العدد الواحد والثلاثون - آذار

كريستيان جامبيه: المسيحية صالحت ما بين الله والتاريخ

الإسلام لم يتمكن من القيام بذلك لأسباب بنيوية
الجمعة 14 آذار (مارس) 2008.
 

هذا الحوار الذي أجريناه مع المستشرق الفرنسي كريستيان جامبيه في مكتبه بباريس تطرق في العمق إلى أبرز القضايا الفلسفية واللاهوتية والعرفانية التي شكلت رؤية أستاذه الكبير هنري كوربان. ومع أن جامبيه حاول في هذه الحوارية والمكثفة والمقتضبة أن يجعل من كوربان ظاهرة استشراقية وحسب، فإن أعمال المفكر الفرنسي التي لا تزال موضع جدل إلى الآن، تقضي إلى تجاوز مثل هذه النظرة.

وفيما يلي نص الحوار:

كونك متحدر من خط ثقافي وروحاني يبدأ بالفكر الصوفي الكبير لويس ماسينيون، ويمتد مع المفكر العرفاني هنري كوربان. هل تعتبر أن من صدف التاريخ أن يكون هنري كوربان قد توفي في سنة انتصار التيار الفقهي لولاية الفقيه المتجسد بالإمام الخميني، على التيار التقليدي المنسحب سياسياً لدى الشيعة؟ وبالتالي هل تعتقد إن هذا يدخل في حتمية تاريخية قوامها أن العرفان والروحانية ينكفئان في النهاية لصالح الكائن السياسي؟

لقد نأى هنرى كوربان دائماً عن المسائل السياسية، وعالج الجوانب الفلسفية والروحية للإسلام الإيراني، سواء كان سنياً أم شيعياً. مما يسمح لنا بالاعتقاد بأنه يحكم على الأحداث المعاصرة كما كان يفعل دائماً بالنسبة للأحداث الزمنية والتاريخية: إذ كان يعتبرها تراجعاً للأحداث الوحيدة ذات الأهمية ينظره دون سواها ألا وهي أحداث الروح.

كيف تنظر إلى الجدل الفكري والفقهي في إيران الحالية؟

خصوصاً حول العلاقة بين الروحاني والسياسي هناك، وحول موقع الروحانية والماورائيات في علاقة الذات الآخر؟ وما هو مآل هذا الجدل؟

لا أعلم ما هو موقع هذا الجدل الآن، ولا ما هو مدى احتدامه. فمن المحتمل ومن المعقول أن يطمح عدد من العلماء الشيعة لإمكانية العودة إلى الحقيقة المثالية للعرفان، وللمعرفة الروحية، كما تم التعبير عنها في مؤلفات الإسلامية. غير أن السلطة تعود في الواقع إلى عالم الشرع وليس إلى الفيلسوف، على الأقل من حيث المبدأ طالما أن الفقهاء أنفسهم لم يعودوا كما يظهر يمارسون سلطة بلا منازع. وما دامت انطلاقة الإسلام السياسي ستستمر، فمن العبث تصور أي تأثير محسوس للإسلام الروحاني. هذا لا يمنع من محاولة القيام بكل شيء للدفاع عن فكرة أن الإسلام يعبر وعلى أرفع المستويات عن فضائل الحضارة والدين المنبثقين من الروحي المحمدي.

هل المفكر هنري كوربان، أخذ وبحسب رأيكم، من مذهب الشيعة الإمامية أساساً لفهم الإسلام، ومن الجغرافيا الدينية الإيرانية مكاناً ينطلق منه للوصول إلى غاياته المعرفية؟

الأمر ليس هكذا. إن نقطة الانطلاق لعمله كونه مستشرقاً كانت دراساته ومنشوراته عن فيلسوف سني هو السهر وردي. وإن أحد أهم كتبه تناول مفكراً سنياً عظيماً هو محيي الدين ابن عربي. فمؤلفاته حول الصوفية السنية ضخمة جداً: إنه مترجم وناشر لعمل شيراز روزبهان وقد درس الصوفية السنية الإيرانية، أما في الدائرة الشيعية فقد درس كوربان الإسماعيلية كما درس الشيعية الاثني عشرية على السواء.

هل استطاع الفيلسوف والعالم الديني الإيراني الطباطبائي التأثير على كوربان؟ وكيف تقرأون أنتم آثار هذا التأثير في إدراكه هو للطبقات المعرفية العميقة للعرفان الشيعي؟

لا أعتقد أنه بإمكاننا أن نتكلم عن تأثير بل عن صداقة و تقدير متبادل. هنري كوربان استفاد كثيراً من المساعدة اللازمة التي قدمها له العلماء الشيعة الذين قابلهم والتقى بهم بصورة منتظمة. ولكن الفضل في منحى رؤيته ومنظوره الخاصين به لا يعود إلا إلى تكوينه الفكري التيولوجي (الفقهي) والفلسفي.

