العدد الواحد والثلاثون - آذار

السيد محمد حسين رئيس زاده... لتحولات الحوار بين الحضارات هو مبدأ قرآني

حوار: رمزي أبو خليل
الجمعة 14 آذار (مارس) 2008.
 

تسع وعشرون سنة مرت على الثورة الإسلامية الإيرانية، لكن الأسئلة لا تزال تدور مدارها بقوة. حتى أن كثيرين من الخبراء والاستراتيجيين والمفكرين يحرصون على استعادة التساؤلات الأولى التي سبق وطرحوها على أنفسهم، ولاسيما لجهة ما إذا كانت الجمهورية قادرة على الاستمرار في المسار الذي وضعه الإمام الخميني. لعل أبرز هذه الأسئلة وأكثرها راهنية هي تلك المتعلقة بمدى جاهزية إيران اليوم على التلاؤم مع العصر، وبالتالي في قدرتها على مواجهة تحديات الداخل والخارج في إطار التواصل بين مبادئ الثورة وضرورات بناء المجتمع والدولة.

هذه التساؤلات حملناها إلى المستشار الثقافي الإيراني في لبنان سماحة السيد محمد حسين رئيس زاده، وكان لنا معه هذا الحوار...

* سماحة المستشار، كيف تقدم لنا بإيجاز صورة إيران اليوم بعد مرور تسعة وعشرين عاماً على انتصار الثورة الإسلامية؟

ـ لا بد في البداية من استعادة البديهيات. فالمعروف أن إيران قبل الثورة كانت بلداً تابعاً لأميركا والغرب في كل شيء. في السياسة والاقتصاد والأمن، بل وفي كل القضايا المصيرية المتعلقة بنظام القيم. لقد أراد الشاه وحكمه الديكتاتوري أن يمحو هوية الشعب الإيراني المسلم، سواء في جانبها الديني أو في الجانب الأخلاقي والثقافي والوطني.

بل أكثر من ذلك وأخطر، فقد ذهب النظام الشاهنشاهي إلى حد جعل إيران أداة طيعة بيد الولايات المتحدة، وشرطياً يدافع عن مصالحها في المنطقة بالتحالف مع الكيان الصهيوني.

جاءت الثورة الإسلامية المباركة لكي تقلب الموازين وتغيّر وجه إيران ودورها ومسارها. وذلك ما أراده الإمام القائد الخميني، حيث رسم للأمة خطاً جديداً استطاع معه شعب إيران المسلم من التحرر من ظلم الديكتاتورية، واتخاذ قراراته بنفسه واستعادة هويته وكرامته الوطنية.

منذ اليوم الأول للثورة بدأنا في عملية البناء المستقل للبلاد والعمل على شق مسار الاستقلال الوطني والحرية. ولما تبيّن للاستكبار العالمي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية أن إيران بقيادة الإمام الخميني باتت قوة محورية ومتحررة من التبعية بدأ الهجوم المعادي من كل جانب. من الحصار الاقتصادي وتجميد الأموال، إلى تدبير المؤامرات للقضاء على الثورة من الداخل، ناهيك عن الحرب المفروضة التي شنها الاستكبار العالمي عبر النظام العراقي على مدى ثماني سنوات متواصلة، والتي كان لها آثار مدمرة على مجتمعنا واقتصادنا ودماء شعبنا.

لكن المهم رغم كل ذلك، أن الثورة استطاعت تجاوز هذه الضغوط والمؤامرات، لتستأنف عملية التقدم والتطور في كل مجالات الحياة وخصوصاً المجالات الثقافية والاقتصادية والعلمية وفي مقدمها التطور في المجال النووي السلمي وإطلاق الصاروخ الفضائي الذي سيكون مقدمة لسائر المنجزات الفضائية.

وها هي إيران اليوم، أمة مقتدرة، وقوية وتأخذ مكانها المشرّف واللائق داخل الخريطة الدولية والإقليمية.

* لكن إلى أي مدى تمكنّت القيادة الإيرانية من إقامة التوازن بين مبادئ الثورة التي وضعها الإمام الخميني، وضرورات بناء الدولة والمجتمع والمؤسسات؟

ـ الهدف الرئيسي للإمام هو بناء المجتمع الإسلامي. أي المجتمع الذي تحكمه قوانين العدل الإلهي التي جاءت بها الشريعة السمحاء. وهذا هدف يتطلب بطبيعة الحال مسيرة زمنية مديدة، ولا يمكن تحقيقه في وقت قصير. ذلك أن بناء دولة متقدمة ومجتمعاً مزدهراً على أساس أحكام الإسلام المحمدي الأصيل يستلزم الجهاد والصبر والعمل الدؤوب وتحمل المصاعب والضغوط وكل أشكال الحصار. وهذا هو الذي حصل بالفعل منذ فجر الثورة وحتى اليوم. ونستطيع القول تبعاً للمسار الذي بدأ قبل تسعة وعشرين عاماً، إن الثورة في إيران شكلت استعادة للأهداف العليا لشعبنا في ضوء الإسلام. وذلك ما بدأه الإمام الخميني ويستكمله من بعده الإمام الخامنئي.

