العدد الواحد والثلاثون - آذار

التحية الأخيرة — النجاحات المرة

منصور عازار
الجمعة 14 آذار (مارس) 2008.
 

أيتها الجنة الأفريقية، كم كان عذابك مريراً:

وغانا، هي الجنة في القاموس الأفريقي، لما فيها من نبت وشجر وماء وذهب، ولإنسان يجد المتعة في الابتسام.

أيتها الغانا، كم كانت فتنة الاقامة فيك مؤلمة لي!

أيتها العاصمة الجميلة، يا أكرا البهية المتواضعة، صديقة البحر، زميلة الشطآن، حورية الماء والأسماك والقبائل، كم كان العمل فيك مجزياً ومرهقاً؟

أيتها الغربة النائية، كم كان الحنين إلى الوطن مشتعلاً، والرغبة بالعودة من ديارك ملحاً.

أيتها القارة السوداء، كم مرة حضنتنا، وكانت رغبتنا الدائمة في أن نحتضن عائلاتنا التي عادت إلى الوطن.

كانت أكرا قد توسعت خلال وجودي فيها، فمن بلدة حقيرة على شاطىء البحر، تهتم بصيد السمك والتجارة الصغيرة، صارت مدينة تتسع نشاطاً وسياحة حتى باتت العاصمة للشاطىء الذهبي، قبل أن تسمى (غانا) الذي أسبغه على العاصمة، بعدما فتش في التاريخ الحقيقي عن اسمه الحقيقي.

كانت المدينة تتسع وقلبي يقصر. لقد غادرت العائلة أكرا، وبت وحيداً. أحياناً أضعت البوصلة، واحتجت، وأنا الذي ارتبطت بعلاقات اجتماعية وحزبية واقتصادية واسعة، في حالة لا تعني لي شيئاً.

إنه الإثم الكنعاني. أليس كذلك؟

على أن القسوة والوحدة والمعاناة، لم تقدني إلى الشلل، فتابعت أنشطتي، موفراً للحزب ما يستحقه من جهد وبذل.

يطيب لي الآن أن استذكر أسماء حضرت صورتها في ذاكرتي:

ومن الأشخاص الذين عرفتهم في تلك الحقبة من عمري ولم تزل ذكراهم في عقلي ووجداني، هم نسيب عازار وأمين الأشقر وشاهين شاهين وابراهيم دانيال وفارس تلحوق وعبد اللطيف جعجع وبطرس أبو شديد. هؤلاء كانوا في طليعة العاملين في صفوف الحزب ويكرسون معظم أوقات فراغهم لإعلاء شأنه، وكانوا محط احترام من أبناء الجالية ولم يبق منهم على قيد الحياة إلا بطرس أبو شديد، هذا الإنسان المؤمن والعامل بصمت تحت كل الظروف. وكان قد سبق هؤلاء جميعاً إلى العمل الحزبي المرحوم رفيق الحلبي الذي دخل الحركة قبل سفره إلى غانا، وكان مقيماً في مدينة كوماسي، حيث تعرّف على أسد الأشقر وعملا معاً على تأسيس فرع الحزب منذ العام 1936. وكان لأسد مكانة خاصة عند أبناء الجالية وله أقارب كثيرون، ومارس نشاطه في كل أفريقيا الغربية، وفي العام 1938 التحق بسعاده وسافر معه إلى البرازيل فتولى مسؤولية المنفذية أمين الأشقر. وكان لأمين سمعة طيبة وأخلاق عالية جداً. وعند وصولي إلى أكرا حضر من كوماسي ليتعرف إلي ويسمع عن الحزب وأحواله. وكان إيمانه لا يتزعزع وحوله هؤلاء الرفقاء العاملون، فأصبحنا في تلك المرحلة من القوة بمكان متقدم جداً، ما دفعنا إلى تأسيس النادي السوري القومي في كوماسي أيضاً.

