العدد الواحد والثلاثون - آذار

المقاومة العراقية انطلاقة أربكت الأميركان

بدر فهد العنزي
الجمعة 14 آذار (مارس) 2008.
 

بدر فهد العنزي

باحث وإعلامي عراقي

 

حين كنا صغاراً نقترب من أعشاش العصافير نحاول اللهو بها أو بأعشاشها, وكنا نجابه برد فعل مناقيرها الصغيرة تاركة أثاراً دامية على أيدينا. وكان ذلك يثير تساؤلاً، كيف لعصفور صغير لا يتجاوز حجمه حجم قبضة اليد أن يلحق بنا هذا الأذى؟، ألا يخاف منا ونحن نزيده حجماً وقوة!؟. كبرنا وكبر التساؤل معنا وصارت له إجابات تخضع لفلسفات وتحليلات نفسية واجتماعية وسياسية.

وتعلمنا في علوم الفيزياء قاعدة علمية تقول إن لكل فعل رد فعل وعرفنا أن ذلك ينطبق على كل الأفعال. وأن تلقائية رد الفعل هي مسألة بديهية وربما لا إرادية، ويمكن لرد الفعل أن ينظم في مرحلة لاحقة.

وإذا جاز لنا التوصيف البسيط أن نشبّه الاحتلال بالفعل فسيكون من المؤكد أن تكون المقاومة ردة الفعل، وإن كانت المقاومة حق طبيعي كفلته جميع الشرائع والأعراف والقوانين الوضعية والسماوية, وقبل ذلك أقرته قوانين الطبيعة.

وإزاء ذلك نرى أن همجية المحتل وعدوانيته واستخفافه بقدرات الشعوب تتضح في مواجهته الشرسة وقمعه لكل محاولات رد الفعل (المقاومة) على احتلاله وعدوانه ويفتعل أكثر قسوة وبطشاً لتبرير العدوان والاحتلال وهذا ما نراه جلياً في العراق وفلسطين ولبنان وغيرها من دول المعمورة. لكن الشعوب الحية تبدع من الوسائل والأساليب وتبتكر من القدرات ما يجعلها قادرة على تحويل ردة الفعل إلى عمل جماعي منظم دؤوب يفضي بالنتيجة إلى تحررها من ربقة الاحتلال ونير الاستعمار وتحقيق الانتصار الذي يسجل في سفرها الخالد.

والتاريخ الذي سجل نصر شعب الجزائر على الاستعمار الفرنسي الذي امتد أكثر من 130 عاماً، فإنه سجّل أيضاً الدور الملحمي البطولي لشعب فلسطين وهو يؤسس لمقاومة امتدت أكثر من خمسة عقود في مواجهة أعتى قوة همجية شرسة مدعومة بآلة حربية ضخمة مستندة إلى عنجهية وعدوانية القوة العظمى في العالم ألا وهي الولايات المتحدة الأميركية.

أما المقاومة اللبنانية التي أكدت فاعلية وصواب منهجها وتواصلها الحي المشرف في الدفاع عن أرضها ومبادئها وكأن الجراحات كلما نزفت دما تعطرت الأرض بعبقه وزادت معه اندفاع المقاومين وحرصهم على مشروعهم التحرري، وما يحصل في العراق لا يبتعد عن هذه الرؤية لأن المقاومة في أقطارنا العربية جاءت من رحم واحد وهو التطلع نحو التحرير والانعتاق.

ولحداثة المقاومة في العراق زمناً وتجذرها في النفوس عمقاً وتاريخاً وإرثاً إنسانياً فإننا سنشير إلى أرضيتها وإمكانياتها وأسلوب المحتل في مجابهتها.

