العدد الواحد والثلاثون - آذار

مناقشة كتاب منى سكريـة عن فكر وتجربة السيد محمد حسين فضل الله

سليمان تقي الدين
الجمعة 14 آذار (مارس) 2008.
 

نظم النادي الثقافي العربي ندوة فكرية، في مركز النادي - الحمرا ، جرى خلالها مناقشة كتاب عن سنوات ومواقف وشخصيات هكذا تحدث .... هكذا قال محمد حسين فضل الله للباحثة والإعلامية منى سكرية .

شارك في الندوة الباحث سليمان تقي الدين والصحافي جورج ناصيف ،في حضور النائب إسماعيل سكرية وشخصيات أدبية وفكرية وقضائية وإعلامية .

هنا نص كلمة الباحث سليمان تقي الدين .

يعود اهتمامي بالفكر السياسي الإسلامي الى أواخر سبعينات ومطلع ثمانينات القرن الماضي. وهو يرتبط دون أدنى شك بظهور الثورة الإسلامية في إيران وصعود حركات الإسلام السياسي في العديد من الدول. وأول مساهمة فكرية كتبتها كانت الراهنية في فكر الامير شكيب ارسلان السياسي، وهي دراسة كنت ولا أزال أعتبرها مهمة تطرح إشكالية الصحوة الإسلامية في مواجهة التحديات الإمبريالية التي هي شئنا أم أبينا، كانت ومازالت تطرح مسألة العلاقة بين الشرق والغرب.

ومن موقعي الماركسي المنفتح، إنطلقت من ركيزة أساسية تتعلق بالظروف التاريخية التي أملت على لينين بعد الثورة الروسية أن يعدل الشعار الماركسي القائل: ياعمال العالم ، مضيفا اليه ويا شعوبه المضطهدة اتحدوا. كان ذلك استجابة لتشخيص لينين بأن الإمبريالية هـي أعلى مراحـل الرأسمالية. وإن صراع حركات التحرر الوطني والشعوب المضطهدة مع الرأسمالية العالمية له شروطه وخصائصه.

وقد بادر لينين الى عقد مؤتمر شعوب الشرق في باكو عام 1920 ليطرح قضية مقاومة الإمبريالية والدور الذي تضطلع به الثقافة الإسلامية في ذلك.

ومن المعروف أن الثورة البلشفية هي من فضح الإتفاقات الإستعمارية لتقسيم تركيا والتآمر على القضية العربية. كتب لينين سلسلة مقالات عن الثقافة الثورية وأبرز ما فيها وصفه لأوروبا بـ المتخلفة لأنها استعمارية، ولآسيا بأنها متقدمة لأنها تكافح في سبيل التحرر والإستقلال والتقدم.

لكنني ميزت منذ اللحظة الأولى بين موقفي من الفكر الإسلامي، وبين الفعل السياسي للجماهير لتي إنطلقت لتواجه الإستعمار الجديد بوعي وثقافة إسلاميين. ومازلت أذكر مطلع قصيدة لأدونيس تعكس المناخ أو المزاج الشعبي في مواجهة الغطرسة الأميركية وهو وجهك يا غرب مات، الوجه الذي يموت في الغرب هو الوجه الليبرالي والإنساني، لانه لا يصدّر لنا إلاّ الوجه القامع للحرية ووجه السيطرة والإستغلال.

ولقد تكونت لدي قناعة بأنه إزاء سيطرة الثقافة الإسلامية على وعي شعوبنا بصفتها مكونا أساسيا للهوية التي تتعرض للإعتداء الإستعماري، فلا بدّ من العمل على تطوير هذه الثقافة لتصبح ثقافة معاصرة.

إن تجاهل هذه الثقافة كما حصل مع العلمانيين العرب، هو خطأ إستراتيجي ساهم في فشل النهضة، وساهم في فشل المواجهة مع المشروع الإستعماري بأشكاله المختلفة.

ولكي لا نطيل الحديث في هذا المسار، من تكوّن الوعي بأهمية الفكر السياسي الإسلامي، نقول تابعنا أفكار المجدّدين وفي طليعتهم أفكار السيد محمد حسين فضل الله. وشاركت في حوارات معه ومع فكره في غير مناسبة. ثم إزداد إهتمامي، إنطلاقا من مشكلتنا الوطنية اللبنانية وأهمية الحوار بين الثقافات والأديان، وهو صاحب كتاب في آفاق الحوار الإسلامي المسيحي وله مساهمات مهمة في تصور صيغة العيش المشترك بين اللبنانيين.

المهم هنا أن جهد هذا المفكر الإسلامي يأتي في السياق التاريخي لدور الإمام موسى الصدر والإمام محمد مهدي شمس الدين. ولست هنا لأقيم المفاضلة بين الأفكار والرجالات، بل لأؤكد على أهمية التجديد في الفكر الإسلامي.