كانت مهمتنا حزبية، نشر الوعي القومي، وتوسيع قوة الفروع الحزبية والعمل وسط الجالية، وربط المواطنين بوطنهم وقضاياه. أما اقتصادياً فكنا نتعاطى التجارة. كان أغلبنا يستورد البضائع من أوروبا أو من الشركات المحلية الكبرى. ولعبت الجالية دور الوسيط بين هذه الشركات وبين المستهلك الإفريقي.

كنت أنا ممثلاً للجيل الرباع من المهاجرين اللبنانيين في غانا. جذورنا عميقة هناك. ولا يمكنني أن أنسى فضل تلك البلاد علي. فهي التي منحتني فرصة النجاح والعمل وفتحت أمامي أبواب الربح والعلم والتعليم لأولادنا وأحفادنا. ووصيتي ألا ننسى فضل تلك البلاد وأن نعتز بذلك. هذه أمانة في أعناق اللبنانيين. فإفريقيا كانت وطناً ثانياً لنا ولا ترمى الأم بالنسيان والإهمال.

وطال الزمن التحليق بعيداً، في العام 1954، وقد بت والداً لثلاثة أولاد، هاديا وميشال وفاديا، وأصبحت مسؤولاً عن إعالتهم بالتعاون مع والدي الذي سبقني إلى الوطن. عنّ على بالي أن أضبّ جناحي لأعود إلى سربي العائلي في لبنان.

عدت وكان لبنان قد تغير كثيراً. نال استقلاله. أقامت فيه الطوائفية حلفها الخرافي. استبسلت الطائفية في الكيانية، مارست الظلم والقمع. حمت الفساد والفاسدين. زورت الانتخابات، فتحت السجون. ولما عاد سعاده من المهجر، لم تطق نبرته وفكرته وجرأته. حرمته من الحرية ولاحقته. ومن ثم، أطبقت عليه القوى الطائفية، وسلّمته إلى الاغتيال، الذي سمي إعداماً.

ولنا عودة إلى تلك المرحلة.

عدت إلى لبنان، وكان قد تغير كثيراً. لم تعد القرى وديعة شاعرية المنظر، روحية الاقامة. الساحات امتلأت بالحجارة والاسمنت. اختنقت بالأبنية. لم تعد ملاعب فسيحة لأطفال يرتجلون أفراحهم وألعابهم بإيقاع جميل. أن الناس فقد تبدّلت أمزجتها، كأن المدينة قد أفاضت على القرية سلعة الهم الثقيل.

الطرقات الضيقة التي تشبه شعاب القلب، اتسعت للأقدام الصمّاء، التي ليس لها جهاز التقاط معنى التراب وطعم الأرض. المنازل باتت كالعسكر المكسور الموزع بشكل فوضوي في اتجاهات متضادة أو متراجعة.

اتصلت القرى وبدأ العمران ينتشر على الضفاف الخضراء آكلاً من أشجارها وغاباتها الكثير من الجذوع والأغصان.

حملت غصة ولكنني قلت، هذا هو ثمن التمدن، عسى أن يطال التمدن النفوس. هذا هو ثمن التحديث المادي، علّ الحداثة تطال الفكر والعقل وأساليب العمل.

مؤسف، الإنسان ظل في مطارحه الأولى. فيما الأرض ازدهرت بخصائص العمران والتحديث.

عاودت الاتصال برفقائي في المنطقة، وكان بعضهم قد انتقل إلى دمشق بعد إعدام سعاده. توجهت إلى دمشق، وكان جورج عبد المسيح على رأس السلطة الحزبية وعصام المحايري نائباً في مجلس الشعب السوري. وتعرفت هناك على قوة الحزب النامية، في المدارس والكليات العسكرية والجيش والقناة الشعبية في شتى المناطق. كان الحزب ينشط كخلية نحل يدفعه إلى العمل، وهج الشهادة، وشدة الايمان بالقضية. إنما، كان إعدام سعاده طاغي الحضور.

فكان الحاضر الدائم بين العاملين، ومنه تستوحي كل فروع الحزب القدوة والمثال. وفي لبنان انطلقت نشاطات حزبية مكثفة جداً، فعادت المنفذيات تعمل بسرية وفعاليته، عبر قيادة دمشق الحزبية.