من يقرأ تاريخ الولايات المتحدة الأميركية يجد إستراتيجية الهيمنة هي من أولى مبادئها الأساسية التي وضعها الرئيس الأميركي مونرو عام 1823 وعرف بمبدأ مونرو في استراتيجية أميركا تجاه العالم وأول ما نفذته هذه السياسة كان في أميركا اللاتينية، ويكفي إن نشير لإحصائية أميركية بأن المخابرات الأميركية قامت بالأشراف على (116) انقلاباً لصالحها فقط في أميركا اللاتينية خلال القرن الماضي.. ولم تتغير هذه المبادئ التي وضعها مونرو منذ ذلك التاريخ بل تعاقب السياسيون والرؤساء الأميركيين وكانوا يتفننون في وضع سياسات مرحلية تكتيكية تخدم هذه المبادئ وحتى هذه اللحظة.

على هذا الأساس كان إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين والدعم الأميركي اللامحدود له، إضافة مبادئ مونرو ليست سياسة وحسب بل اقتصادية للسيطرة على ثروات العالم فكان لابد لها من السيطرة على منابع البترول وأهم هذه المنابع العراق الذي تشير الدراسات بأن آخر برميل من النفط يستخرج منه.

لهذا عمدت الولايات المتحدة الأميركية على إعادة تكوين خريطة الشرق الأوسط والوطن العربي وبعد إن (حيّدت!؟) مصر اتجهت للعراق تحت حجج وذرائع أسقطتها الإحداث.

ولكن كيف دخلت أميركا إلى العراق بهذه السهولة واحتلته وهو صاحب الحضارة والتاريخ والقوة العسكرية الجبارة؟

وللإجابة على هذا التساؤل يمكن الإشارة إلى الآتي:

1 ـ سبق احتلال العراق مخطط أميركي صهيوني كبير يمتد إلى فترات سابقة ومنذ أن حاول العراق أن يختط لنفسه منهجاً مستقلاً ويعيد بناء نفسه للتحول من دولة متخلفة إلى دولة يمكن أن تكون أنموذجاً في عملية البناء المعتمد على الذات، وقد برزت أخطر مراحل المخطط وما تلاها من حصار امتد حتى احتلال العراق في نيسان عام 2003 وكذلك العدوان الأميركي الثلاثيني عام 1991. سنتحدث عن تفاصيلها في وقت آخر وأسهم هذا الحصار بشكل كبير في التمهيد للاحتلال وتأسيس أرضية له.

ويمكن الاطلاع على نص الحوار بين الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مع وفد من الكونغرس الأميركي مطلع سنة 1990 حين التقاهم في محافظة الموصل، إذ في هذا الحوار ما يستوجب القراءة بإمعان ليؤكد نوايا الأميركان وما لحق بالعراق من دمار بعدها.

2 ـ الحرب النفسية التي مارستها الولايات المتحدة الأميركية وبأساليب متنوعة عمدت إلى إحداث تأثيرات مسبقة وتشير إحصائيات إعلامية أن الإعلام المعادي على العراق كان يبث أكثر من400 ساعة يومياً.

3 ـ اعتماد القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها على القصف الجوي المكثف ولمدة طويلة قبل دخول القوات البرية وحققت إصابات مباشرة في أهداف مهمة ومنتخبة في ظل انعدام المقاومة والدفاعات الجوية والغطاء الجوي إضافة إلى استخدام قوات الاحتلال إلى قنابل خاصة في مناطق المقاومة البرية مثل ما حدث في معركة المطار. وقد استخدمت قوات الاحتلال كل قدراتها العسكرية القتالية وإمكانياتها.

4 ـ ضعف التجهيز القتالي العسكري للقوات العسكرية العراقية نتيجة العزلة التي عاشها العراق عربياً ودولياً لمدة 13 عاماً وأن قدراته ضعفت عشرات المرات عما كانت عليه في حرب عام 1991 وفي الوقت نفسه تطورت القدرات العسكرية لقوات الاحتلال عشرات المرات لنفس الفترة.

5 ـ إعداد عدد كبير من العملاء الذين دخلوا مع قوات الاحتلال وقدموا تسهيلات مهمة لها.

