر مرفوض كلياً.

هنا، أستأذن المؤلف الذي أثمّن عالياً مناقبيته وجهاده وإبداعه الثقافي وحرصه على الموضوعية، لأخالفه في مسألتين: الأولى، استثناءه لمحاولة 1949 والثانية تأكيده بأن قادة محاولة 1961 هربوا وتركوا الأعضاء بين يدي كبير الجلادين في مضافة المير أبو أحمد انطوان عازوري.

من المرجّح أن تمييز الزعيم سعاده عن سائر قادة الحزب ومنهم الرئيس عبدالله سعاده يعود إلى الحرص على مهابة الزعامة وتنزيهها عن أي خطأ أو خطيئة. وهو نهج أتبعه معظم القوميين صحيح أن الزعيم مجموعة عبقريات كما أكد لي وبحق الأمين عبدالله قبرصي. ولكن العباقرة يخطئون أيضاً. ولعل غلطة الشاطر بالنسبة لسعاده، ارتجاله الثورة على أهل الحكم في لبنان بدلاً من استئنافه الحملة الإعلامية التي بدأ يفضح فيها فسادهم وتآمرهم على الحزب وزعيمه في حادثة مطبعة الجميزة. وليس أدل على فداحة الخطأ، بل الخطيئة، من خسارة الحزب والأمة لعبقري في الخامسة والأربعين (أو السادسة والأربعين وفقاً للبرهان القاطع الذي جاء به الأب ميشال سبع في كتابه الخاص بسعاده) كان يمكنه إنجاز الكثير من الأعمال النهضوية والفكرية ومنها كتاب مستقل يشرح فيه الفلسفة المدرحية التي كتب عنها ثلاث صفحات.

المسألة الثانية التي لا أوافق الطبيب الباحث، عليها، وهي اتهامه قيادة الحزب بالهرب والسلامة الشخصية ولأضرب بعض الأمثلة على جرأة أكثرية قادة المحاولة وتضحياتهم، في التحقيق وخلال المحاكمة.

لجأ محمد بعلبكي إلى السفارة الأردنية اثر فشل المحاولة. ولم يكن باستطاعة الأمن اللبناني اقتحام السفارة لاعتقاله بسبب الحصانة الدبلوماسية. ولكن رئيس المجلس الأعلى الأسبق انتقل طوعاً من نعيم السفارة إلى جحيم الإمارة. أُودع خطأ القاووش 14 قبل نقله إلى الزنزانة. سألته عن سرّ انتقاله من مضافة السفير إلى مضافة المير. فأجاب بما معناه: آثرت تحمّل المسؤولية مع سائر القياديين المدنيين والعسكريين رغم توقعي التعذيب النفسي والجسدي وربما حكم الإعدام. أضاف: نحن في لبنان حيث الطائفية هي الوجبة اليومية... وأنا السني الوحيد بين المعتقلين من القيادتين التنفيذية والتشريعية. وهنا رأيت تفويت الفرصة على السلطة اللبنانية التي حاولت تصوير الحزب العلماني وكأنه ينتصر على الأرثوذكس والموارنة والدروز والشيعة دون السنة. وكان لدفاعه عن الحزب وعلمانيته صدى كبير في الأوساط اللبنانية المحايدة وحتى المعادية فقد دخل أحد أساتذة الجامعة اليسوعية الصف وقال لطلابه وهو يحمل بيده جريدة النهار التي نشرت الدفاع من غير اجتزاء أو تحريف، وقال لطلابه: اقرؤوا دفاع مسيو بعلبكي الذي يصلح أن يكون مادة لأطروحة جامعية.

