العدد الثلاثون - كانون الثاني

قراءة سياسية للأزمة الراهنة ومقترحات للحلول

رياض عيد
الاربعاء 5 آذار (مارس) 2008.
 

يعيش لبنان في مرحلة انتقالية وأزمات مستمرة حيث كثرت التحليلات للخروج من هذه الأزمة، هنا مبادرة من قبل المجتمع المدني تحاول طرح قراءة جديدة من أجل تشكيل أطر للعمل المدني تعكس تجربة عملية في الجبل ـ الغرب حين تداعى مجموعة من الناشطين في العمل الاجتماعي لتشكيل هيئة المجتمع المدني المقاوم من اجل تعميم ثقافة المقاومة بعد انتصار تموز 2006 تضم مستقلين وفعليات من جميع الأطياف السياسية والعقائدية وعملت خلال سنتين على اجتماعات دورية ضمن حوارات فكرية وسياسية ونشاطات ولقاءات، وهنا مبادرة تعكس وجهه نظر للأزمة الراهنة ومقترحات للحلول.

كي نستطيع فهم الأزمة اللبنانية الراهنة والتحديات المطروحة، والحالة الانقسامية التي أصابت مؤسسات الدولة والمجتمع لا بد من توصيف الأزمة اللبنانية، أسبابها التاريخية والسياسية والاقتصادية والطائفية وامتداداتها الخارجية، لاقتراح الحلول. بغية بناء دولة تليق بتطلعاتنا وتضمن مستقبل أبنائنا، لا بد من طرح الأسئلة التالية:

1 ـ من جلب على لبنان هذا الويل؟ وما هي المعوقات التي حالت دون قيام الدولة المدنية العصرية؟

2 ـ هل لبنان دولة؟ أم دولة مؤجلة أم دولة طوائف وأمراء طوائف ومال؟

3 ـ هل الأزمة السياسية التي تعصف بلبنان وتكاد تنهيه هي أزمة رئاسة وتقاسم سلطة، أم أزمة نظام، أزمة بنيوية، أزمة طبقة سياسية لم تستطع أن تتوافق على الحد الأدنى من إدارة مؤسساتها دون رعاية خارجية؟

4 ـ وهل هذه الطبقة السياسية المرتبطة بالخارج التي توارثت حكم لبنان منذ عام 1840، وتتشكل من تحالف المال والإقطاع والطوائف والمخابرات الدولية، العاجزة عن تحقيق تسوية مستدامة والتي تقاسمت السلطة والمغانم والمال العام، هي قادرة أن تستمر بحكم لبنان أم باتت خطراً أساسياً على بقاء الكيان؟ وبتنا نحتاج إلى صيغة سياسية تتجاوزها لإنقاذ الوطن.

5 ـ هوية لبنان الوطنية وعقيدة الجيش التي رغم إقرارها في اتفاق الطائف لا تزال موضوع جدل عند أي متغير دولي أو إقليمي يؤثر في لبنان.

6 ـ نظام لبنان الاقتصادي المرتكز على الاقتصاد الريعي ووظيفته في تهجير الكفاءات لانعدام فرص العمل ولعزل لبنان عن محيطه.

7 ـ اتفاق الطائف والديمقراطية التوافقية. وهل اتفاق الطائف لا يزال يصلح إطاراً للحل أم بتنا بحاجة إلى عقد اجتماعي سياسي جديد؟

وبعد نقاش مستفيض توصلنا إلى الخلاصات التالية:

إن الأزمات المتتالية التي أصابت لبنان منذ نشأته ووضعته على حافة الهاوية سببها أن ليس في لبنان دولة. بل دولة طوائف وأمراء طوائف ومال. دولة لبنان عبارة عن شركة محاصصة مالية سياسية طائفية، قوامها تحالف المال مع الإقطاع السياسي مع الطوائف مع المخابرات الدولية، تعاقب هذا التحالف على حكم لبنان منذ نشأته. تقاسم موارده، عطل مؤسساته، أفسد إدارته، منع تطوره. بنى مؤسساته المالية والتربوية والإعلامية والصحية والخدماتية على حساب مؤسسات الدولة. وجعل نظامه السياسي طائفياً ديمقراطياً توافقياً هجيناً قائماً على توازنين داخلي وخارجي مما جعله عرضة للتوترات الدائمة عند أي متغير إقليمي أو دولي.