هذا إضافة إلى معطيات أخرى تتعلق بالتكتيك العسكري والمعلومات الاستخبارية وغيرها، حتى أن الأميركان فوجئوا بسهولة تقدمهم العسكري واحتلالهم مناطق العراق الواحدة تلو الأخرى، دون مقاومة بالمعنى العسكري, مع استثناءات لبعض المعارك أهمها معارك البصرة ومعركتي الناصرية والمطار. كل ذلك خلق زهواً وقدرة في معنويات العسكري الأميركي, وصورت له أن العراقيين يرحبون بمقدمهم فكانوا يتجولون في شوارع بغداد والمدن العراقية بحرية.

لكن فوجئوا ببداية ليست بسيطة للمقاومة، بدأت بعمليات القنص، فأخذوا بالانكماش تدريجياً وأخذت المقاومة تتقدم إزاء ذلك، ورفع هذا معنويات العراقيين مقابل انهزام وانخفاض متسارع في معنويات قوات الاحتلال، وأشار الكثير من المعنيين والمهتمين بتوثيق حركة المقاومة العراقية في دراسات ومقالات وأدبيات إلى جوانب مهمة من هذه المقاومة يمكن إجمالها بالآتي:

تميزت المقاومة العراقية بقدرتها على ابتكار أساليب مواجهة وقتال المحتل

1 ـ بداية المقاومة:

المقاومة بدأت كحرب عصابات وقتال شوارع منذ يوم 8/4/2003 إذ كان آخر اجتماع عقده الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مع عدد من القادة، واستطلع منهم الموقف وأعلموه بالانهيارات التي حصلت فطلب منهم (المباشرة بالكفاح الشعبي المسلح لمقاومة الغزاة) وبهذا تكون المقاومة الشعبية بدأت من التاريخ أعلاه الذي تحدد فيه توجه حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق للمرحلة القادمة، علماً أن نواة جيش محمد بدأت ممارسة دورها قبل هذا التاريخ بقيادة ميدانية من قبل عزة إبراهيم.

وبظل غياب القيادة عن قواعدها في الحزب في تلك الفترة، أخذت مجموعات صغيرة متجانسة شخصياً على عاتقها العمل بقدراتها البسيطة بمقاومة الاحتلال، بتصرف واجتهاد فردي غير خاضع لقيادة، وهذه المجاميع غير مرتبطة ببعضها ومنها من البعثيين المخلصين لمبادئهم، وقسم آخر من هذه المجاميع من المتدينين المؤمنون بالجهاد ضد المحتل وهكذا بدأت تتسع وتكبر وتنضج المقاومة ويمكن وصف هذه المرحلة بمرحلة رد الفعل التلقائي غير المنظم.

2 ـ مرحلة بروز نشاط المقاومة:

أخذ عدد المشاركين يتزايد في المقاومة واتسعت من إفراد إلى تشكيلات قتالية إلى فصائل أخذت تنتظم وخلقت تنسيقاً فيما بينها، ويؤكد ذلك عدد من البيانات المشتركة التي تصدرها مجموعات المقاومة. وبهذا توسعت هجمات المقاومة من مجموعات صغيرة تطلق النار من بنادق كلاشنكوف وقناصات إلى قنابل وعبوات ناسفة وهاونات وإلى إسقاط طائرات مروحية ما يؤكد التخطيط لهذه الهجمات المبني على قاعدة معلومات مسبقة ومنظمة بشكل جيد جداً.

اعتراف أميركي باستحالة تحقيق نصر في العراق

3 - أهم معالم نجاح المقاومة:

معالم نجاح المقاومة بدأت تبرز وفق معطيات أهمها الآتي:

أ ـ نجحت في ممارسة حرب العصابات مع قوات الاحتلال.

ب ـ اعتمدت أساليب الكر والفر وعدم إمساك الأرض.

ج ـ إفشال أي عمل عسكري ضدها قبل وقوعه، رغم القوة التي تستخدمها قوات الاحتلال خاصة ما حدث في الفلوجة، ومدن المنطقة الغربية من العراق وتلعفر... وهذا ما أكده: جيفري وايت المحلل السابق في وكالة استخبارات الدفاع في واشنطن بقوله: نستطيع فقط أن نسيطر على الأرض التي نقف عليها وعندما نغادرها تسقط.

