العدد الواحد والثلاثون - آذار

مراكز الأبحاث الأميركية: والتوقعات باتجاه المشرق العربي

الياس سالم
الجمعة 14 آذار (مارس) 2008.
 

تتوجه مراكز الدراسات والأبحاث في الولايات المتحدة باتجاه الشرق، وقد خلفت في هذا العمل الفكري ـ الثقافي ـ السياسي توجه المستشرقين في مرحلة الاستعمار، وإذا كان المستشرقون قد أسسوا لمرحلة الاستعمار وحضروا القرارات السياسية للتوسع الأمبراطوري الأوروبي وتحديداً البريطاني والفرنسي، وأسهموا بإدارة البلاد الواسعة الممتدة من المتوسط إلى الصين، فإن مركز الدراسات والأبحاث تدرس وتحضر القرارات للحفاظ على هيمنة الدولة الغربية وتحسن إدارة الأوضاع في تلك المناطق، بما يخدم المصالح الغربية الإستراتيجية خصوصاً في مجال توفير تدفق الطاقة والمواد الأولية، بالإضافة للحفاظ على حرية الحركة والتنقل للتجارة والأساطيل العسكرية الأميركية والغربية.

تشمل الدراسات الأوضاع الثقافية وبشكل مركز الأوضاع الدينية والطائفية والمذهبية والإتنية والقبلية والعرقية التي تحكم سياسات هذه الدول. وتأتي هذه الدراسات استكمالاً لما قام به المستشرقون والساسة الكبار الذين رسموا خرائط لدول وكيانات حرصوا خلال هذه العملية على إبقاء بؤر توتر داخلية ونزاعات حدودية بين الجيران تستهلك موارد وطاقات الدول والشعوب وتحد من التنمية وتبدد الجهود في الحروب وما تتطلبه من تسليح وإعادة بناء.

بعد سقوط الإتحاد السوفياتي وتحول النظام العالمي إلى نظام أحادي القطبية، ازداد نشاط هذه المراكز وكثرت حتى أن شركات كبرى أنشأت مراكز تابعة لها ورصدت لها موازنات تبقى أقل من موازنات الترويج والإعلان. ومن هذه المراكز والندوات والحلقات الدراسية والنشرات والكتب والتوصيات التي تصدرها، تصنع القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية بما يخدم مصالح الشركات التي تمول هذه المراكز والشركة الكبرى أي الإستابلشمنت الأميركية التي تحكم الإدارة في الولايات المتحدة.

وقد تركزت هذه الدراسات سابقاً على الحركات القومية والأحزاب الشيوعية وحركات التحرر والحركات الدينية داخل الإتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية وأميركا اللاتينية لكنها سرعان ما تكثفت حول الإسلام والمذاهب الإسلامية والأحزاب والحركات ذات الطبيعة الإسلامية بعد 11 أيلول 2001.

لا شك أن توجه الدراسات يكون منطقياً لحماية مصالح الولايات المتحدة من التهديدات والأخطار والطموحات المحدقة بها الآن وفي القريب العاجل والمستقبل البعيد. وهذا ما يدفع هذه المراكز إلى التدقيق في كل الأوضاع التي يمكن استثمارها من أجل خلق نزاعات أو حروب أو خلافات اتنية أو مذهبية أو طائفية، انطلاقاً من الواقع السياسي والديموغرافي وتكوين الدول في العالم الثالث.

تستحوذ إيران في هذا المجال على كم كبير من الاهتمام والدراسات لتاريخها وللمذهب الشيعي في الإسلام وتواجده وعلاقاته مع باقي المذاهب، من دون أن تغفل تاريخ الشيعة ولا تاريخ الفرس وخصوصاً العلاقات العربية الفارسية وظاهرة الشعوبية التي ما يزال الأدب العربي يحفظها في تراثه. تستعين مراكز الدراسات بعدد كبير من الباحثين الأميركيين من أصول إيرانية ممن يتقنون اللغة الفارسية، ويتابعون تطور الأوضاع الداخلية في إيران ومسار علاقاتها الخارجية وخصوصاً مع الولايات المتحدة.

مؤخراً بدأت عدة تسريبات تظهر في دراسات في مؤسسات متعددة ومقالات في الصحف وكتب تتحدث عن التهديد النووي الإيراني والقدرات العسكرية المرتقبة للمشروع النووي الإيراني، وتأثير ذلك على أمن الخليج وخصوصاً أمن إمدادات النفط في حال هيمنة إيران على المنطقة. وقد شكلت الجولة الأخيرة للرئيس الأميركي جورج بوش منعطفاً هاماً في العلاقات الأميركية الإيرانية، فهي بعد أن تبنت الوضع الفلسطيني الإسرائيلي بحديث عن مفاوضات أنابوليس ووعودها الغامضة بإنشاء دولة فلسطينية عام 2008 سرعان ما تنصل منها رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بعد عودته إلى إسرائيل، وبعد أن شغل بوش العرب بوعود أنابوليس وتبنى في شرم الشيخ حكومة السنيورة في لبنان موجهاً ضربة قاضية إلى المبادرة العربية (وهي مضمون بيان مؤتمر وزراء الخارجية العرب)، أصبح كل تحرك لحل الأزمة اللبنانية هو دوران في الفراغ لأن وصية بوش لمبارك كانت دعم حكومة السنيورة.

