العدد الثلاثون - كانون الثاني

حان الآن موعد الكتابة...

لين هاشم
الاربعاء 5 آذار (مارس) 2008.
 

كان أكثر ما يحزنها هو أن كل الروايات العظيمة التي قرأتها كانت تنتهي بطريقة خاطئة، بكلمة... لدرجة أنها قررت مرة أن تمتنع عن قراءة الروايات كي تجنب نفسها عناء النهايات. منذ الطفولة، وهي في مشكلة مع النهايات. لكن مصير النهايات أن تأتي.

في تلك المرة الأخيرة، لم تجرؤ على النظر في عينيه، ولا هو نظر في عينيها اللتين منذ زمن اتخذتا شكل دمعتين. كانا يعرفان أنها النهاية، وأن لحظة الرحيل قد حانت. تلك اللحظة التي كلما اجتاحت لحظاتهما في الماضي، طرداها بقبلة أو عناق. والحق أقول، فعلا كل ما بوسعهما لئلا يفكرا فيها، وكثير من المرات، رغم كل ما حدث، آمنا أنها لن تأتي. لكن مصير النهايات، أن تأتي.

في تلك الليلة، أمسكت بقلبها وقلمها لتكتب. لم تستطع، كأنها ما أمسكت قلماً في حياتها! هجرتها الكلمات. جربت الفصحى، ثم العامية، ثم الإنكليزية، لم تستطع. حاولت شعراً، ثم نثراً، ثم شعراً.. لم تستطع. تذكرت كلماته: ما فيي أكتبك تا اطلع منك. محق هو. يبدو أنها لن تكتبه أبداً.

كم كانت تحتاج للبكاء تلك الليلة! وكم كانت تريد لدموعها أن تبلل أرجاء الغرفة وجسدها كله، كي تعمد نهايتهما، أو ربما احتفالاً بالرحيل.. أو ربما فقط لتتمكن من النوم... ربما... لكن يبدو أن برحيله رحلت ملامحها معه، يداها وابتسامتها ودموعها.

هو رجل لا يأتي إلا مع نوبات الحزن الليلية.. أو الفرح، ولا يهب إلا مع نسيم البحر. يمتطي الأوقات والذكريات والأحلام، يمر من هنا، يعبث بغرفتها وأغراضها ومذكراتها، يلامس الجدران، يتحسسها، نبضها، شوقها، يشعلها، يثير أنفاسها وآلامها، ويرحل. وهي امرأة تتقن الانتظار، والانبهار.. والوقوع في الحب.

هكذا تبدأ الرواية، رواية بحثت عنها طويلاً لتكتبها، وطوال الوقت كانت أمامها، إنها روايتها.

أحيانا تكون المشاعر أكبر من رواية، والقصة أكبر من كتاب، لكننا لا نملك سوى أن نكتبها لنتحرر من الكلمات التي تسكننا، كي نجد غيرها، وأن ننسى ما حدث البارحة، كي يحدث شيء ما غداً.

الحب تماماً كما الكتابة، لا نتخلص منه حتى نلتقي برواية أخرى.

فجأة تنبهت كم ترغب في تقبيله قبلة تدوم الى الأبد! تذكرت: لم تكن قبلتهما مجرد شفاه، كانت شفتاه تمتص كل غضبها وصراخها وأوجاعها التي تحرق داخلها، وتصب فيها قدرة وقوة وعاطفة لا تنتهي. تذكرت: كلما خافت أو اشتاقت، كان صوته يأتي من بين الزحام، حاملاً الأمس واليوم بكل ما فيهما من حب، ليطمئنها. تذكرت: كل ذكرياتها عنه! أقلامها لا تكتب سواه! أوراقها لا تعرف غيره! جسدها لم ير غيره! صوتها لم يغنِّ إلا له! أصابعها لم تمر على سواه! كلها لم تكن يوماً... إلا له!

بينهما كثير من الليالي، وقليل من الأيام. ما زالت تذكر ليلة النبيذ بتفاصيلها. اختارت أن ترتدي البني المعتق احتفاءً بالنبيذ، وعطرت عنقها وجسدها بالورد، وعندما ارتفعت كأساهما في الهواء، قرأت له بيتاً كان قد مر في خاطرها وهي قادمة إليه في طريقها: آتية إليك، على لون الظلام، على حبات الورد، ورفّ من غمام... لنشرب نخب الشتاء الأول، والعاصفة الأولى... كما تواعدنا.

تذكرت: في تلك الليلة، تواطأ القدر معهما حتى خلا المكان وباتا وحدهما فيه مع مذاق نبيذ مبلل بالوعد. همست في أذنه: بكرا بعد ما يمرق عمر، ببقى أنا بزاوية قلبك، وأنت بتبقى بكل الزوايا، لأن الزوايا أهم من كل الغرفة.

تذكرت: يوم غفت طيلة الطريق من الجنوب الى بيروت على كتفه، وعطر عنقه يملأ ملامحها. لم يسبق أن شعرت بمثل هذا الأمان والسكينة. لم تعرف إنساناً ينثر الدفء حوله كما يفعل هو. هو الإنسان الوحيد الذي في حضرته ، دون أن يلمسها، يغرقها حناناً.

مرة قالت لها صديقتها المقربة: شايفة شي مرة عينيكي كيف بيبرقوا وبيشعشعوا لمن تحكي عنو؟. حزّت الجملة قلبها بقسوة. يبدو أن عينيها ستنطفآن الى الأبد.

مرت في خاطرها فكرة غريبة: لو كان ميتاً، كانت ستزور قبره، تضع زهوراً عليه، وربما تقرر أن تبقى معه هناك، إلى جانبه. لو كان مسافراً، أو في المنفى، كانت ستبيع أوراقها، أثاث غرفتها، قد تتسول، قد تبكي كالأطفال، قد تبيع نفسها حتى لتشتري رحلة توصلها إليه. لكنه ليس ميتاً ولا في المنفى، هو هنا، أمامها، لكنه أبداً لن يكون لها، وأبداً لن تكون له. لن تقدر أن تلمسه، أن تشمه، أن تضمه، كما تضم حزنها بين أضلعها. على بعد خطوات هو، يمكن أن يكون للكل إلا لها، وهي تريده أن يكون هو الكل، لها.

آه كم هي متعبة! آه كم الدروب كثيرة، وهي لا تملك سوى قدمين!

مذ عرفته، فقدت الكتابة، وما يفعل من لا يملك سوى الكلمات؟ شاء القدر أن يكون الجرح والشفاء.

لطالما كانت له كل المرات الأولى التي عاشتها، فهل يمكن للدمعة الأولى أن تكون إلا له؟ ها هي، خطت درباً على خدها، احترق وجعها تنهيدة وفكرت: كم سيأتي من دموع بعدها!

أمر وحيد قد يعزيها، إنهما كانا معاً مرة، عاشا معاً، ضحكا معاً، بكيا وتعانقا وصرخا... ووقعا في الحرب معاً، وإن في داخلها شيء منه، سيبقى.

شعرت بكلمات على وشك أن تتدفق من قلمها. فتحته، قربته من الورقة الزهرية وكتبت: هكذا دائماً، في الحب كما في الكتابة، أجمل الروايات، وأعظم الحب ينتهي... بكلمة.

لين هاشم