وقبيل موعد المحاولة، سافر نقولا طراد إلى باريس لمحاولة إقناع الكي دورسيه بالنظام العتيد. وعندما فشلت المحاولة عاد إلى بيروت أحد صاحبي بنك طراد الفرنكوفوني الذي ولد وفي فمه دزينة ملاعق ذهبية عيار 24 وفي خدمته ربع دزينة من المربيات الأجنبيات الجميلات، وأمضى عامين في ثكنة المير بشير البيروتية وسجن القّبة الطرابلسي. وكانت الأيام الـ730 التي أمضاها في المعتقل والسجن من أسعد أيامه. وبالطبع، هو لم ينسَ أن يدفع أضعاف ما توجّب عليه للمحامين، أو أن يشتري هدايا بمناسبة الأعياد لجميع المعتقلين أيضاً، كان بإمكان عضو المجلس الأعلى وقتذاك الدكتور منير خوري مغادرة لبنان أثر فشل المحاولة، لأنه كان يتمتع بحصانة الأمم المتحدة التي كان أحد كبار الخبراء التنمويين فيها. ولكنه بقي يمارس وظيفته الرفيعة حتى رفعت الحصانة عنه وتم اعتقاله. وحكم في المحاولة الأولى التي ترأسها مهداوي لبنان جميل الحسامي أربع سنوات. وكان يمكن أن يخفّض الحكم إلى سنتين في المحاكمة الثانية الاستئنافية، كما حصل مع زميله في المجلس الأعلى الدكتور أسعد رحال. ولكن السنوات الأربع تضاعفت. فحين سأله رئيس المحكمة أو النائب العام عن إخفائه سرّ المحاولة عن الحكومة وهو الأمين، أجابه: إن الأمانة والخيانة لا يلتقيان. وخلال الثماني سنوات، حّول هذا القيادي المناقبي قواويش سجن القبة في طرابلس إلى ورشة إنتاج نموذجية للصناعات اليدوية الفنية التي لم يخلُ بعضها من اللمعات الإبداعية.

صحيح أن ثلاثة من قياديين الحزب ضعفوا في بداية الاعتقالات والاستجوابات. ولكنهم استعادوا شجاعتهم وولاءهم لحزبهم خلال المحاكمة وهكذا، بقدر ما كانت المحاولة مهينة وكارثية بسبب فشلها، عوضت المحاكمة بعض الخسائر وحققت بعض الانتصارات، بفضل المواقف الشجاعة والمرافعات البارعة التي قام بها معظم المتهمين ومحاموهم، وعلى رأسهم يوسف السودا والفرنسي موريس غرسون. وأختم، لتأكيد ذلك بما قاله نقيب المعلمين السابق في لبنان الشاعر والصحافي انطوان رعد المعادي سياسياً للحزب القومي. ردّ رعد على أحد الزملاء في جريدة الحياة الذي شبّه الدكتور جعجع بالدكتور سعاده ومحاكمة القواتيين بمحاكمة القوميين: كنتُ طالباً في كلية الآداب التابعة للجامعة اللبنانية والمجاورة لقصر الاونيسكو حيث جرت محاكمة القوميين في العام 1962. وبدلاً من دخولي الصف، رأيتني أدخل القصر. من خلال حضوري محاكمة القوميين ومتابعتي لمحاكمة القواتيين، يمكنني القول إن هؤلاء تسابقوا في تحميل المسؤوليات لبعضهم البعض، في حين تسابق أولئك في تحمل المسؤوليات.

 

على خطى سعــاده

محمود شريح

تكمن أهمية مذكرات د.سامي أيوب الخوري عن تجربته في الحزب السوري القومي الاجتماعي في أنها عرضت صورة زاهية وملونة وتكاد تكون معدلة عن سعاده والثورة الاجتماعية الأولى إثر سقوط فلسطين مباشرة، تماماً كما تكمن مأثرة سعادة الكبرى في رسمه تضاريس الهلال الخصيب في أعقاب سايكس ـ بيكو ونزول الانتداب ظلاماً على بلاد الشام، فما إن عاد سعاده من الأرجنتين وأقام هنا بين بيروت ودمشق سنتين وأربعة أشهر وأسبوعاً حتى تواطأ عليه محليّون وأجانب فأجهزوا على مناصريه واضطهدوا حزبه فاتّضح جليّاً أن المقصود من محاكمة سعاده الشكلية مساء 7 فجر 8 تموز لثماني ساعات متواصلة فيما الزعيم واقفاً يدافع عن نفسه.

جوهر كتاب الخوري ومأثرة سعاده الكبرى دلالة على معلم بارز في تاريخ الحزب فسعاده بحجم جامعة من حيث خرّيجيها وعقيدته أبداً ذهبية فهي الطريق السلطانية إلى فهم النفسيّة السوريّة.

