العدد الثلاثون - كانون الثاني

هل يمكن للعلماني أن يكون لبنانياً؟

محمود حيدر
الاربعاء 5 آذار (مارس) 2008.
 

لو كان للعلماني في لبنان أن ينأى بنفسه قليلاً من ضوضاء التفاصيل السياسية، ‌لأخذته البأساء وصاح بالملأ سائلاً: كيف لي أن أكون لبنانياً؟

يسائل العلماني اللبناني نفسه اليوم كمثل غريب في منازل الأهل. يتطلع حواليه ليجد كيف أحاطت به طائفياتٌ من كل جانب. حتى أنها اكتظَّت به واكتظَّ بها، فلا يكاد يرغب مخرجاً من أسوارها المغلقة. لكنه، وهو على هذه الحال، يظل على يقين مقيم بأن الحصار المضروب من حوله لا يتأتى من خصوم مرئيين لكي تظهر أمامه الحدود والتخوم والخيارات. إنه يشعر وكأنه محاصرٌ من بيت أبيه. فلا يغادر هذا البيت إلا ليعود إليه. لكأن منازل الطوائف أمكنة مبنيةٌ على حكم القضاء والقدر.

الحاصل على وجه العموم هو خلاف ما يخالف قَدَرَ الطائفية وقضاءَها. فالصورة التي يجد العلماني اللبناني نفسه في داخلها، هي أشبه بـقلعة صمّاء يستحيل عليه مغادرتها؛ أو كمن لا مناص له إلا التكيُّف مع أنظمتها الصارمة: عليه أن يكتفي بأن يعيش علمانيته في ذهنه ويعيش طائفيته في الخارج، كما يقول المتفلسفة. إلا أنه ـ أي العلماني ـ لا يلبث حين يأخذه الظن أنه بالِغٌ لبنانية صافية من أي شائبة، حتى يغشاه الوهم وتصدمه الخيبة. فإذا به يعود القهقرى إلى محل الاشتباه إياه، ثم ينبري إلى ما يشبه التوقيع على هوية لم تكتمل بعد.

ما مرَّ من كلام، قادني إليه كتاب صدر مؤخراً عن دار الريس في بيروت للكاتب نصري الصايغ تحت عنوان: لست لبنانياً بعد!

العنوان بلا شك، مفارقٌ، ولافتٌ، ومستدعٍ للسؤال. وهو من عند مثقف علماني ذهب بعيداً في مشقَّة البحث عن مواطنية ضائعة، فلم يعثر عليها.

مع هذا الكتاب قد يكون وارد التشاؤم أوّل ما يحلُّ في الظن.. أما لو مضينا في النص إلى نهاياته لانتهينا إلى الضفة الأخرى من الأمل. فسنعلم مما جاءنا به ضمير المتكلم أن ساعة لا مناص آتيةٌ يستريح فيها ذلك العلماني إلى لبنانية أنشأها له الصالحون في حقول الأخضر المصفَّى. فقد كان الكاتب في ذلك كمثل كثيرين من اللبنانيين، الذين احتفظوا بأملٍ مستحيل، وظنوا أنهم سيعثرون على لبنانيتهم الصافية يوماً ما.

كاتب لست لبنانياً بعد، ظلَّ يعقد الرهان على هذا الإمكان. ربما لأنه يضمر مسعى لبنانياً معاكساً لتيار الطائفية يكون للعلمانيين فيه نعمة الحضور.

لكن المسألة تبقى بحسب النشأة اللبنانية موقوفة على نظام الطوائف المرصوص، لا على مجرد الآمال والرغبات. فلو اكتفى الكاتب بتوصيف الأحوال كما يفعل أهل النظر المحض، ربما لاستبدل العنوان بآخر، وكان له أن يجهر بكلام ثقيل ويقول: لست لبنانياً أبداً...!

رؤية اللاّطائفيين إلى حال لبنان اليوم هي نفسها رؤية الصايغ في قوله: انتصرت الطائفية، وتفوقت المذهبية، وتراجعت المواطنية، وفشلت العلمانية، ونأت الديمقراطية، ودخل لبنان في القرون الوسطى وأقام في ماضيه.