4 ـ مزايا المقاومة:

خلال المسيرة الجهادية للمقاومة العراقية الباسلة فإنها تميزت بمزايا عديدة منها:

أ ـ التطور النوعي، حيث لم تكتفي بالتعلم من تجارب الشعوب في المقاومة بل زادت عليها وأضافت خبرة زادتها قوة وثقة.

يقول الأميركي أنتوني كورد سمان خبير استراتيجي في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن لقد تعلم المتمردون (يقصد المقاومة) طرقاً وتكتيكات خاصة بالحرب السياسية والنفسية وحرب المعلومات.

ب ـ تصاعد قوة المقاومة ويكمن سر ذلك في الإستراتيجية والتي اعتمدت على التدرج وعدم الاستعجال مع إيمانها وثقتها بالنصر الموعود.

ويشير تقرير أميركي أعده محللون عسكريون نشر على موقع مجلة نايت ريدر (من الصعوبة بمكان إلحاق الهزيمة بالمقاومة العراقية، لأن هدف المقاومة ليس كسب حرب بالمعنى التقليدي، ولكن مجرد الاستمرار حتى يتم قهر إرادة قوات الاحتلال) يؤكد التقرير أيضاً، (ما لم تحدث تغيرات دراماتيكية فإن الولايات المتحدة الأميركية لن تكسب الحرب الدائرة في العراق مطلقاً).

ج ـ اعتماد المقاومة على إستراتيجية تقوم على قهر القوات المحتلة، وثبات هذا الهدف مع قدر كبير من المرونة في التكتيكات والعمليات اليومية ما مكنها من تنويع أدوات وقدرات المواجهة مع قوات الاحتلال.

د ـ شكوى القادة الأميركان من التطور الدائم لأساليب المقاومة العراقية، على العكس من ذلك أن القوات الأميركية لم تملك استراتيجية محددة لمواجهة المقاومة، فالاحتلال استبعد في بادئ الأمر أن تكون هناك مقاومة، ولكنه فوجئ بقدرات المقاومة وتطور أساليبها وازدياد قوتها وتنوع مواجهتها العسكرية.

العمق الشعبي للمقاومة العراقية عزز من صمودها واندفاعها

5 ـ النجاحات التي حققتها المقاومة:

يمكن تصنيف أهم نجاحات المقاومة العراقية بما يلي:

أ ـ بروز فصائل للمقاومة لها حضور فاعل في العمليات العسكرية الميدانية من جانب، والتسويق الإعلامي لأنشطتها وبياناتها من جانب آخر فهذا يدل بالتأكيد أنها فصائل منظمة تعرف جيداً ماذا تفعل وتسعى لتنفيذ برامجها وفق أسس ومبادئ مدروسة وقابلة للتنفيذ.

وتبرز أحياناً بيانات عن قيام كتائب بعمليات فدائية وهي جزء من أحد الفصائل الرئيسية، إضافة إلى وجود مجاميع غير منظمة تعمل على مقاومة الاحتلال وكذلك العمل على تصفية العناصر المتعاملة مع المحتل كرد فعل وانتقام أو ثأر من الأفراد والعشيرة لما لحق بهم من أذى بسبب الاحتلال أو العملاء.

ب ـ أن الهزائم التي ألمت بقوات الاحتلال أثرت على المشروع الأميركي في العراق، فطلبت الجهات الأميركية من جميع مراكز البحوث المتخصصة والمستشارين وكذلك وزراء الدفاع السابقين ووزراء الخارجية السابقين، طلبت منهم تقديم ملاحظاتهم واستشارتهم عن مستقبل العراق والمقاومة فيه ومستقبل أميركا في العراق. وقدمت إحدى المراكز البحثية وتسمى مجموعة الأزمات الدولية دراسة أعدتها عن المقاومة العراقية, أهم ما ورد فيها:

أولاً: واشنطن لا تزال تقاتل عدواً في العراق لا تعرف الكثير عنه.