يؤرّخ سامي الخوري لآخر يوم في حياة سعاده، نصفه في دمشق ونصفه في بيروت، أي ما عُرف بالثامن من تموز كلّ سنة منذ 1949. لم تُفلح محاور الثورة المسلّحة الثلاثة مرجعيون مشغرة بعلبك ولم تكفِ البنادق المائتان التي سلّمها سعاده على الحدود فرداً فرداً وتحية تحية للتخلّص من الطغمة السياسية الفاسدة، فوجد نفسه محاصراً مدركاً الخطرَ المحيق بأتباعه وهو متوجّهٌ من دمشقَ إلى درعا فأدارَ فكره وقفلَ عائداً إلى قصر الرئاسة فسلّم نفسَه والباقي تفاصيل، أي أن سعاده كان ملمّاً بكل خطوة اتخذها لدى تحضيره للانقلاب الأول على النظام، فيروي سامي الخوري في أمل لا يغيب أن سعاده بعد حادثة الجميزة المدخل إلى إعدامه كان في يده كتاب بالألمانية عن حياة هاني بعل ومعركة كيني التي انتصر فيها على الرومان رغم عتاده الناحل. رفض سعاده عروض رفاقه القائلة بالاختفاء أو التواري أو حتى الاختباء، فيخلص د.الخوري إلى انه عندما استدارت سيارة سعاده عائدة إلى دمشق كان زعيم الحزب القومي قد انتصر سلفاً انتصاراً تاريخياً حاسماً على طبائع الاستبداد عندنا، فكانت الغلبة منذ ثمانية وخمسين عاماً وحتى الساعة لآخر مفكّر نهضوي في دنيا العرب شرقي السويس وغربه.

 

سامي الخوري وحصاد الذاكرة

صقر أبو فخر

هناك سؤال ما برحَ يتردد في كل مرة ينشب الكلام فيها على السيرة الذاتية وعلاقتها بالتاريخ هو: هل السيرة الذاتية مصدر أساسي من مصادر التاريخ؟.

فالتاريخ يركز، في العادة، على الأحداث والوقائع، وتكون الشخصيات مرصودة للدوران في نطاق هذا التاريخ وميدانه. لكن السيرة تركز، بالدرجة الأولى، على الشخص الراوي نفسه، بينما تدور الأحداث، وحتى الأشخاص الآخرون، في فلك الشخصية الأساسية. والسيرة الذاتية، في نهاية المطاف، كتابة استعادية، أي أن صاحبها يكتبها في زمن هو غير الزمن الواقعي، وهي تختلف عن اليوميات التي يكتبها في أوانها تماماً. وفي هذا الشأن ثمة تنافر موضوعي بين الزمن النفسي والزمن الواقعي، لأن الوعي عند وقوع الحوادث هو غيره عند كتابتها، أي أن الكاتب، عندما يكتب مذكراته، فهو يكتبها بوعي مختلف أو بحكمة متأخرة. وهذه مشكلة منهجية في أي حال.

يقول ابن الجوزي: أن التواريخَ وذكرَ السير راحة للقلب وجلاء للهمّ وتنبيهُ للعقل. وهذا القول يشير، في أحد وجوهه، إلى أن التاريخ لا فائدة منه. وفائدته الوحيدة هي المتعة الذهنية (أي تنبيه العقل)، أو المتعة النفسية (أي جلاء الهمّ وراحة القلب). غير أن سامي الخوري عاند ابن الجوزي في هذه المذكرات أيما معاندة، وقدم لنا سيرة ذاتية حارة وممتعة ومثيرة للأسئلة في آن. وهذه السيرة ليست مجرد سردٍ للأحداث والوقائع، أو مجرد رصد للمفارق السياسية العاصفة، وإنما هي مذكرات شخص عاش في خضم هذه الأحداث، وروى سيرته وسيرة عائلتِه ومجتمعهِ، وما أحاط به من تقلبات وأحوال، بطريقة تضافر فيها البحث والتذكر والتقصي معاً، وبلغة عاطفية أحياناً كادت أن تستنفر الدمع من العينين، ولاسيما حينما تحدث عن اللحظات المكتومة التي كان يودع فيها بلاده من شباك الطائرة وهو في رحلته إلى الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي أعاد إلى الذاكرة المشهد الذي صوره هشام شرابي بدقة حينما كان، من شباك الطائرة، يودع يافا الوداع الأخير.