وجعل نظامه الاقتصادي ريعياً احتكارياً مضارباً مر تكزاً على الخدمات، وأهملت القطاعات الإنتاجية من صناعية وزراعية بغية إلغاء الدورة الاقتصادية الاجتماعية المتكاملة بين لبنان ومحيطه العربي وصولاً لعزل لبنان عن هذا المحيط اقتصادياً وسياسياً وربطه بالغرب، وفق وظيفته الأساسية منذ تكوينه كوسيط للغرب، ونقطة انطلاق للمشاريع الغربية إلى الشرق.

إن أزمة خيارات لبنان الوطنية كانت موضوع خلاف منذ نشأته. قبل الاستقلال كان اللبنانيون منقسمون حول خيارين، (التبعية للغرب أم للشرق) وتمت تسوية عام 1943 عبر الميثاق الطائفي باللائين (لا للغرب أقر بها المسيحيون، ولا للوحدة مع سورية أقر بها المسلمون). ثم تفجر الخلاف على الهوية مع تفجر الصراع العربي الإسرائيلي وانقسم اللبنانيون حول: هل نحن جزء من هذا الصراع وخيار المقاومة أم نأخذ بالحياد الإيجابي من هذا الصراع دون زج لبنان فيه متذرعين بقوة لبنان في ضعفه. ثم تفجر الخلاف أيضاً مع المقاومة بعد انتصارها وانجازها التحرير عام 2000 واستبدل شعار قوة لبنان بضعفه بشعار قوة لبنان بمقاومته. فكان طرح الموالاة حول جدوى المقاومة وكلفتها الاقتصادية في ظل مناخ عربي ذاهب نحو التسوية، ولماذا يتحمل لبنان وحده وزر المقاومة بدل العودة إلى اتفاق الهدنة. ثم تفجر الخلاف أيضاً بعد القرار 1559 وبعد انتصار المقاومة في تموز عام 2006 انقسم اللبنانيون حول قرار الحرب والسلم وحول الانتصار وكلفته الاقتصادية بغية إجهاضه وسحب سلاح المقاومة، فتآمر الفريق الحاكم مع عرب النفط وأميركا لزج المقاومة بحرب مذهبية داخلية لإجهاض الانتصار وجعل سلاحها خطراً على بقية الطوائف. متعامين عن الأطماع الإسرائيلية وتعدياتها المستمرة على لبنان بدعم أميركي وخرقها الدائم للقرارات الدولية. متجاهلين دور المقاومة كورقة قوة وحيدة بيد لبنان، التي لولاها لبقي لبنان أرضاً مستباحة لإسرائيل وعملائها.

إن الديمقراطية التوافقية التي وردت في الدستور هي سيفٌ ذو حدين. فإذا تم التوافق بين المكونات السياسية الطائفية للدولة يؤخذ القرار، وإذا لم يتم التوافق يتعطل القرار. وإذا أخذ قرار خارج التوافق يعتبر تسلطاً ويؤدي إلى الانقسام. وهذا ما حصل في لبنان منذ خروج الرعاية السورية التي كانت ترعى التوازنات. حاول فريق الموالاة الاستئثار بالسلطة لأنهم أكثرية وضربوا روح الطائف التي هي التوافق، عبر قرارات هي موضوع خلاف داخلي ولا تحظى بالتوافق الوطني محاولين ربط لبنان بأجندة أميركية. فتصدت المعارضة لها بالتمسك بالتوافق الذي هي روح الطائف، فاستقال وزراءها من الحكومة لإسقاط شرعيتها الميثاقية وفق الفقرة (ي) من مقدمة الدستور. ورغم تدخلات الدول الغربية والعربية لا تزال الأزمة مستمرة عاصية على الحل. لقد فشلت الديمقراطية التوافقية في التطبيق ووضعت لبنان على شفير الانقسام والحرب الأهلية، وأوصلته إلى تعطيل مجلس الوزراء وفراغ سدة الرئاسة واستقدمت التدخلات الخارجية في شؤوننا الداخلية. وبتنا بحاجة إلى ديمقراطية تمثيلية حقيقية أسوةًً بالدول المتحضرة.

رعت السياسة السورية في لبنان بعد الطائف ثلاثة مشاريع مركزية كبرى:

1- المقاومة ضد إسرائيل.

2- الحريرية كخطة اقتصادية إعمارية لإعادة بناء ما تهدم.

3- إعادة توحيد المؤسسات الدستورية مع التفاتة خاصة ومميزة للجيش.