ثانياً: هناك نوع من الثقة بالنفس لدى هذه الجماعات والحس الواثق بالانتصار وهزيمة أميركا على أرض العراق وهذا الموقف غير موجود في البداية عندما أعلن المقاتلون جهاداً مفتوحاً على عدو جاء إلى العراق ليبقى.

ثالثاً: إن جماعات المقاومة العراقية تتسيدها مجموعة قليلة لكنها قوية، ذات نظام اتصالات مقنع وتقني ولم تعد متفرقة ومشوشة، فوضوية، بل منظمة مركزياً.

رابعاً: تقوم بالإضافة إلى العمليات العسكرية، بإصدار بيانات إعلامية، وترد على الأوضاع السياسية، وتبدو كأنها تابع لجهاز مركزي قوي.

خامساً: المقاومة تبنت الخط السلفي وربطته بالوطنية العراقية والقومية والإسلامية ليخلق وحدة بين المقاتلين العرب والأجانب والعراقيين.

سادساً: وعيها لدور الرأي العام ولذلك يعُون خطر الردود السلبية منه فيرفضون أي اتهام حول العنف الأعمى لحماية المدنيين، ويرفضون الاتهامات التي تساق بأنهم يسعون لحرب طائفية. ولذلك يسعون للرد على الأميركان وتأكيد وحشيتهم بتعاونهم مع مليشيات طائفية وعرقية لشن حرب طائفية، وانتهاك السجون العراقية ومحاولة الأميركان تعزيز الانقسام داخل المجتمع العراقي.

سابعاً: مع أن الخطاب الجهادي لجماعات المقاومة يظهر حماساً, إلا أن الجماعات استطاعت الحفاظ على وحدة نوعية داخل قطاعاتها.

ج ـ وعلى صعيد إلحاق الأذى بالسياسة الأميركية تجاه العراق والمنطقة فإن المقاومة العراقية قد حققت نجاحات مهمة في:

أولاً: إفشال المشروع الأميركي:

يوم أن جاءت واشنطن إلى العراق، كانت بذلك ترسم خطاً أولياً في المشروع الأميركي للعالم الجديد، غير أن المقاومة العراقية أفشلت هذا المشروع، إذ وفقاً لشهادة الجنرال (دافيد ماكيرنان) قائد القوات الأميركية فيما بعد في العراق ـ فقد حدث اجتماع بين (رامسفيلد) وبين هيئة أركان الحرب المشتركة بحضور قائد المنطقة المركزية الجنرال (تومي فرانكس) وعدد من معاونيه ـ أن أشار وزير الدفاع إلى خريطة تملأ جداراً كاملاً لقاعة الاجتماعات السرية، عارضاً ما مؤداه: أن نظرة على الخريطة تؤكد أن الولايات المتحدة محيطة من كل ناحية بالعراق، فهي تملك قواعد على تواصل دائرة كاملة تبدأ من الخليج العربي ـ باكستان ـ إلى أفغانستان ـ إلى أوزبكستان ـ إلى تركيا ـ إلى إسرائيل ـ إلى الأردن إلى مصر ـ إلى السعودية ـ وقطر والبحرين ـ وبجانب ذلك فإنها تملك محطات وتسهيلات مفتوحة لها دون قيود في مياه الخليج والبحر الأبيض المتوسط وقناة السويس والبحر الأحمر، ومعنى ذلك أن العراق بالضبط نقطة في مركز دائرة واسعة، وهذه فرصة تاريخية لتحقيق:

ـ السيطرة على مركز الدائرة في بغداد ليكون النقطة الثابتة في الدائرة الأوسع، وهذه فرصة للتنسيق مع محيطها.

