العدد الثلاثون - كانون الثاني

انتظر الذي لا يأتي

رجاء كامل شاهين
الخميس 6 آذار (مارس) 2008.
 

أغافل اخوة يوسف ويطاردني الطوفان، اسير،- من زمن - بين صرخات المدينة. والغبار في عينيّ يلتحف خواصر الخطوات، اخرس كالموت في الجباه، بيني وبين عيني ينام قميص يوسف، حيث يتمتم الليل ظنوناً تساقط في خفّ يلمح الشيطان في جوفه، يجيّش الموت القادم من رئتيه يفلطح القهر ويدجّن الهزيمة، يحجّم الله في غربة الوقت المنهزم في المكان، يهذي في صمته القابع في يديه يقيناً يساكن زمن الحماقات التي تكوّر اللحظة المحتواة في شهوة الطوفان المرتدّة عن وجه المعنى عمياء فيها لوثة الريح المختلطة بصرخات المدينة المنهوبة من مائها ويمضي خلفها البرد "ويركض فوق خصرها" قابيل؛ يداه تنهبهما العتمة، قدماه تلتهم الطريق، والشيطان يقوّض بحقده هواء المسافات.

أغافل اخوة يوسف، منهزمة كالضباب، يروّعني تساقط جلدي حين احضن الذرا وافرّك التراب، وقابيل مقنّع يقتحم الأزمان هائماً فوق خيالاتي يعاقبني في امتدادي ويحتمي خلف لحظة الاجهاض يقرأ اسطورة الأنقاض وامامه بقايا من جثث الخبز المعمّدة بالدماء اليابسة المغدورة بقوة الشفاه الباردة المليئة بصلوات صدئة، احتجب فيها الشيطان ولم تزل بعمر الموصية، وهابيل ينتظر الله في سفر العصور يخدش وجه الماء ويفتح باباً في امس الزمان التائه تحت شمس نحيلة اقبلت في خطايا القبيلة، ويوسف الحسن مكتوف في صاعه، تحرسه شرطة قابيل بلهفة العتمة ومتعة العقاب، والجبّ صرخة خالقة تتعقبها الرؤيا الموزعة على وجوه الرعاة القادمين في اصوات الغرابة، والصوت (وجه خانه عاشقوه).

أغافل اخوة يوسف، اجهل هذا العالم المثقل بالعتمة والخطيئة، احمل بدني وابيت في غربتي العق ميراثي المطعون في سرّته، اعيش لعنة القنوط والسقوط بين يدي هذا العالم المصاب بالطاعون فتقبّل ايها الجنون نذري كي يسقط وجهي فوق جرحي وجبيني تسكنه المرايا المزينة بالأحلام الطالعة من كتاب الرحيل المخنوق كاللغة القادمة في اكفان الميتين فترتسم مومياء الشهوة في اسفار العيون المليئة بحجج فارغة تفرّ من تموجّها طقوس الحياة الخفية المشروخة بنزف الانتظار الممسوخ كلهاث الشك المحنّط في خميرة الزمن فزاعة لتوسد الهاوية، والسراب شفيعي المنزلق من حرارة اخوة يوسف المكتشفة من شذوذ الذاكرة وقرصنة الحياة.

أغافل يوسف خوفاً من امرأة العزيز بين يديّ صرّة دروبي الهاربة من خطواتي المبعثرة على اصابع السجّان التي يصنعها الوقت والظلام، اخشى برودة السجن البليدة وحرارة الأنثى المهزومة، وانا بين الاثنين ادفع روحي خلف دبر الوقت المعلّق على غرّة المسافة (تراود نزوعها) بلا شفاعة تختصر الجهات يقهرها الموت المعبّد بالأوجاع المرجومة بالأوهام التي تترصد صبري وتتبعني حاشدة فراغها تغتصب روحي الغنية باليأس الموصوم بالصمت والخوف والهزيمة.