فترة العمل التجاري، فروجتها للعمل الحزبي. أنجح هنا فأنجح هناك، وكنت قد تعرفت على الفسحة العقارية في لبنان. فقررت العمل فيها، ونجحت في ابتداع أساليب ربحية كثيرة. لم تكن معهودة في السابق. كأن أتقاسم الأرباح مع الوسيط الذي راح يتشجع لتأمين الشاري أو البائع. وهكذا، بات لي مركز قوي في هذا القطاع، الذي وفّر لي ولعائلتي أرباحاً مجزية وأعطاني فرصة جديدة للعمل في الحزب ومتابعة النشاط في المتن ثم في بيروت.

يومها، برز عدد من الرفقاء الناشطين والمندفعين: إميل رعد، وبشير عبيد وغيرهما. وتابعنا معاً حركة النشاط الحزبي عبر اتصال إداري متين مع قيادة الحزب في دمشق، حيث لمعت أسماء كثيرة إلى جانب عبد المسيح ومنها الدكتور جورج صليبي وفؤاد أبو عجرم والدكتور عبد الله سعاده والصيدلي أديب قدوره وعصام المحايري وأسد الأشقر وإنعام رعد وعيسى سلامة وعبد الله محسن، والمؤسف أن الصراع على السلطة كان قد بدأ في تلك الفترة. ومعروف ما حصل آنذاك، من انقسام أدى إلى تكبيد الخسائر كارثة خسارة دمشق، والهرب إلى لبنان.

في ذلك الوقت حرت في موقفي، فأنا من المعجبين جداً بنشاط وهمّة عبد المسيح، وكنت من الذين تدربوا على يده في بداية حياتي الحزبية ورافقت جهاده في تلك الأيام الصعبة، فأصبحت في حالة تمزق داخلي خطير، ما دفعني لدراسة هذا الموضوع الدقيق مع المتنورين في الحزب والذين كانوا على اطلاع دقيق على مجرى الأمور، وأهمهم في تلك الحقبة الأمين عبد الله قبرصي والشاعر خليل حاوي المعروف بمعارضته الشديدة لنهج عبد المسيح وأسلوبه في الفكر والعمل. كانت علاقتي وطيدة بالأمين قبرصي المحامي الذي التحقت في مكتبه متدرجاً في العمل الحقوقي وذلك بعد خروجه من سجن المية ومية، وأصبحت أداوم في مكتبه كل أوقات فراغي ما أتاح لي التعرف على الكثير من المسؤولين في الحزب والاستماع إلى آرائهم في سائر الشؤون التي كنا نتداولها في تلك الأيام.

شكّلت تلك المرحلة من عمري قاعدة التأسيس والاستعداد لتحمل مسؤوليات خطيرة في الحزب، فبرزت مواقفي من خلال نشاطي المتواصل واندماجي في العمل الحزبي الذي أخذ كل أوقاتي واهتماماتي، وأصبح نشاطي هذا لافتاً، وكوّنت تلك المرحلة ملامح شخصيتي واندمجت كلياً في مهماتي الجديدة متحملاً عدة مسؤوليات في هيئة منفذية المتن الشمالي. عانيت الكثير من جراء تقدمي في الحزب، لأن الكثير بدأ يفسّر هذا النشاط وكأنه نزعة شخصية لآخذ مكان غيري في العمل الحزبي والسياسي. وهنا أود أن أدوّن هذه الاعترافات، أود أن أؤكد لأولادي وأولادهم وللأجيال الصاعدة ولرفقاء المستقبل أنني لم أزاحم أحداً في أي موقع مركزي في الادارة الحزبية، بل كانت كل همومي منصبّة على العمل الحزبي وذلك من أجل انتصار العقيدة التي أعمل لتحقيق غايتها وهدفها في هذا الوجود. كنت بعيداً جداً عن هذا الشعور بالذات، ولم تعن الأنا لي شيئاً، وكانت تضحياتي نابعة عن قناعة وجدانية عميقة، إذ إن سعاده قد احتل كل كياني فلم يعد عندي أي أثر من آثار الماضي البالي الذي ما برح فاعلاً في عدد من النفوس العاملة في الحزب، وأهمها تلك التي ستتبوأ مراكز هامة في إدارته. إن طبيعة بعض الناس العاديين لم تكن في تكوين وجودي الانساني ولم أكن أفكر مطلقاً بالدخول إلى مراتب معينة عن طريق المنافسة أو التودد لأحد، بل كانت مبادىء سعاده وحدها تدفعني إلى العمل، وكم تألمت عندما تبوأت مراكز معينة هامة أثارت الانتباه، إذ غدوت أسمع من هنا وهناك وفي محيطي الصغير أنني أزاحم هذا المسؤول أو ذاك القريب لمنافسته على مركز أو سلطة أو ما شابه.

