العدد الواحد والثلاثون - آذار

الفردوس الأول وسقوط الإنسان في الفكر العراقي القديم

الأب سهيل قاشا
الجمعة 14 آذار (مارس) 2008.
 

تظهر قصة الفردوس في جميع القصص الشعبية في العالم القديم كله، وهي تتناول العصر الذهبي الذي كان الإنسان يحيا فيه حياة خالية من الهم والشقاء والنصب والتعب.

أما مصطلح سقوط الإنسان والذي ربما اقتبس من سفر الحكمة، فإنه يعبّر عن حقيقة عصيان الزوج البشري الأول للرب، والخطيئة التي تبعت ذلك.

فكرة سقوط الإنسان تفجّر العديد من القضايا الفكرية العقائدية، يتفرع عنها قضايا أخرى. وأول هذه القضايا الخلود الذي يتطرق الحديث من خلاله إلى قضية الموت ويتفرع عنهما فكرة البعث التي تثير قضية الحساب أو الدينونة المتعلقة بمفهوم الخطيئة، ومن ثم الثواب والعقاب أو الجنة الفردوس أو الجحيم ـ جهنم.

هذه المتوالية الفكرية كان لها نصيب كبير في عقائد الإنسان القديم والحديث على السواء، كما أنها لعبت دوراً هاماً وحيوياً في الحياة الفكرية والدينية لشعوب العالم القديم، وبخاصة شعوب الشرق الأدنى.

ومن هنا نرى ضرورة تقديم عرض موجز لهذه الأفكار، لتشكيل خلفية ضرورية يتطلبها عرض فكرة سقوط الإنسان في الفكر العراقي القديم، باعتباره الفكر الإنساني الأول، لفجر الحضارة البشرية الأولى.

يرجع أصل فكرة الخلود إلى أن الوجود ـ حسب فكر إنسان وادي الرافدين ـ تشكّل في أصله من المتناقضات والمتضادات، ولما كان الإنسان يدرك أن العالم الذي يعيش فيه زائل، انطلاقاً من وجود فكرة الموت، فقد كان من البديهي أن يكون هناك عالم آخر يناقض ذلك العالم المحسوس الزائل، ويتصف بالخلود، يرحل إليه الناس بعد الموت. وكان الموت اكثر الأشياء التي أثارت خيال الإنسان.

ومن هنا أصبحت دور الحياة والبعث هي الفكرة المركزية في الدين والأسطورة، كما أصبحت الفكرة الأساسية التي يتمحور حولها لاوعي الفرد قديماً وحديثاً. ومن خلال دراسة الفكر الإنساني عبر العصور المختلفة، يتضح أن الموت في فكر الإنسان لم يكن مرحلة نهائية تضع حداً للوجود الإنساني بجميع صوره، وإنما كان عبوراً إلى حالة وجودية مغايرة، ظلّت مترافقة مع فكرة الموت في فكر الإنسان بغض النظر عما إذا كانت أفضل أو أسوأ من الحالة الأولى للوجود الدنيوي.

بالنسبة إلى بلاد النهرين، كان الخلود من نصيب الآلهة وحدهم دون البشر، ولم يكن أمام من يسعى إلى الخلود من البشر إلا أن يصبح إلهاً. أما الحالة الوحيدة التي حصل فيها البشر على الخلود فهي حالة أبطال الطوفان في ملاحم بلاد النهرين، غير أنهم لم يحصلوا على ذلك الخلود إلا عندما رفعوا إلى مرتبة الألوهية. أما مصير البشر، فكان الموت حيث إن الآلهة عندما خلقت الإنسان، قدرت عليه الموت بينما احتفظت لنفسها بالخلود.

ويبدو ذلك جلياً من بعض النصوص، وخاصة ملحمة كلكامش. ففي اللوح العاشر من تلك الملحمة، توجه سيدوري صاحبة الحانة الإلهية حديثها إلى كلكامش قائلة: إلى أين أنت ذاهب يا كلكامش؟ الحياة التي تنشدها لن تجدها. عندما خلقت الآلهة قدّرت للناس الموت. واستأثرت هي بالحياة الخالدة.