ـ ولتصفية ما تبقى من مواقع المقاومة ـ دون الحاجة لاستعمال السلاح ـ لأن وجود قوات أميركية في العراق يعني حصار إيران من ناحيتين: ناحية أفغانستان التي تحتلها بالفعل قوات أميركية، وناحية العراق إذا وقع احتلاله بقوات أميركية ـ كما أن سورية في وضع أصعب لأنها بعد احتلال العراق ستكون مفتوحة من الشرق بوجود أميركي في الجوار المتصل بها بدرجة الالتحام، ومحاصرة من الشمال بتركيا والوجود الأميركي القائم فعلاً على أرضيها، وبمناطق الأكراد في شمال العراق والولايات المتحدة هناك معهم ـ إلى جانب إسرائيل من الجنوب ـ إلى جانب أن النظام في الأردن ليس صديقاً مغرماً بالنظام في دمشق ـ إلى جانب أن هناك عناصر في لبنان لا يرضيها تحكم سورية في القرار اللبناني. وإذن هذه وبضربة واحدة تحقق خريطة جديدة مثالية تماماً للشرق الأوسط، تقوم أميركا بتشكيلها ورسمها وأيضاً تنظيفها من جيوب كارهة لأميركا لا تزال تجادل وتعاند. هكذا كان المشروع الأميركي يتخذ من العراق نقطة انطلاق له ليمتد عبر أنحاء الأرض.

غير أن المقاومة العراقية أحبطت هذا المشروع وأحيت الأمل في قلوب الأمة.

ثانياً: إرباك الإدارة الأميركية:

من النجاحات التي حققتها المقاومة العراقية هو هذا الإرباك وتلك الفوضى التي أصابت الحسابات الأميركية. وتدل على ذلك مما تشهده المقالات والتحليلات الأميركية من اضطراب لافت وواضح في الرأي العام الأميركي باتجاه نقد السياسة الأميركية. فبينما يؤكد البعض أن الحل كل الحل في الانسحاب الأميركي السريع من العراق، يرى آخرون أن هذا الانسحاب من شأنه أن يجلب الويل والدمار للقوات الأميركية، وبعيداً عن الحجج والبراهين التي يتبناها كل رأي، إلا أن الحقيقة الكامنة وراء هذين الرأيين هي الرغبة الأميركية المحمومة في الهروب من العراق بأقل الخسائر الممكنة، وهي المعضلة التي لم تجد لها واشنطن حتى اليوم حلا، ويبدو أنها لن تجد لها حلاً يناسب المشروع الأميركي لا في المنظور القريب ولا في المنظور البعيد.

ثالثاً: إفشال المشروع الإيراني الطائفي وهذا له حديث خاص بعد أن برزت وعلى الأرض النوايا الإيرانية في العراق.

المقاومة العراقية... والقدرة على الانتصار

إن الرؤية لمستقبل المقاومة يجب أن تكون بعيدة عن العواطف وتلامس الحقائق وتتعامل معها، ونرى أهم هذه الحقائق هي:

أولاً: أن الأميركيين يحاولون المضي بمشروعهم في العراق ولن يقبلوا الهزيمة فيه ما يجعلهم يعملون بشتى الوسائل والأساليب للإطاحة بالمقاومة وتحجيمها والسعي إلى اختراقها.

ثانياً: سعي الأميركان إلى تطويق أي دعم للمقاومة العراقية من الخارج، بل تحاول ممارسة أقسى الضغوط بهذا الاتجاه. لأن المقاومة بدون دعم لا يمكن لها أن تديم زخمها بنفس القوة التصاعدية.

ثالثاً: سعي أميركي لتسريب سيناريوهات، منها سيناريو انقلاب عسكري على غرار ما حدث في موريتانيا ومباشرتها التفاوض مع أجنحة المقاومة وتسخير عدد من عملائها لهذا الغرض في محاولة لكشف هوية قيادات المقاومة واختراقها وخلق انشقاقات فيما بينها بين رافض للعملية التفاوضية وقابل بها، وكل ذلك محاولات خبيثة وعمليات مخابراتية تسعى أميركا من خلالها إلى التضييق على المقاومة وحسر دورها وتأثيرها وزرع الفتنة بين أجنحتها وفصائلها.