في سنة 2000 تواعدنا جان دايه وأنا والياس منيّر من حيفا على اللقاء في عمان. والتقينا، بالفعل، في تلك المدينة الوادعة، لنحتفي بالصديق الياس منير الذي كانت الرسائل هي صلة الوصل بيننا. وفي عمان قال لي جان دايه إن أصدقاء له ينتظروننا على العشاء. وفي تلك الليلة حدث أمران طريفان. الأول، حينما وصلنا إلى ذلك البيت الجميل، شاهدت الياس منيّر وقد تسمر أمام الباب في وقفة نظامية. فقد كانت الزوبعة محفورة بحجم كبير على باب المنزل. والثاني، عندما قدمني الصديق جان دايه إلى الموجودين، وذكر من بين الأسماء سامي الخوري. وقفز إلى ذهني، فوراً، اسم سامي الخوري، المهرب الكبير الذي اختفى في الأردن في حزيران سنة 1964، وكنت مغرماً في طفولتي بقراءة كتب المغامرات. وبتضاحك علمت أن سامي الخوري ليس هو المهرب الكبير بل الهارب من الظلم والسعف الذي حاق به وبرفاقه في دمشق سنة 1955 فصاعداً. أما الياس منيّر الذي دمعت عيناه، في تلك الليلة، أمام الزوبعة، فقد علمت منه أنه جاء إلى بيروت في سنة 1947، وأقسم اليمين الحزبية ثم عاد إلى حيفا. وعندما سقطت حيفا في سنة 1948 تشبث بالبقاء فيها، وظل، ربما وحده، القومي المنفرد في تلك المدينة الحزبية بعدما غادرها الكثيرون. وفي تلك الليلة التي سهر فيها مع نفر من القوميين من عيار سامي الخوري وجان دايه وسامي خوري ثانٍ، رُدّت إليه روحه المنقسمة، وأخال أن عمره طال بعد تلك السهرة سنوات.

لم يبدأ سامي الخوري مذكراته من الطفولة ومن المؤثرات الأولى التي قادت خطواته إلى العقيدة القومية الاجتماعية، بل من حادثة اغتيال عدنان المالكي في 22/4/1955، فيسميها الرصاصة التي اغتالت الحزب (ص 27). فكأن ذلك اليوم الغباري هو بداية تلك التراجيديا الإنسانية التي طوّحت به بعيداً من المدينة التي أحبها بقوة، وأبعدته عن البلاد التي أراد أن يهبها كلّ جارحة في جسده، وكلّ خلجة في روحه، وقد صحّ منه العزمُ لكن الدهرَ أبى. والكتاب، في بعض صفحاته، قصيدة حب لاهبة لمدينة دمشق، وحنين لا يهدأ إلى حارات هذه المدينة العابقة بالتاريخ وبسحر الماضي وشواهد السنين.