في المقابل، كان خطاب بوش في دولة الإمارات العربية المتحدة ملفتاً لناحية التحذير من خطر إيران على المنطقة، ودعوة دول المنطقة لمواجهة هذا الخطر، وإبداء استعداد الولايات المتحدة لدعمهم بالسلاح والسياسة لمواجهة إيران. الرسالة واضحة، إيران هي العدو، هي التهديد، أما إسرائيل فيمكن التفاوض معها لتحصيل الحقوق بعد تصفية قضية اللاجئين علناً من قبل الرئيس الأميركي وإعلانه رفض حق العودة واستبداله بتعويض مالي دون أي اعتراض من العرب.

تتوجه أنظار الدراسات إلى إيران وآخرها أن المواجهة العسكرية الأميركية الإيرانية واقعة حتماً، وأن قرار الحرب ضد إيران متخذ وهو بحاجة إلى توقيت لبدء العملية. ويعتبر بعض الباحثين أن الحرب على إيران بدأت عملياً عام 2006 عندما شنت القوات الإسرائيلية حرباً ضد لبنان بهدف تصفية حزب الله اللبناني، وهو أحد حلفاء إيران الأقوياء في المنطقة.

ولا يهمل العديد من الباحثين الانتشار العسكري الأميركي في مياه الخليج وبحر عمان وخصوصاً حاملتا الطائرات وتعزيزات الأسطول الخامس، وما نشر مؤخراً عن إعادة تأهيل كاسحات الألغام البحرية التي أصبحت جاهزة للعمل وتأمين الطرق البحرية أمام المراكب القتالية الأميركية.

هذه الحرب كما يقول الباحثون تستغرق من 10 أيام إلى 15 يوماً، وهي عبارة عن قصف جوي وصاروخي لعدد من الأهداف قدر بالآلاف، فيما قال البعض أربعة آلاف هدف عسكري وسياسي واقتصادي واستراتيجي داخل إيران. من شأن هذا القصف هو شل قدرات إيران الدفاعية وتعطيل قوتها بشكل شبه نهائي بحيث لا يتوقع لها أن ترد بأي صاروخ من داخل إيران. وأن كل ما ينشر ويذاع عن الصواريخ الإيرانية لن تتمكن من إطلاقه، ولو أطلقته فإنه لن يصل إلى الأهداف المقصودة أو على الأقل لن يصيبها، هذا على حد ما تروج له مراكز الأبحاث.

أما ردود الفعل الإيرانية التي تتوقعها تلك المراكز فهي رد فعل كبير داخل العراق ضد القوات الأميركية، والتي باتت معتادة على حماية نفسها من هذه الهجمات، وقد اتخذت تدابير عديدة لتقليص الخسائر في صفوفها إلى أدنى حد ممكن، سواء بالاستعلام والاستطلاع الجوي أو بحماية المراكز بشكل محكم أو بترتيب انتقال الآليات أثناء الدوريات، بحيث لا تحدث إصابات بين أعداد كبيرة للأميركيين.

أما في لبنان، فلا تجزم هذه المصادر عما إذا كان حزب الله سوف يرد، وهل يفتح جبهة مع إسرائيل؟ وما هي الجدوى من هذه الجبهة؟ حتى الآن لا تجزم جميع المراكز بنوايا هذا الحزب.

أما الملاحة في مضيق هرمز، فتشير المصادر أنها سوف تتوقف لمدة بسيطة وأن القوات البحرية الأميركية قادرة على فتح المضيق وتأمين الملاحة خلال فترة أقصاها أسبوع من تاريخ بدء النزاع.

إن تغيير الإدارة الأميركية من جمهورية إلى ديموقراطية أو من بوش إلى مكين داخل الحزب الجمهوري لن يغير شيئاً من القرار الأميركي تجاه إيران. فالوضع سوف ينتقل برمته إلى الإدارة الجديدة في حال لم تشن الإدارة الحالية الهجوم المرتقب.

وهنا يمكننا أن نطرح عدة تساؤلات عطفاً على ما تسربه مراكز الدراسات حول الضربة العسكرية الأميركية لإيران:

-  إذا كانت إيران عاجزة عن إصابة الغواصات والمدمرات الأميركية المنتشرة في المحيط الهندي أو البحر المتوسط أو في القواعد الأميركية في آسيا الوسطى أو دول الخليج، فإنها تبقى لها قدرة على إصابة تلك المجاورة وخصوصاً في العراق والكويت والسعودية والإمارات وخصوصاً البحرين التي يستخدمها الأسطول الخامس قاعدة أساسية.

-  ماذا لو أصابت هذه الصواريخ غير الدقيقة حسب وصف تلك المراكز، أهدافاً مدنية من نوع مصافي النفط أو محطات تحلية مياه البحر التي تعيش الملايين من مياهها العذبة؟

-  هل نشهد سيناريو جديد، أي شن حروب وتدمير ثم استغلال ثروات هذه الشعوب من أجل إعادة بناء ما تهدم ووضع مسؤولية الدمار على إيران؟

وفي الختام، ألا يحزن العالم كله أن تشهد تلك الدول الصغيرة المزدهرة والمتطورة والتي يعجب العالم كله بها، وهي مصابة بالدمار ومنهارة اقتصادياً؟.