رابعاً: بتخطيط مخابراتي أميركي واضح وبتنفيذ من مجاميع من العصابات تقوم بعمليات باسم المقاومة ضد المدنيين وخطف الرهائن مقابل مبالغ مالية كبيرة، وكذلك الدفع باتجاه إحداث الفتنة الطائفية بين العراقيين فيما بينهم وهناك أدلة وشواهد نشرتها وسائل الإعلام عن قيام قوات الاحتلال بهذا الدور.

خامساً: سيطرت قوات الاحتلال على وسائل الأعلام العراقية والعربية والعالمية والتأثير عليها بعدم الترويج لأخبار المقاومة وإبراز دورها الحقيقي وحجب الإعلان عن عملياتها المؤثرة ضد قوات الاحتلال.

إن وضع المقاومة العراقية الباسلة لن ينتهي أو يضمحل رغم كل الجهد المضاد لها لأن معطيات الواقع والأرض والتاريخ تؤكد على أهم الحقائق ومنها:

أولاً: أن المقاومة العراقية وفي ضوء بياناتها ومواقفها المعلنة تعي هذا الدور لقوات الاحتلال ولكن يبقى هذا الوعي وكيفية التعامل معه والرد عليه غير دقيق التقدير لأن للمقاومة فصائل متعددة غير خاضعة لقيادة واحدة ويمكن أن يتأثر فصيل أو جناح منها بذلك ويؤسس قاعدة جديدة للبناء عليها من قبل قوات الاحتلال تجاه المقاومة مرحلياً ولكن لا يكتب لها النجاح مستقبلاً.

ثانياً: إن إدارة الزخم الشعبي لتأيد المقاومة باتساع مستمر يوماً بعد يوم إضافة إلى اتساع القناعات والثقة لدورها ومصداقيتها وقوتها المتزايدة.

ثالثاً: تأكد لدى الشارع العراقي مفهوما مفاده أن قوات الاحتلال تتمتع بصفتي الغباء والجبن وهذا لمسه العراقيون بعد الأيام الأولى للمقاومة. ما دفع من قدرة الفرد العراقي الذاتية للأمام وأعاد الثقة بنفسه التي فقدها بالأيام الأولى للاحتلال انعكس ذلك على المقاومة كمجاميع، ولذلك سيكتب للمقاومة الاتساع يوما بعد يوم باتجاه النجاح في عملياتها وإفشال المشروع الأميركي في العراق والمنطقة.

رابعاً: إن ممارسة الحكومة وقوات الاحتلال والمليشيات وبعض القوى السياسية وبعد مضي أكثر من خمس سنوات لم تقدم للشعب أي عمل يدفع به إلى الأمام في الجوانب الحياتية وغيرها، كل ذلك يدفع باتجاه رفض الشعب للاحتلال وحكومته العميلة والتمسك بخيار المقاومة كملاذ للإنقاذ.

خامساً: إن قوات الاحتلال تتمتع بقوة وإمكانات كبيرة قياساً لإمكانات المقاومة لكن المقاومة تتمتع بقوة الإرادة والاستمرار والمطاولة ولا تمتلك أميركا وحلفائها ذلك.

سادساً: إن المقاومة حالها حال أي مقاومة في العالم عندما يحتل البلد، وتجارب الشعوب شاهد حي على ذلك فلذلك لا يمكن للمقاومة العراقية أن تنتهي ما دام الاحتلال موجود، وهذه حقيقة تاريخية.

سابعاً: وضعت المقاومة في إستراتيجيتها المعلنة أيضا بالإضافة إلى مقاومة ومحاربة المحتل ضرب أي عملاء للمحتل بشكل عام وهذا بالتأكيد سيؤثر على وجود المحتل لأن استمرار وجوده هو نتيجة لوجود عملاء وحلفاء له بالداخل وكلما تحجم دور هؤلاء العملاء والمتعاونون معه يحجم دوره وينحسر.