وعلى الرغم من هذه الحقيقة، فإن أهل بلاد النهرين لم يؤمنوا بالفناء المطلق، فكان اعتقادهم هو أن الإنسان مكوّن من جسد وروح، وعندما يموت تنفصل الروح عن الجسد، وتلج إلى عالم جديد هو عالم الأرواح السفلى.

وكانت حالة الموت تلك حالة أبدية، لم يكن معها أمل بالعودة إلى الحياة الأولى ولا حتى بالتناسخ أو التقمص، كما هو الحال في عقائد الشرق الأقصى؛ وكان عالم الموتى ـ في نظر أهل بلاد النهرين ـ عالماً سفلياً يقوم تحت عالمهم الدنيوي، ويشكّل منطقة وسطى بين سطح الأرض ومياه الغمر الأولى. وكان يطلق على ذلك العالم السفلي كوره وكيجال أي الأسفل العظيم. ويوصف ذلك العالم بأنه عالم مخيف يشبه مدينة محيطة بأسوار سبعة، يقف على كل سور منها شيطان مخيف، وتحكم هذا العالم آلهة قاسية. وكان يتخلل كل سور من الأسوار السبعة بوابة، وكان الظلام الحالك يشمل هذا العالم في جميع الأوقات. أما الموتى، والذين كانوا يلبسون ثياباً من الريش كالطيور، فكان طعامهم التراب، وغذاؤهم الطحن. ويرأس مملكة العالم السفلي تلك ترجال واللاتو الملقبة ايريشيجال، وكان تحت إمرتهم أرواح الطاعون والمرض، ترقب الموتى وتمنعهم من الصعود لمهاجمة الأحياء.

وكانت فكرة الجنة شأنها شأن الخلود، وقفاً على الآلهة وحدهم دون البشر. وقد ورد وصف لهذه الجنة بشكل مفصل في أسطورة دلمون التي سيأتي ذكرها في ما بعد.

أما عقيدة البعث، القيامة، فلم يعثر على أية وثائق تنبئ عن أهل بلاد النهرين كانوا يؤمنون بعودة الروح إلى الجسد مرة أخرى، وذلك على الرغم من اهتمامهم بعادات الدفن ووضع الأثاث الجنائزي كل شهر في القبور، إلا أنه يحتمل أن ذلك كان اتقاء الأذى الذي ربما يتعرض له الميت، أكثر من كونه نوعاً من التكريم. ويترتب على القول بعدم اعتقاد سكان بلاد النهرين في البعث، القول بعدم اعتقادهم أيضاً في مسألة الثواب والعقاب الأخروي، ومن ثم لم يؤمنوا بفكرة الجنة والنار. وكان عقاب الفرد على الذنوب أو الحسنات عقاباً دنيوياً صرفاً، ومن هنا أحبوا الدنيا وتمتعوا بها.

ويعتقد أن الخطيئة لم تكن حالة معنوية من حالات النفس، وإنما كانت مثل المرض الذي ينتج عن سيطرة شيطان على الجسم. وهذا يؤكد إيمان سكان بلاد النهرين بالشياطين وباقترانها بمفهوم الشر.

وربما عرف سكان بلاد النهرين فكرة تجسّد الشيطان في الحية، حيث يوحي بذلك أثر فني ربما يرجع إلى العصر السومري أو الأكّدي، ذلك الأثر الفني يتمثّل في ختم أسطواني الشكل، يرجع إلى حوالي منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، ويمثل رجلاً وامرأة يجلسان متقابلين وبينهما شجرة، بينما تنتصب خلف المرأة حية، ورأساهما متجاوران، وتمد المرأة يدها في شكل دعوة للرجل الجالس أمامها لتناول ثمار الشجرة، ومن هنا نستدل على أن أسطورة سقوط الإنسان كانت معروفة في بلاد النهرين.

ويؤكد ذلك ـ على مستوى النصوص ـ وجود ملحمة كاملة تتناول سقوط الإنسان، وهي ملحمة بابلية معنونة باسم آدابا التي تمثل الإنسان الأول آدم.