إن هذه المذكرات، كما يلوح لي، ليست مجرد استعادة للتاريخ القريب، بل إعادة تقويم لتلك المرحلة المضطربة من تاريخ سورية ولبنان، ولتاريخ الحزب السوري القومي الاجتماعي ودوره في الأحداث المتلاطمة التي عصفت بالمنطقة آنذاك. ولعل هناك الكثير من الغرابة وبعض المصادفات الموضوعية التي أنشبت أظفارها في هذا الحزب، فأدت إلى ما علمتم وذقتم. فخلال اثنتي عشرة سنة فقط، أي منذ سنة 1949 حتى سنة 1961، أوقع هذا الحزب نفسه في أفخاخ ٍ كثيرة، وعلق في مصائد متعددة: ففي سنة 1949، وكانت جميع المعطيات تشير إلى خطة للقضاء على الحزب، تُعلن الثورة ولا يلقى سعاده التجاوب حتى من القوميين أنفسهم! وفي تلك السنة نفسها وقبيل ذلك يتحالف القوميون مع حسني الزعيم، وهو مجرد ضابط تافه وصل إلى السلطة بانقلاب ذي أهداف مكشوفة. وفي سنة 1950 أيد الحزب الانفصال الجمركي بين لبنان وسورية. وفي سنة 1952 سار الحزب في ركاب أديب الشيشكلي، وحتى حينما مال الشيشكلي إلى الاستبداد لم يتصدّ الحزب له في الوقت التي كانت جميع الأحزاب السورية تؤلف جبهة وطنية متحدة ضده. وفي سنة 1955 تورطت قيادة الحزب باغتيال عدنان المالكي. وفي سنة 1956 اجتهدت قيادة الحزب في تنفيذ مؤامرة مع انكلترا والولايات المتحدة والعراق ضد الحكم في سورية، فاغتيل غسان جديد. وفي سنة 1958 تحالف الحزب مع كميل شمعون في لبنان ضد جمال عبد الناصر. وفي آخر يوم من سنة 1961 كان الحزب ينفذ خطة فاشلة لـاستلام الحكم في لبنان. إنها ثماني مصائب حل بعضها على الحزب، وسيق الحزب إلى بعضها الآخر إجراء التقدير الخاطئ للموقف السياسي آنذاك. وهذه المصائب تكفلت بإعاقة المشروع النهضوي العلماني للحزب، وكانت كفيلة بأن تهد أي حزب آخر في ما لو تعرض لهذه المحن خلال اثنتي عشرة سنة متتالية.

كيف تجلت إعاقة المشروع النهضوي العلماني؟

لنقرأ سامي الخوري في مذكراته هذه: في احد أيام الجمعة، وكنت في لوج سينما الفردوس أنتظر العرض، تطلعت إلى الصف الذي يقع أمامي مباشرة، فلفت نظري أربع سيدات ظهر منهن أنهن الجدة والأم وابنتان: الأولى في حوالي السابعة عشرة، والثانية في حوالي الخامسة عشرة. كما لفت نظري أن الجدة كانت ترتدي حجاباً يمكن رفعه أثناء عرض الفيلم. أما الأم فكانت تضع على رأسها منديلاً رقيقاً جداً تربطه خلف شعرها، في حين كانت الابنتان ترتديان ثوبين يكشفان ذراعيهما وعنقيهما، وكانتا سافرتين كلياً (....) تأملت هذه القفزة الاجتماعية الهائلة في ثلاثة أجيال متتابعة في زمن قصير جداً لا يتجاوز سنوات قليلة (ص 243).

ما رآه سامي الخوري في تلك الحقبة هو، على الأرجح، ربع الحقيقة، وجانب واحد من الجوانب المتعددة للصورة. فهو نفسه يقول في مكان آخر من هذه المذكرات: في أوائل سنة 1942 بدأ التيار الإسلامي يبرز بقوة على المسرح السياسي، وحاول أن يملأ الفراغ الذي تركه غياب عبد الرحمن الشهبندر والكتلة الوطنية. وفي أيار 1942 قام هذا التيار بمظاهرات في دمشق هاجم المتظاهرون خلالها دور السينما مطالبين بفصل النساء عن الرجال في حافلات الترام، وفرض الحجاب على النساء، ومنع النساء من دخول دور السينما وإغلاق الملاهي، وتكوين الشرطة الأخلاقية، وملاحقة التصرفات المخلة بالأخلاق، وتشكيل هيئة من علماء الدين تتولى تعديل منهاج الدراسة (ص 83).

بعد نحو 65 سنة على هذه الحوادث، ها هو التيار الإسلامي يستعد لإعلان انتصاره، ليس في دمشق وحدها، بل في بغداد وغزة وعمان أيضاً، وها هو تنظيم القبيسيات في الشام، على سبيل المثال، قد بات أكبر من جميع الأحزاب التقدمية والعلمانية مجتمعة.

