العدد الواحد والثلاثون - آذار

الدفاع عن الوجود: حق مقدس

زهير فياض
الجمعة 14 آذار (مارس) 2008.
 

يجول الباطل جولات في عالم اليوم، ويستمر الضخ الإعلامي المركّز في عملية قلب الحقائق وتزوير الوقائع في كل يوم وفي كل لحظة وفي كل هنيهة من هنيهات الحرب المفتوحة على شعبنا من فلسطين الى العراق...

ليست الأمور بهذه السهولة، فنحن نواجه إعلاماً مجوقلاً يضخ سمومه على مدار الساعة في الإعلام المكتوب وفي الإعلام المرئي وفي الإعلام المسموع، وعبر كل الوسائل المتاحة لتشويه صورة ما يجري، ولعكس المشهد الحقيقي الواقعي المعيوش في بلادنا...

وكل هذا التجييش يأتي في سياق خطة مبرمجة معدة سلفاً، تستهدف أوسع وأعمق وأشمل عملية غسل أدمغة عرفها التاريخ الإنساني...

ليس في هذا الكلام أية مبالغة، بل هي الحقيقة دون زيادة أو نقصان، ولكن، في زمن ازدواجية المعايير يصبح كل فعل دفاع عن الذات إرهاباً، وعدواناً وتطرفاً، ويصبح فعل العدوان الحقيقي دفاعاً عن النفس، واعتدالاً، وبناءً للديمقراطيات، ودفاعاً عن السلام في عالم غرق في الحروب والصراعات اللامتناهية، والاضطرابات التي لا تعرف حدوداً...

لذا واجبنا أن نعيد بناء وتكوين وتركيب أصل الصورة، ومحاولة استعادة المشهد الأصلي لما يجري ويحدث في ساحات بلادنا...

وواجبنا أيضاً أن نجهد ونجاهد ونعمل بكل ما أوتينا من قوة وعزم وإرادة على صد الاكتساح الإعلامي المعادي عبر آليات وخطط اعلامية مباشرة وغير مباشرة وفي كل مكان وزمان وعلى وسع الكون، للاضاءة على حقائق الصراع الأساسية...

وأولى هذه الحقائق، أن شعبنا تعرض لأكبر جريمة في تاريخ الانسانية جمعاء من خلال زرع الكيان الاستيطاني الغاصب على أرض فلسطين وطرد سكان الأرض الأصليين من قراهم ومدنهم ودساكرهم وبيوتهم وحقولهم، وتهجيرهم الى أصقاع الأرض، وسلب أولادهم وأحفادهم حقهم الطبيعي في العيش الآمن الحر الكريم على أرضهم...

هل يدرك العالم المتحضر (بين هلالين) في يوم من الأيام هذه الحقيقة المرة؟ هل تغيير الواقع الديمغرافي والسكاني وارتكاب أعمال التطهير العنصري على مدى عقود من السنين، والاستيلاء على أملاك الغير بالقوة يحللها قانون، أو تنص عليها شريعة حقوقية انسانية أو إلهية؟؟

هل يجيب أحد في هذا العالم على السؤال الأول في أصل الصراع؟ كيف قامت ونشأت دولة اسرائيل؟ هل هي نشأة طبيعية لدولة ومجتمع؟؟ هل هناك سند تاريخي؟؟ أو سند حقوقي أو سند حتى ديني أو سند أخلاقي لطرد شعبٍ بأكمله من أرضه التي تفاعل معها مئات وآلاف السنين وأن يصبح لاجئاً هارباً في أصقاع الأرض بلا هوية وبلا حقوق، بلا ماضي وبلا حاضر وبلا مستقبل...

هذه الأسئلة ضرورية وهامة وحيوية، لأن الاجابة عليها هي الطريق لتوصيف الواقع ومقاربة الحلول...

هل يستطيع العالم المتحضر الهروب دائماً من هذه الأسئلة التي تقارب الأسباب ليبقى على محاكمته للنتائج...

هذا الإعلام المجوقل الذي يجول حول العالم يحاكم المظلوم ويطلب منه أن يقدم نفسه قرباناً على مذبح ما يسمونه سلاماً...

عن أي سلام يتحدثون، وعن أي حل يتكلمون؟ وأية تسوية هي هذه التي يسوقون؟

كل الشرائع في الكون تعطيك الحق في الدفاع عن الذات وعن الوجود وعن النفس، هذا قانونٌ طبيعي والهي يمكن أن يفقهه الانسان بالفطرة...

فالحق في مقاومة العدوان مقدس والحق في مواجهة الباطل مقدس ولا يمكن لأي جهة في العالم أن تقول عكس ذلك...

المشكلة هي في التوصيف وفي القراءات المعكوسة اللاأخلاقية واللاإنسانية للحقيقة الدامغة الواضحة وضوح الشمس...

أما الحديث في الداخل عن قرار الحرب والسلم فيأتي في اطار التعمية وتجهيل الفاعل وتشويه الحقيقة، فقرار الحرب والسلم هو قرار اسرائيلي بامتياز منذ نشأ كيانهم، فالحرب المفتوحة يشنها الاسرائيلي كل يوم وكل صبح وكل مساء، والإسرائيلي نفسه بحربه تلك يقبض على قرار السلم في منطقتنا والعالم، أما القرار الوحيد الذي بأيدينا فهو قرار المواجهة للدفاع عن حقنا في هذا الوجود...

هذه هي الحقيقة المرة التي من العار بعد كل ما يحدث أن لا نكون على مستوى وعيها وإدراكها لأن التاريخ لن يرحم...