إني وأنا أسجل بعفوية وبراءة هذه الأحداث لأولادي، أريد أن أؤكد لهم وأنا في مرحلة التحضير لمغادرة هذا الكون، أنني لم أعرف البغض في حياتي ولا الأنانية ولا حب الوصول ولم تكن لي طموحات إلا لتحقيق ما في نفسي من إيمان بهذه النهضة العظيمة، وأنني قد انتصرت نهائياً على الإنسان العتيق في كياني وأصبحت متعمقاً جداً في معنى الوجود مما علمني إياه سعاده من أن الأفراد يأتون ويذهبون، يكمّلون آجالهم ويرحلون، أما المجتمع باق في تعاقب أجياله.

لقد انتصرت نهائياً على ازدواجية الولاء فولائي هو لعقيدتي. من أجل ذلك كان صراعي في المجتمع وبين الناس وفي الحزب صراعاً واضحاً لتثبيت مناقبي وأخلاقي.

ظُلمت كثيراً في ما قالوه عني لأني كنت بعيداً جداً عن أي طموح شخصي وتمحور كل اهتمامي في الصدق مع الرفقاء، والاجتهاد في حياتي وعملي كي لا أحتاج الآخرين.

لقد أسيء فهمي وأسيء إلي، وأسيء إلى تاريخي الحزبي السياسي.

أود أن أسترسل في شرح علاقتي بذاتي وبالآخرين، أنا لا أعرف الحسد ولا البغضاء ولا الطمع، ولا يهمني امتلاك شيء إلا لسد حاجة ورد الضربات عني وعن المسؤولية التي أحمل. وإني مطبوع على حب الناس ولو أني أصبحت أعرف أنني طائر يغرّد في غير سربه، وأن الصراع في المجتمع وفي نطاق النهضة، هو صراع إنساني يجب أن ينزه عن الخبث والرباء والحقد والضغينة والكذب والنميمة والنفاق.

كنت أتصدى لهذه الأساليب ولا أساوم أو أهاون. غير أني أحياناً كنت أسامح وأغض الطرف شفقة وازدراء لأن ما في نفسي هو عكس ما عند غيري من الذين حاربوني وحاولوا تحطيمي. لم أستسلم للأقوال والطعنات فواجهتها بجد وعمل وتضحية وقد كلفني ذلك كثيراً في حياتي ولكني لم أندم ولست بنادم أبداً على مواقفي الواضحة التي أعطتني الارتياح الداخلي والقوة المعنوية وطبعت شخصيتي بطابع مميز. فأنا أعرف الألم والعذاب وأعرف الصبر وأعرف الكرّ والفرّ أمام هؤلاء الناس الذين يحملون أمراضاً خبيثة في كيانهم، ولكني لا أعرف اليأس ولا الاستسلام ولا الخضوع.

هذه حقيقة أسجلها لكم، فقد زادتني هذه الطعنات قوة وصلابة أرتاح لها جداً رغم ما كلفتني من متاعب وخسائر وصدمات عنيفة أثّرت على صحتي ونجاحي. وصيتي هي أن تتمسكوا بما تعتقدون أنه الحق، وأن تتذكروا قول الناصري دائماً: الويل للإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه، وأنا قد خسرت العالم ولكني ربحت نفسي، وهذا ما أتركه إرثاً لكم.

منصور عازار