تحفل مذكرات سامي الخوري بالكثير من الملاحظات النقدية بشأن تجربة الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولاسيما في لبنان وسورية، وهي، بهذا المعنى، تشكل محاولة لإعادة قراءة تلك المرحلة قراءة جدية، وإعادة كتابة تاريخ تلك الحقبة كتابة جديدة. ومع ذلك، فلم أتمكن من الوصول إلى أي تفسير يمكن الركون إليه لهذه العلاقة الملتبسة بين الحزب وأديب الشيشكلي. فكيف يأمر الشيشكلي، وهو عضو في الحزب، باغتيال مجيب المرشد، وهو عضو في الحزب أيضاً؟ (ص 252). وكيف يسقط الشيشكلي وهو السوري القومي الاجتماعي مرشحي الحزب (عدا زكي نظام الدين) في الانتخابات النيابية في سنة 1953؟ وربما لهذا راح سامي الخوري يتساءل: هل كان من مصلحة الحزب السوري القومي الاجتماعي أن يقف بجانب دكتاتورية عسكرية لا يمكن أن تكون إلا قصيرة الأجل؟ (ص 219). وأتفاءل بدوري: هل أن هذه الحكمة المتأخرة كانت شائعة في صفوف القوميين الاجتماعيين آنذاك؟

وفي ميدان آخر يجزم سامي الخوري بقوة: إن جورج عبد المسيح واسكندر شاوي كانا خلف الخلية العسكرية المشكلة من بديع مخلوف وعبد المنعم دبوسي ويونس عبد الرحيم، لكنه يتساءل بحسرة ونفاذ بصيرة: هل كان جورج عبد المسيح وحده هو الذي خطط ونفذ اغتيال المالكي؟ (ص 295).

إن سامي جمعة الذي يستشهد به سامي الخوري كثيراً يذكر في كتابه المهم (أوراق من دفتر الوطن، دمشق: دار طلاس، 200) أن أحد المخبرين في لبنان أبلغ إليه أنه لاحظ كثرة تردد جورج عبد المسيح متخفياً على عبد الحميد غالب سفير مصر في بيروت (ص 164)، ويؤكد سامي جمعة أن المصريين والأميركيين هم الذين قرروا اغتيال المالكي ودفعوا جورج عبد المسيح، من خلال شوكت شقير، إلى ذلك كي يقضوا على الاثنين معاً. ويكشف أنه كان يأتي بكل من مفيد غصن وحسن الطويل من بيروت إلى دمشق سراً للاجتماع إلى شوكت شقير.

إن كتاب سامي الخوري، على أهميته، لا يعالج دور حسن الطويل في هذه الكارثة، ولا يشير إلى أي دور أميركي في هذه المؤامرة، ويجعلها قاصرة على شوكت شقير والجهات المصرية وجورج عبد المسيح من دون علم القيادة الحزبية بذلك (ص 310).

وبالفعل، ما هو دور حسن الطويل ومفيد غصن في اغتيال عدنان المالكي؟ فإذا لم يكن لهما أي يد في هذه الجريمة، أما كان يجب تبديد هذه الشكوك، وعدم تركها معلقة وقابلة للتأويل كيفما كان؟ والأمر نفسه ينطبق على الدور الأميركي في هذا الشأن.

ولعلني لا أبالغ في القول أن هذا العقل النقدي والحصافة السياسية التي ظهرت في مذكرات سامي الخوري لو كانا شائعين في التفكري السياسي لدى رفاقه في مرحلة الخمسينات من القرن العشرين، لما كان الحزب انزلق إلى مغامرات كارثية تركت آثارها لا في الحزب ومستقبله وحده، بل في المنطقة بأسرها، ومنها مغامرة الانقلاب العسكري في لبنان في نهاية عام 1961. وطالما تساءلت، في نوع من التمرين الذهني، أنه لو قُدر للحزب أن يقبض على السلطة حقاً في لبنان، فكيف سيطبق مبادئه الإصلاحية والعلمانية؟ فإما أن يفرضها بالقوة، وهذا هو الاستبداد بعينه. أو أن يذهب، بعد أن تستتب الأمور، إلى انتخابات نيابية، وعند ذلك ستأتي الطوائف بالطائفيين إلى البرلمان. فقد علمتنا التجربة أن المجتمع أقوى من الأفكار، وأن الناس مستعدون لتغيير حتى مبادئ الحساب إذا كان ذلك يخدم مصالحهم، وهذا المجتمع، للأسف الشديد، ما زال ينزلق نحو التدين والخرافة والتعصب والكراهية والغوغائية السياسية منذ أن فشلت طلائع النهضة في مصر والشام في أن تقود المجتمع بعد انهيار الدولة العثمانية في سنة 1917 فصاعداً، ومنذ أن فشل التيار القومي العلماني في أن يكون له الشأن المقرر في مرحلة ما بعد النكبة الفلسطينية في سنة 1948 وما بعدها، ومنذ أن دمر الاستبداد العربي احتمالات النهوض والتقدم والتحرر منذ أن هزم في حزيران 1967 وأناخ بكلكله فوق أجسادنا. وها نحن نحصد اليوم، جراء مئة سنة من الهزائم، ما زُرع بالأمس.

