العدد الثلاثون - كانون الثاني

الحلم الأميركي... مهما كان الثمن!

الخميس 6 آذار (مارس) 2008.
 

طوال حياتي كنت أعتقد أن أسلوب الحياة الأميركية هو الأسلوب الأمثل، وأن أميركا هي جنة الله على الأرض، ولاسيما أن بلادي ـ المكسيك ـ ترزح تحت تأثير أميركي هائل يغرقها تحديداً في جزءها الشمالي على الحدود مع الولايات المتحدة الأميركية.

في طفولتي، كانت أعظم مكافأة أو جائزة أحصل عليها هي السفر إلى الولايات المتحدة مع والدي للتبضع، أو لزيارة الأبنية الشاهقة الآسرة. كان كل ما في الولايات المتحدة يأسر عيني الصغيرتين. مع الوقت كبرت، وبدأت أعي أن الأمور في الولايات المتحدة ليست مثالية كما تبدو، بل إن الحلم الأميركي هو نوع من السوريالية الخداعة!

في الولايات المتحدة، يعمل المكسيكيون في المخازن والمطاعم والمقاهي وحتى في الطرقات في ظروف قاهرة وبعيدة كل البعد عن عالم الأحلام. هذا هو الواقع الذي أحدث لي صدمة كبيرة أيقظتني وأرتني حقيقة الحلم الأميركي.

سألت والدي مرة عن ذلك، فأجابني بأن العمال المكسيكيون في أميركا هم بغالبيتهم غير شرعيون، يذهبون للبحث عن الحياة الحلم هناك بدلاً من حياة الفقر في المكسيك، لكنهم لسخرية القدر، يجدون فقراً أقسى مما في بلادهم، يضاف إليه الذل والقهر والتمييز الذي يمارس ضدهم. وما زلت أذكر جملة أبي: إن كانوا محظوظين، قد يجدون عملاً حقيراً في مكان ما.

عمال بلا أوراق ولا هويات ولا وثائق، دخلاء كما يلقبهم الأميركيون، أقصى ما يطمحون إليه هو العمل على مدار الأسبوع مقابل أقل من 4 دولارات للساعة، ورحلة تستمر أكثر من 12 ساعة يومياً للوصول من أماكن سكنهم المهترئة إلى مكان العمل.

ضمان اجتماعي أو طبي؟ هذا ضرب من الجنون! أنت عامل مكسيكي غير شرعي هنا! كل ما يكلف رب العمل هو اتصال بعناصر شرطة الحدود الميغرا، فيرحلونك إلى بلادك بعد سجنك 90 يوماً.

لكن كيف يتسرب هؤلاء العمال من المكسيك إلى الولايات المتحدة عبر الحدود رغم كل الإجراءات المشددة؟

الواقع أن هناك عدة طرق بحسب المبلغ الذي يدفعه الطامحون للهجرة، بدءاً من 1000$ لمقعد في باص يعبر الحدود، وحتى 15000$ لمقعد في طائرة تتجه مباشرة إلى نيويورك أو شيكاغو أو إحدى المدن الأميركية الكبرى.

وهناك أيضاً العرض الخاص بـ 700$ فقط، ويشمل السباحة في مياه نهر برافو المتجمدة، ثم المسير لثلاث ليال في الصحراء متخفين خلف الشجيرات وفي الهضاب والكهوف بلا طعام ولا شراب ولا غطاء يقيهم البرد القارس، دون نسيان شرطة الحدود التي تتربص بهم وتلاحقهم على مدار الرحلة متسلحة بالعتاد الذي استخدمته في حرب العراق من مناظير ليلية ورادارات وهيليكوبترات وطائرات تجسس ومراقبة. كما أن هناك الـمواطنون الصالحون الذين يساعدون الـميغرا، فيصطادون المهاجرين بوصفهم غرباء غير شرعيين.

ومن الممكن أيضاً أن يقوم الصيادون بإطلاق النار على مهاجرين لم يعبروا الحدود بعد ولم يطأوا الأراضي الأميركية، بما أن القانون الأميركي لا يعاقب على جرائم تقع خارج أراضيه. إضافة إلى أن هؤلاء الصيادون يحظون بدعم وحماية السلطات الأميركية، وإذا ما طالبت الشرطة المكسيكية بفتح تحقيق بحوادث من هذا النوع، يجيبهم الأميركيون فلتتقدموا بطلب دبلوماسي رسمي أولاً.

ليس المكسيكيون وحدهم الذين يلاحقون الحلم الأميركي، بل معهم الملايين من شعوب العالم وأممه الفقيرة والمستضعفة، هناك الملايين من المستعدين لدفع أي ثمن مقابل الحصول على مجرد أوهام بمستقبل أفضل لهم ولعائلاتهم المقهورة، حتى وإن كان هذا الثمن رصاصة قاتلة في الصدر أثناء عبور الحدود.

 

 مقال ترجم للصحافية المكسيكية نادين ليون جي آستا بعنوان طريقة الحياة الأميركية.