العدد الثلاثون - كانون الثاني

في إنتظار نُخب جديدة ؟

فايزفارس
الاربعاء 5 آذار (مارس) 2008.
 

في البدء كانت النُخب، حكماء زاهدين وعقلاء مدركين ونسّاكاً متعبّدين وعلماء مرشدين للشعوب والحكّام ومهندسين بنّائين. أقاموا الدول ووضعوا الأنظمة وسنّوا القوانين وشرّعوا فحلّلوا وحرّموا وجمعوا الناس من حولهم حتى أصبحوا المرجع والحَكَم بين المتصارعين والمختلفين. وأدرك الناس أنهم طبقات وأجناس وأن عليهم أن يتعارفوا ويتآلفوا ويؤلفوا مجتمعاً متضامناً متعاوناً متناغماً إذا ما أرادوا أن يكونوا منتجين فاعلين حضارييّن آمنين. وكان على أهل النخبة قبل غيرهم مواجهة التحديّات الكبرى نتيجة صعود أنانيّات طغت وروح عدوانيّة فطريّة دفعت بالإنسان الغربي إلى الهلاك عاجلاً أم آجلاً. أوليس الإنسان سوى ذلك الحيوان العاقل ..؟ إذا ما فقد عقله فقد إنسانيته.

إن ما نشهده من حروب وغزوات ونزاعات في هذا العالم عامة وهذا الشرق خاصة، منذ بداية القرن الماضي لا يختلف في الشكل والمضمون والنتائج عن تلك الحروب والغزوات والنزاعات التي نشأت وقامت منذ القدم. إن غياب النخب، بين ضعف تشكو منه أو تقاعس عن تأدية دورها الريادي، هو الذي أدّى ويؤدي إلى تدهور الأحوال وتردي الأوضاع وصولاً إلى بروز الأطماع ونشؤ الأزمات والنزاعات والحروب عبثاً بمصائر الشعوب والمجتمعات والأوطان، هذا قبل أن تتحوّل النخب من أدوات إنقاذ ونهوض وخروج من الأزمات إلى ضحية مثلها مثل عامة الناس. فلا تعود تستحق تسميتها وتميّزها وتخسر بالتالي دورها الأساسي سبب وجودها.

المراقب الأجنبي، بين دبلوماسي وإعلامي وناشط أممي، لم يعد بإستطاعته استيعاب الملف اللبناني بسبب إحتوائه على هذا الكم الهائل من التناقضات في المفاهيم والإلتواءات في المعايير. فعدد جامعاتنا وكلياتنا ومعاهدنا العليا تخطى المئة، وحملة شهادات الدكتوراه والإجازات وغيرها من شهادات الكفاءة والإختصاص يعدون بعشرات الآلاف، وعدد رجال الدين يفوق بكثير أعداد كل العاملين في الحقل العام من سياسيين وناشطين إجتماعيين، وعدد كنائسنا وجوامعنا يفوق عدد المدارس والمستشفيات، وإعلامنا حرّ غزير عالمي متفوّق، ومطابعنا تعمل دون كلل أو ملل ودور النشر والتوزيع تنتج بغزارة المؤلفات القيّمة والأبحاث العلمية، وحوار الحضارات قائم على قدم هيفا وهبي وساق نانسي عجرم، وأجيالنا الطالعة و"النازلة" على حد سواء تنطق بأكثر من لغتين معروفتين عالمياً، والإنترنيت "شغّال" ليل نهار.

 

وبالرغم من كل هذا وذاك يختلف اللبنانيون في ما بينهم على "أي شيء"... طبعاً بفضل مساعي سياسييهم وقادتهم الروحيين، وجلّهم متعلم مثقف. يختلفون على تثبيت هويتهم الوطنية وإنتماءاتهم الثقافية وتوصيف مشاكلهم الإجتماعية وأزماتهم الإقتصادية وتحديد مسؤولياتهم والخضوع للمحاسبة، ويتنازعون على الحقوق ويتهربون من الواجبات. وبدل أن تبادر نخبهم إلى التلاقي الطبيعي والعمل سوية على إنقاذ البلد والنهوض بالمجتمع وجمع الشمل بعيداً عن أوامر وتوجّهات من أثبتوا فشلهم مراراً وتكراراً في إدارة دفّة الحكم وإخفاقهم في خدمة الناس والمجتمع، نراهم في الصفوف الأمامية يصفقون عندما لا يهزأون، ويصمتون عن الكلام عندما يتوجّب عليهم الكلام وقول الحقائق المرّة، ويقلدون أرباب عملهم في حياتهم اليومية حتى صاروا مثلهم ينتظرون الإشارة ويتحيّنون الفرص من أجل كسب مادي أو تبوؤ منصب رسمي سلطوي. فلا نخب ولا من يحزنون. وتخسر النخب خاصيّتها لتنضم إلى العامة وتخضع لمقولة "كما تكونون يولّى عليكم".

لكنني ما زلت من المؤمنين أنّ العامة، أي هذا الشعب الطيّب، هذا الشعب الحيّ، هذا الشعب الصامد، ما زال قادراً اليوم وغداً، كما في الماضي، على إنتاج نخب جديدة واعدة تحمل في عقولها وقلوبها كل خير وحق وجمال عطيّة هديّة لشعوبهم العطشى إلى سلام حقيقي، ذلك السلام الذي سبق له وهبط علينا أكثر من مرّة ليعمّ العالم بأسره فأستحق هذا المشرق تسمية "وطن الرسالات السماوية" والخيرات الأرضية.