 

القيم والألم والأمل

سليمان بختي

في السطور القليلة المتاحة اسمحوا لي أن أتحدث عن تجربتي كناشر للكتاب. فما إن استلمت مخطوطة الكتاب حتى فُتحت بيني وبين الدكتور سامي الخوري كل خطوط التواصل (البريد، الفاكس والإيميل والتلكس والهاتف....) وتغيير كلمة هنا وتاريخ هناك وتذكر حادثة. وكل ذلك في سبيل الدقة والموضوعية ومسؤولية الكتابة. ووجدت نفسي أنني لست أمام كتاباً عادياً بل قطعة من حياة تنبض في الورق، وبحث شجاع عن الحقيقة ومعاناة ذاتية موضوعية تنتج رؤية فكرية وتاريخية وأدبية.

أهمية هذا الكتاب أنه أنت مثلما أنت صادقاً أميناً لقضية النهضة والإصلاح والتنوير. وأنه يؤرخ لمرحلة ويوثقها في معطيات جديدة تصوب المعنى وتعيد الاعتبار. إنه رحلة صعبة ليس إلى مكان بل بالأحرى إلى طريقة جديدة لرؤية الأشياء.

سأل انطون سعاده: ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟ وسأل هشام شرابي: لماذا خسرنا كل معركة خضناها في التنمية والتحرير؟ أما سامي الخوري في كتابه أمل لا يغيب فبيّن لنا في شهادة شخصية عن قرب كيف كانت تُساق الأمور ويجري تدبيرها، وأكد لنا أن الزلازل لا تعرف طريقها إلا إلى الأرض المتصدعة.

ويروي لنا قصة الرصاصة التي اغتالت الحزب وبكلماته وغيرت مجرى حياتي وحياة الحزب وحياة سوريا والمنطقة. وبذلك لا يغدو الكتاب مجرد سيرة ذكريات بل سيرة حياة جيل ومصدراً من مصادر التاريخ للمنطقة، وصورة لكلفة النضال لأجل التغيير في بلادنا. أعاد لنا سامي الخوري صورة الزعيم سعاده في أيامه الأخيرة في دمشق وكيف انتصر سعاده السياسي والمناضل على سعاده الإنسان. ورغم ذلك راهن سامي الخوري على الأمل رغم الألم والظلم. فهو حكم بالإعدام ولم تنزل له دمعة وركب الصعاب وفاءً لقسمه وإيماناً بالقضية، لكنه بكى حين أقسم على نيله الجنسية الأميركية بعد لأي. وبكى حين سمع صوت فيروز في المنفى تنشد سنرجع يوماً إلى حينا.... ورغم كل هذا، بقي على علاقة صوفية مع هذه الأرض. هذا الهيام بالوطن أليس هو نفسه الإثم الكنعاني ليس إلا.

لو قدر لي أن اختصر وألخص ما اجترحه سامي الخوري لقلت القيم والألم والأمل كتابك اليوم يضيء مثل ذهب العمر أي الصداقات التي انعقدت في البلد الذي شهد فصول نضالك وأحلامك وكتاباتك. وستبقى ماثلة دوماً مثل الكلمة ومثل الحياة ومثل الأمل الذي لا يغيب.