من طرفنا نضيف إليه الآتي: ما كانت الطائفية اللبنانية إلا منتصرة، وحين حلّتْ على أرض انتصارها، أسست للماضي فيما هي تؤسس للحاضر والمستقبل. معها بات لبنان أدنى إلى مستوطنات متشظِّية منه إلى وطن موصول. أما في داخل قلاع الطائفية الصمَّاء فلاعقلانية بخارجةٍ عن عقلانيتها. ولا مواطنية تنأى من خرائطها المرسومة بإحكام. حتى لقد صارت العقلانية الطائفية طبعاً حميماً لطبائع الناس على الجملة.

لابد إذا من عقلانية معاكسة.. لكن من أين الطريق إليها؟

إذا كان لا مهرب من ذلك فلنا أن نقترح على العلماني اللبناني ما نسميه بـعقلانية جمع الأضداد. نقول هذا ولو لم يوافقنا مناطقة الطوائف وفلاسفتهم على مثل هذا الدعوى المفارقة.

في تعريفنا الإجمالي لهذه العقلانية، سوف نجد أول شرائطها في الصبر على ما نستكره من عقلانية الطوائف، مثلما نجده في الصبر على ما نحب مما نأتنس إليه من أفكار وظنون وخواطر جميلة.

وثاني شرائطها، التبصُّر بالنشأة الأولى للبنان. أي بالظروف والأوضاع والأحوال التي حكمت هذا البلد منذ تأسيسه ككيان سياسي ودولة في الربع الأول من القرن العشرين. فلو عرفنا النشأة الأولى كيف جرت، لهانت علينا كيف تجري النشآت التالية الأخرى.

وثالث شرائطها، إدراك المسافات الطفيفة بين طلب الحقائق الذي يبسط للناس أماكنهم الآمنة والسعيدة. وصناعة الحقائق بوصفها مهنة الأقوياء الذين يقيمون الموازين على أحكام الوقائع الصارمة لا على أحكام القيمة والاعتبار.

وأما رابع الشرائط، وليس آخرها، فإنه في تدبُّر المفاهيم الوافدة إلينا من عصور الحداثة القريبة والبعيدة، وهي المفاهيم التي أخذناها عن ظهر قلب على الجملة: مفهوم الدولة ـ مفهوم العلمنة ـ مفهوم المجتمع المدني ـ مفهوم المواطنية ـ إلى آخر السلسلة مما شقَّ علينا أن نجد لها منفذاً على مهاد مستوطناتنا المترامية الأطراف، من الناقورة إلى النهر الكبير، إلى ما تبقَّى من ذاكرة الأقضية ‌الأربعة، التي ينتمي الكاتب إلى إحداها في بلدة مشغرة البقاعية الجميلة.

كقارئ له الهواجس نفسها التي للكاتب، لم أعثر في الكتاب على ضالَّتي. كأنْ أجد باب الضوء لكي أفارق تشاؤم اللبنانيين المزمن. فإنني لو مضيت في تفصيل المشهد اللبناني على طريقة الكاتب لقطعت شوطاً أبعد، حتى لأكاد أعلن عن خشيتي البالغة: من أن يصل اللبناني اللاطائفي إلى الدرجة التي يقول فيها: لن أكون لبنانياً أبداً...

تلك خشية ما زلت أحرص على أن أضعها في مقام الاحتمال، دون مقام التحقُّق. وهذا مصدر تفاؤلي المفرط. مع أن كل يوم يمر من عمر مستوطنات الطوائف، والمذاهب، والحزبيات الضيقة، يقصُّ من حبل الفأل والرجاء قطعة إضافية.

إننا اليوم نبدو كما لو أننا باقون على سيرتنا الأولى: على شيء سمَّوْه وطناً. على شيء ليس مثلُه شيء لا في الأوطان القريبة، ولا في تلك العامرة في أقصى الأرض.

هل تكون النافذة إلى لبنانيتنا الصافية عبر اللبنانية المستعادة على وئام المدى الممتد نحو اللامتناهي في هذا الشرق؟

ذلك تساؤل سَبَقَ ووضعه المجدِّدون في متاحف الإيديولوجيا...

لكن حتى ذلك الحين الذي ينفسح لبنان فيه عن طور آخر، لنبحث عما ينجِّينا من رمال الطوائف المتحركة.

محمود حيدر

رئيس تحرير مدارات غربية