أغافل نفسي خوفاً من نفسي، انتظر ما لا يأتي، اضلل طريدة النهار حيث يصير الضياع بحيرة يغوص فيها الغد العاري، ويصير الأمس بصلة تتثاءب كي يزورها مغتصبوها، والأمس معصية مليئة بالعيون المعلقة في جيوب الشذوذ الملونة بالفواجع المنذورة لتقاطع الوقت الموشوم بطبق من العهر المترف يدوزن حلقومه برهائن موسقت غواياتها الموثقة بلهاثها القادم من سرابهم المحشور في اصواتهم المسوّرة بأنصاب مرّ عليها الميّتون، والحاضر امرأة العزيز المكوّرة في تألهها المثقلة بالغواية، والساعة مدينة يجتاحها اخوة يوسف حيث يصير الهواء هاوية والجوع حكمة.

أغافل يوسف واخوته ارقب النسوة اللاتي احترفن رجرجة الحضور بمكرهنّ المتجدد وعلى شفاههن تأسن السنون وتتوه العصور، وينحني ارثنا المثقوب ظلماً على باب المغارة المرتحل خلف الشفاه المزنّرة برياح تهاجر صوب مملكة الموت المحروسة بأيدي النسوة اللاتي قطّعنها بغفلة اللذة المصعوقة بالاشارة وفوق راحاتهن يتزوّج اليأس والجريمة، والعيون تطوّق الاثم وتعذّب الأمل الأخرس، والوقت مريض في ثياب امرأة.

أغافل يوسف وامرأة العزيز، افرّغ الصور بحربة وثنية، انقّل الذاكرة بقدمي وامشي في متهها، افتّش عن صاع الملك بلا اصابع، انتعل خفاً اطرافه مريضة، استنفد كبرياءه، وامامي وجه لصوت من نهار، اقترب فينأى، انأى فيقترب وانا بين الزبد والزبد التهم بعضي وانحلّ في الفراغ فراغاً.

أغافل نفسي وامرأة العزيز ويوسف واخوته، مأخوذة بالمزامير الماتصقة بحناجر الخصيان المتاخمة لجباهنا معلّقة كالوطاويط في مغاور عابسة ترقد فيها وصايا العابرين، احاول سرقة القميص والقاءه على العيون المبقّعة بالرماد لطرد خيال الصحراء المصابة بالحمّى عن بطن الجوع المحظور من التجوال على جسد الأرض الجديدة، حيث هياكل الخبز المطروحة على خواصرها في عتبة المستقبل تلتهم الوباء على تخومٍ اسيرةٍ تدفق من تحتها دماء ساخنة تملأ الأرض بالأنين حيث تبدأ القرصنة من جديد والشمس شاهدة هاربة في المسافات.

أغافل يوسف والوقت المصاب بالهزيمة، انتظر غرّتي المعصوفة بالهمس الذي يحمل بقاياه خلف اهداب ملّت المتاهة المستمدّة من حوانيت القراصنة الملوّنة بالحشرجات الملقّحة بأنفاس جلاديها المفتونة بالحرية الملقاة تحت قوائم الجواميس - شفاعة - تحظى بضحكات وحشيّة حيث يفيق على حوّافي اصواتها هلع مليء بالشر تغترفه القنافذ المخلوقة من شفاه نابحة تلعن الرؤى وتحترف دفن الأحياء الميتين، حيث تنتهي الكلمة المتحصنة بيأسها، والزمن الأخرق يرتجف في الرحيل يجمّع فصوله في خرق محشوة في طرّاحة صريعة تحت اقدام الجواميس المنفوخة بآلام الميتين.

أغافل! من أغافل!؟ هزيلة وجوهنا الراقدة في احضان اللحظات المضّجعة امام عتبة الريح الممسوخة ظلاً في حظيرة الفراغ المنسوج من جنون القسر والأوهام الوافدة من احلام قابيل المرصودة طقوساً في جماجم القراصنة المرجومة بذواكر تخنق الأصوات في بقايا الشفاه اللاهثة الى بعث معلّق في رائحة الكلمات المعصورة في اجران اصطفت معاقرة البكاء، وانا انفق غربتي وقهري اغافل نفسي وامرأة العزيز ويوسف واخوته، انتظر الذي لا يأتي.

 

رجاء كامل شاهين

سوريا - جبلة