كيف قرأتم رحلة الفيلسوف كوربان في أبحاثه حول الإمام الثاني عشر عند الشيعة، أي المهدي المنتظر، وما صلات الفهم المشتركة بين فلسفة المخلص يسوع الذي سيخرج في آخر الزمان حسب الإيمان المسيحي والمهدي المنتظر صاحب الزمان في الاعتقاد الإسلامي الشيعي؟

انه لسؤال واسع جداً! فمن المفروض بناء ترسيمات مشتركة بين التبشيرية بعودة المنتظر سواء عند الشيعة الاثني عشرية أو المسيحية، ولكن أيضاً لا بد من إظهار كيف أن العقيدة الشيعة وفي نوع من الحنين وضعت أساساً معرفياً وعقائدياً إلى حدث عودة المنتظر حيث نشرت عقيدة أخروية ونوعاً من مسيحانية خاصتين بها. وقد يكون من المفروض الخوض في سؤال أولى حول الزمانية والعلاقة بالتاريخ. إن المسيحية قد صالحت ما بين الله والتاريخ. ولكن الإسلام لم يتمكن من القيام بذلك لأسباب بنيوية. من هنا فإن دورات التوسع التاريخي تلتها حقبات من الاحتجاب ومن ثم الحماس المنتشي. فالسوداوية تكشف عن المعنى التراجيدي للوجود، والذي هو حقيقة اللحظة الإسلامية للروح.

يبدو لنا أن كوربان أدخل الظواهرية على منهجه في قراءته للنص المعصوم والإمام المعصوم، فإلى أي مدى استطاع أن ينجح بذلك، وخصوصاً أن الظواهرية تستعمل كعدة شغل فلسفية للقضاء الغربي بشقيه الهيغلي والمسيحي؟

إن المنهج الظواهري عند كوربان أريد له أن يكون مجرد أداة للضيافة الروحية: أي أن النظر بعيون الذين يرون ما يرونه، يعني عدم قتل الظاهرة المدروسة، بل الإفساح في المجال لحضورها أن يتجلى في حياتها الأصلية.

إن المنهج الظواهري يسمح بتجنب أي شكل من الإسقاط لطروحات ثقافية غربية على ظواهر بعيدة عنها.

 

 

كادر

سيرة ذاتية:

كريستيان جامبيه: Christian Jambet

ولد المفكر كريستيان جامبيه في مدينة الجزائر عام 1949، وقد بنى منذ طفولته علاقة خاصة مع اللغة العربية. فهو لم يتلقنها في الجزائر التي غادرها أثناء حرب الاستقلال الوطني، بل على يد راهب من بلاده، كان تلميذ المستشرق الفرنسي الكبير هنري كوربان في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس. وهو يجيد فضلاً عن لغته الأصلية الفرنسية اللغة العربية واللغات الإنكليزية والألمانية والفارسية واللاتينية واليونانية القديمة.

كان جامبيه في سبعينات القرن الماضي وراء ما يعرف بالفلسفة الجديدة. وقد تأثر به أحد الفلاسفة الجدد وهو برنارد هنري ليفي. إلا أن الحدث الحاسم في مساره الفكري كان حصل سابقاً، وذلك حين التقى هنري كوربان عام 1971، وقرأ كتابه الإسلام الإيراني. ومن مصادفات التاريخ أنه وفي عشية أول ثورة إسلامية في عصرنا الحديث أن هنري كوربان قد اصطحبه معه إلى إيران عام 1977.

انصبّ اهتمام جامبيه على الإسلام والعقيدة الشيعية بنوع خاص. ليس بالضرورة كمؤمن بها كمفكر وباحث. وهكذا أصبح من أهم الاختصاصيين الفرنسيين في هذا المذهب. فتعلم الفارسية، وتابع في الوقت نفسه تعليم الفلسفة وإلقاء المحاضرات في قسم العلوم الدينية في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا في باريس. وبدع أن سبر غور الفلسفة اليونانية وعلى الأخص الميتافيزيق الأفلاطوني، تعمّق في أشكال الحرية في العقيدة الشيعية ومن ثم في أعمال الحكيم الإلهي الكبير الملا صدرا حيث كتب فلسفة الوحي.

كريستيان جامبيه هو حالياً بروفسور الفلسفة، وأستاذ الدين الإسلامي في مدرسة باريس العليا للتجارة وأستاذ الفلسفة الإسلامية في معهد الدراسات الإيرانية (جامعة باريس 3 ـ السوربون). ويدير في باريس أيضاً مجموعة الإسلام الروحي لمنشورات فيردييه.

 

حاوره محمد عماد الدين نعمة

تعريب جورجيت حداد

تنشر تحولات هذه المقابلة بالتعاون مع مجلة مدارات غربية