من هذه الزوايا والمنطلقات تابعت بإهتمام جهود الصديقة الآنسة منى سكرية في حواراتها مع سماحة السيد فضل الله.

تبدو أهمية الكتاب الذي أعدته الآنسة منى أنه حوار حقيقي نجحت في الإرتقاء به من الأسئلة الباردة التسجيلية للمواقف والآراء ، إلى طرح الإشكالات. صحيح أن الآنسة منى لا تنطلق من موقع آخر فكري أو سياسي، لكنها على الأقل إستطاعت أن تعبّر بدقة عن هواجس وهموم الآخرين، وهي بصورة أساسية طرحت قائمة طويلة من الإنتقادات على ظاهرة الصحوة الإسلامية بما هي حركات سياسية، وعلى الفكر الإسلامي بصورة عامة.

لقد سألت أين هم المسلمون من سلوكيات الجماعات السياسية التي تتبنى الإسلام شعارا سياسيا؟ ، وسألت ما هو الموقف الإسلامي أو الجواب الفقهي على مسائل لا جدال في وجودها في النص القرآني نفسه؟ وكيف يمكن لهذا النص أن يستجيب للتحديات المعاصرة؟ (مثلا الذمية والجزية، وكذلك فكرة الدولة الإسلامية بوجه أعم). فهي إذا لم تسأل أسئلة باردة ومحايدة، بل إقتحمت دوائر الغموض واللغط وتقدمت الى المناطق الحساسة والخطرة ، بما في ذلك المتعلق منها بالمحظورات الدينية أو تلك التي جعلتها ثقافة المسلمين والمجتهدين والفقهاء محظورات وهي ليست كذلك.

ولعلها، تابعت بدقة إجتهادات السيد في المسائل المتعلقة بالمرأة والأسرة والحياة الجنسية وفي بعض المسائل الطقوسية، أو أشكال العبادات والحجاب، ومسألة العلم والدين ومدى الملاءمة والتناقض. وإذا كنا نحن ممن يطلب المزيد دائما من إنفتاح الفكر الديني على القضايا المعاصرة، فإننا لا بد أن نسجل للسيد فضيلة الإجتهاد والسعي في هذا الإتجاه مهما إختلفت آراؤنا عن آرائه. لكنني أؤكد أنه تعامل بإعجاب ورفق مع ظاهرة التجديد الإسلامي منذ جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وأشار اليهما تكرارا، موحيا بضرورة المتابعة على نهجهما. ولا يمكن لمثلي أن يتصدّى لعلم السيد الفقهي ولست ممن يتوهمون. فأنا أراقبه اذا صح هذا التعبير من خارج مملكته على هذا الصعيد. لكن حين يتقدم السيد الى القضايا السياسية المعاصرة فهو هنا يأتي الى المساحات المشتركة التي من حق جميع الناس أن يدلوا بدلوهم فيها عن الصالح المشترك. بل إن هذا الفكر يزداد أهمية لأنه يعبّر عن القوى المادية البشرية الكبيرة التي تتولى الآن المواجهة مع ما يسمونه الإستكبار العالمي.

نعود هنا إلى منى التي حملت تلك الأسئلة عن عالم ما بعد 11 أيلول ، عن حوار الحضارات أم صدامها، عن مكافحة الإرهاب والإصلاح والدمقرطة.

نعود إلى سؤال العنف هل هو إسلامي بطبيعته أم هو مظهر سياسي لعلاقة الإستتباع والشعور بالإنكسار. نعود الى فكرة العصبية الدينية والأفكار التاريخية الموروثة التي عطّلت فعل الجدل في الإسلام ، بل الحوار في الإسلام. وهل الإسلام دين تبشير أم دين حوار. الى علماء المسلمين ومدى علمهم وما هي ذهنياتهم. الى مدى التواصل بين العلوم الإسلامية والعلوم الوضعية. الى مدى قبول الآخر في الإسلام ومسألة الكفر والتكفيريين. والى العقل وموقعه ودوره، والى شرعية الشك والى حدود الحرية العقلية والتصرفية والى موضوع الدولة والنظام، نظام الخلافة والإمامة وولاية الفقيه والى الشورى والديموقراطية. والى استمداد القرار من الشرع وتكوينه بإرادة الجمهور. والى الإعتراف بقانون السببية العلمي والقضاء والقدر. والى الموقف من مسائل القومية والفلسفة والأصالة وعلاقة الدين بالسياسة.

خلاصة القول، أن منى نجحت في تقديم حوار ممتع وغني وعميق، وأنها بذلك إستخرجت من السيد أفكارا نقدية، أبرزها تلك التي تناولت حركات الإسلام السياسي جميعها، بما في ذلك تجربتي الثورة الإيرانية وحزب الله وتركيا وغير ذلك.

لقد أكملت منى عرض خلاصات الأفكار مع سيرة ذاتية للسيد، فهذا الكتاب مرجع مهم عن مرجعية لها تأثيرها الكبير في الساحة الإسلامية.