وكان دور ووظيفة النظام السياسي حماية هذه المشاريع ومنع تضاربها برعاية سورية، مع إهمال كامل وتواطؤ على تجاهل موضوع الإصلاح السياسي بعناوينه الأكثر أهمية وإلحاحاً، (كقانون الانتخاب على أساس المحافظة وصولاً لمجلس نيابي لا طائفي وتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية وللامركزية الإدارية)، رغم أنها مواد دستورية أقرت في الطائف وواجبة التطبيق.

إن التطبيق الانتقائي لاتفاق الطائف ورفض الإصلاح وغياب التوافق على المشاريع الثلاثة الكبرى جعل الوضع ينفجر بعد خروج الرعاية السورية إثر الخلاف السوري الأميركي على احتلال العراق ورفض سورية الإذعان لطلب أميركا بسحب سلاح حزب الله وسلاح المخيمات الفلسطينية. حاول التحالف الرباعي عبر الانتخابات الماضية تأجيل الانفجار مؤقتاً لكنه ما لبث أن تفجر ولا نزال نعيش تداعياته حتى الآن بسبب تبدل خيارات القوى السياسية والاستقطابات الجديدة برعاية أميركية فرنسية وفقدان التوافق على الملفات السياسية الأساسية، كسلاح المقاومة والسلاح الفلسطيني والعلاقات اللبنانية السورية وعقيدة الجيش.

إن فشل تطبيق الطائف يجعل مصير هذا الاتفاق ولبنان على المحك. وفي غياب توافق داخلي وإقليمي ودولي للاتفاق على عقد اجتماعي سياسي جديد يراعي موازين القوى الجديد داخلياً (والذي أصبح ضرورة ملحّة). يصبح التمسك بتطبيق بنود اتفاق الطائف كمعبر ضروري وحيد وجامع أولوية ملحة، لأن البديل هو الفوضى والتقسيم.

إن الأزمة السياسية الحالية التي يصورونها أنها أزمة رئاسة، هي جزء من هذه الأزمة البنيوية السياسية الطائفية المتجذرة في هذا النظام منذ نشأته والتي تحاول الطبقة السياسية الطائفية التغاضي عنها ومداواتها بمسكنات التوافق والتسويات الطائفية برعاية خارجية.

إن معركة الرئاسة مؤشر ودليل على مسار سياسي عام منقسم حول مشروعين سياسيين بين الموالاة التي تآمرت على لبنان خلال حرب تموز بغية جعل لبنان رأس حربة للمشروع الأميركي الإسرائيلي الشرق الأوسطي الذي يحاول الانقضاض على سورية والمنطقة وسحب سلاح المقاومة. وبين مشروع المعارضة المقاوم الذي اثبت صدقيته وثباته في تحرير الجنوب وهزم الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر. وأثبت جدارته وقدرته في الدفاع عن حرية لبنان واستقلاله وسيادته وعزته وسلمه الأهلي.

لقد أصبح متعذراً أن يتعايش هذان المشروعان في إطار المؤسسات الدستورية وتحت مظلة الشراكة على قاعدة اللاغالب واللامغلوب، الذي تعوّد اللبنانيون الوصول إليها برعاية خارجية بعد كل الأزمات، بل يجب أن يكون هناك اتجاه للحسم والغلبة السياسية من قبل مشروع المعارضة ضد مشروع الارتهان والتبعية لأميركا والغرب الذي بات يترنح من العراق إلى فلسطين إلى لبنان.

إن أي تسوية طائفية لم تعد تجدي في هذا النظام لأنها مشروع أزمة مؤجلة وحرب أهلية برسم المستقبل، ولم يعد الشعب اللبناني يتحمل هكذا تسويات. لقد فشل هذا النظام المترنح في إنتاج تسوية، حتى آنية، بدون رعاية خارجية وفشل في إعادة إنتاج مؤسساته التي تهشمت بفعل الانقسام الحاصل والثقة المفقودة بين الفريقين. وفشل في تثبيت هوية لبنان العربية وعقيدة جيشه الوطنية التي يحاول فريق الموالاة تغييرها عند كل متغير إقليمي أو دولي. وفشل في الإصلاح الإداري وأبقى الإدارة فاسدة تنخرها المحسوبيات.

