العدد الواحد والثلاثون - آذار

الحرية المنفلتة

عبد الرحمن هزاع / كاتب صحفي عراقي
الجمعة 14 آذار (مارس) 2008.
 

ضمن سياسات قوات الاحتلال الأميركي في العراق وتحت العنوان العريض المزيف (حرية الإعلام) خلق الفوضى والاضطرابات وتشويه الحقائق بكافة مفاصل الحياة، والتناحر بين مكونات المجتمع العراقي، ولذلك فقد أطلقت العنان للأحزاب التي جاءت معها على ظهور الدبابات (باسم تحرير العراق) والشخصيات الموالية لها والمنفذة لأجندتها الاستعمارية، بتأسيس القنوات الفضائية وإصدار الصحف والمجلات لما لهذه الوسائل من تأثيرات في تكوين الرأي العام، حتى بات العراق يحتل المواقع المتقدمة بين بلدان العالم في عدد وسائل الإعلام التي تزيد عن الخمسمئة وسيلة بين سمعية ومرئية ومقروءة، دون وجود ضوابط أو قانون ينظم العمل والنشر، وهذا العدد كبير بالنسبة لتعداد الشعب العراقي.

وفي ظل التجاذبات السياسية في المشهد العراقي والمناخ السياسي المتأزم الذي خلقته أميركا عبر عملية المحاصصة الطائفية ابتعدت وسائل الإعلام عن أهدافها السامية ومهامها الرئيسية في التوجيه والإرشاد وبث الوعي الثقافي وتعميق الروح الوطنية والتصدي لمخططات الاحتلال ومراميه بالاستحواذ على ثروات العراق والتلاعب بمقدراته، حيث أخذت وحسب مرجعيتها الترويج لأفكار تلك الأحزاب التي قامت على أسس طائفية وعرقية والآراء المتقوقعة الفئوية والنظريات الهدامة، الأمر الذي انعكس على تكوين رأي عام فئوي ينظر لمصلحته الضيقة دون النظر للمصلحة العليا، وقد أدى احتكاك الآراء المختلفة ووجهات النظر المتباينة إلى تشرذم الرأي العام الذي أدى إلى نشوء صراعات ومواجهات طائفية وعرقية وفقدان للأمن وفوضى تضرب أطنابها في العديد من مدن العراق وفساد أداري ومالي استشرى في جميع مفاصل الحياة وانعدام شبه تام للخدمات.

 ولكن السؤال هل تستوعب الساحة العراقية هذا الكم الهائل من وسائل الإعلام، وهل الوقت مناسب والمجتمع في حالة تحول سياسي لطرح الأفكار المتباينة، وهل حقاً أن الإدارة الأميركية تبغي من وراء ذلك فتح آفاق الحرية والتعبير عن الرأي والمواطن في غنى عنها وهو يبحث عن الأمن ورغيف الخبز.

إن الغاية من وراء ذلك هو خلق حالة من الحرية المنفلتة والآراء المتشابكة والمتقاطعة لإرباك الرأي العام وتضليله عن الحقائق والترويج لدعايتها. وكالآتي:

1 ـ تشويه الشخصية العراقية من خلال العرض الهائل في الفضائيات والصحف للشخصيات التي جاءت مع الاحتلال والمستوى المتدني لأفكارهم وطروحاتهم ومنازعاتهم وإبراز حالة التنافر بينهم لإقناع المواطن بفكرة الفيدرالية والأقاليم لتقسيم العراق إلى كانتونات يسهل السيطرة عليها.

2 ـ تبرير التواجد العسكري من خلال التركيز على العمليات الإرهابية التي تنال من المدنيين والذي ثبت أنها تقوم بجزء كبير منها بحجة حفظ الأمن الداخلي والخارجي دون أي تحديد جدولة الانسحاب.

3 ـ تحويل انتباه الجماهير عن الجرائم المروعة التي تقوم بها قواتها العسكرية من قتل للأطفال والشيوخ واغتصاب النساء وقصف المدن وتدميرها وإظهار الصراع السياسي بين المشاركين بالعملية السياسية.

4 ـ التعامل بازدواجية بين ما يقوم به جنودها من جرائم ضد المدنيين وقتل الأبرياء والعقوبات البسيطة عليهم وهي تتعامل بوحشية مع العراقيين المقاومين لتواجدها دون أي محاكمة للقابعين في سجونها منذ سنين.

5 ـ تعويض حالات انهيار الدولة العراقية ومرافقها من خلال تقديم قواتها لبعض المشاريع الخدمية.