وفشل في تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية. وفشل في تأمين فرص عمل للبنانيين الذين يقفون طوابير على أبواب السفارات طلباً للهجرة نتيجة البطالة المستفحلة. وفشل في تحقيق المشاركة الحقيقية في السلطة وفشل في المشروع الاقتصادي السائر إلى تصفية ممتلكات الدولة وتخصيصها ونهبها. بعد أن أوقعنا تحت مديونية تزيد عن 45 مليار دولار ورهن إرادتنا إلى البنك الدولي وباريس 3... وأفقر الشعب اللبناني الذي أصبح بمجمله يعيش تحت مستويات الفقر ما عدا الطبقة الحاكمة المتسلطة التي جنت ثرواتها على حساب الشعب ومن سرقة موارد الدولة.

إن مصير هذا النظام الطائفي الظالم وهذه الطبقة السياسية الحاكمة بات على المحك بعد انسداد أفق التسوية، وبتنا بحاجة إلى نظام جديد يحقق العدالة الاجتماعية والحقوقية والسياسية، بتنا بحاجة إلى طبقة سياسية جديدة تعيد ثقة اللبنانيين بوطنهم وبالمستقبل.

إن مهمة تحرير الأرض إذا ما استكملت بتحرير الإنسان من الطائفية والإقطاعية والتبعية والظلم الاجتماعي والاقتصادي تبقى ناقصة.

إن عملية إنقاذ لبنان من أزمته البنيوية لا تتم عبر التسويات والمساومات السياسية والطائفية وعبر أنصاف الحلول التي تعيد استنساخ نفس الطبقة الحاكمة. بل تكون عبر إسقاط هذا النظام التقسيمي الظالم. وهذه الطبقة الحاكمة الفاسدة، لإقامة نظام العدالة الاجتماعية والسياسية والحقوقية وهذا يتأمن عبر الآتي:

1 ـ دعوة الأحزاب والقوى الوطنية والمستقلين المؤمنين بخيار لبنان العربي المقاوم إلى إقامة جبهة وطنية عريضة للإنقاذ، تطرح برنامج إصلاح سياسي اقتصادي اجتماعي تربوي متكامل.

2 ـ رفض أي تسوية طائفية تعيد استنساخ نفس هذه الطبقة السياسية لأنها مشروع فتنة برسم المستقبل.

3 ـ الاتفاق على مرحلة انتقالية مؤقتة للوصول إلى الانتخابات النيابية المقبلة نعيد عبرها ترميم مؤسسات الدولة ونتفق على التمثيل في الحكومة وفق أحجام القوى في المجلس النيابي والاتفاق على البيان الوزاري والتعيينات الأساسية.

4 ـ التوجه إلى التطبيق الفوري لاتفاق الطائف، كمعبر ضروري متوفر وجامع. وقد أصبح مواد دستورية واجبة التطبيق، يؤسس لقيام دولة مدنية ديمقراطية على أساس حكم القانون والعدالة.

5 ـ تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية وصولاً لإلغائها نهائياً وإقامة النظام المدني اللا طائفي.

6 ـ إقرار قانون انتخاب جديد يعتبر لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية وخارج القيد الطائفي. وتخفيض سن الاقتراع إلى 18 سنة.

7 ـ انتخاب مجلس نواب جديد على أساس وطني لا طائفي وفق القانون النسبي الجديد. ينتخب بعده إدارة جديدة تراعي صحة التمثيل الحقيقي الجديد.

8 ـ انتخاب مجلس شيوخ كما نص عليه اتفاق الطائف على أساس طائفي يختص بالقضايا المصيرية، يتساوى فيه تمثيل الطوائف وفق أحجامها. على أساس لبنان دائرة واحدة وعلى قاعدة لكل ناخب صوت واحد.

9 ـ إقرار قانون اللامركزية الإدارية وتطبيقه على المحافظات وإطلاق ورشة إصلاح إداري شامل، وتطبيق الإنماء المتوازن على المحفظات.

10 ـ وضع إستراتجية متكاملة للدفاع الوطني يتحد فيها دور المقاومة الوطنية مع الجيش، من خلال مرحلة إعادة بناء الدولة وجيشها الوطني بعقيدته الحالية، وصولا إلى اندماجها فيه في المستقبل بعد عودة مزارع شبعا والأسرى المعتقلين وإعطائنا خرائط الألغام وتسوية الصراع العربي الإسرائيلي.

11 ـ إقرار قانون أحزاب جديد يحذر تشكيل الأحزاب الطائفية في المستقبل، وذلك لترسيخ الوحدة الوطنية.

12 ـ إقرار قانون اختياري جديد للأحوال الشخصية.

13 ـ انتخاب رئيس للجمهورية من الشعب منعاً للتدخلات الخارجية فيه.