أما ما يتعلق بما ذكرته في سؤالك حول التوازن بين المبادئ والمصالح الوطنية فأستطيع القول إن الدستور الإيراني كان أساسياً وحاسماً في إقامة التوازن بين الثورة والدولة. والذين شهدوا النقاش المعمّق في إيران قبل ظهور الصياغة النهائية للدستور، أدركوا حقيقة وأهمية هذه النقطة المحورية. ولقد كانت توجيهات الإمام الخميني بضرورة وضع دستور خلاّق للجمهورية الإسلامية الإيرانية واضحة وحاسمة. وهي أن يكون للشعب الدور المركزي. وقد كانت الخطوات التي اتخذت هي التالية:

1 ـ لا بد من تدوين الدستور والتصويت عليه.

2 ـ أن يكون للشعب قراره في تحديد مصيره وتوجهاته.

3 ـ المراحل الحاسمة والمصيرية التي تواجهها الأمة تقررها الإرادة الشعبية.

4 ـ الشعب ينتخب القائد، ورئيس الجمهورية، ومجالس البلديات.

على هذه الأسس تمكن الشعب الإيراني على امتداد السنوات التسع والعشرين الماضية من بناء دولته ومجتمعه، وقد نجح في تفعيل النقاش حول الديموقراطية الدينية كعلامة فارقة ومميزة للجمهورية الإسلامية في إيران.

* منذ اليوم الأول لسقوط الشاه وإيران تتعرض لحملات وحروب شتى. ويحضرنا هنا على وجه الخصوص الحرب الثقافية التي يشنها الغرب عليكم سواء عبر الإعلام الموجّه إلى الداخل، أو من خلال المحطات الفضائية العالمية.. باختصار، كيف تواجهون عمليات الغزو الثقافي الساعية إلى تشويه صورة إيران عبر العالم؟

ـ كما قلتم، نحن نواجه فعلاً مؤامرات وحملات عديدة ومتنوعة. ولأن ثورتنا هي ثورة ثقافية ذات تطلعات حضارية مستقبلية، فقد حظيت بهذا النصيب الوافر من التحديات. وبهذا المعنى فهي ثورة ثقافية من قبل أن تكون ثورة سياسية على النحو الذي عرفناه في الثورات الشعبية والوطنية ضد الاستعمار في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.

للإمام الخميني أطروحة مهمة حيال الكفاح ضد الاستعمار وأشكاله. فقد حدد الإمام أربعة أشكال للاستعمار: السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي. وقال: إن أخطر هذه الأشكال هي الاستعمار الثقافي حيث يختصر كل الأشكال الاستعمارية جميعاً. ذلك أن الاستعمار الثقافي هو الذي يؤسس لكل أشكال الهيمنة. من هذا المنطلق كان التركيز باستمرار على ضرورة تفعيل السلاح الثقافي للثورة لأنه يشكل خط الدفاع الأول والأخير عن الثورة ومنجزاتها في كل الميادين العلمية والاقتصادية والعسكرية وسواها. ولأننا اعتمدنا ذلك طيلة العقود الثلاثة الماضية استطعنا إفشال كل أنواع الثورات المضادة من محاولات العبث بالداخل إلى الحرب المفروضة إلى الحصار الاقتصادي المتواصل. إننا عندما نقرأ بعمق مسيرة نجاحاتنا سوف نصل إلى النتيجة التالية:

ـ استطاع الشعب الإيراني تجاوز آثار الحرب المفروضة على امتداد ثماني سنوات.

ـ النجاح في تجاوز الحصار الاقتصادي واحتواء آثاره وبالتالي تحقيق التنمية.

ـ الاقتصادية وخصوصاً التنمية الزراعية.

ـ تحقيق الاكتفاء الذاتي على كل الأصعدة وخصوصاً في عمليات الإنتاج والصناعات العسكرية.

* نصل هنا إلى نقطة مهمة. إيران اليوم هي إحدى أهم محاور التأثير في النظام الإقليمي والدولي. وبهذا المعنى تبدو كدولة عالمية لا يمكن تغييب تأثيراتها. كيف يظهر ذلك برأيكم في مجال التأسيس الحضاري في بدايات القرن الواحد والعشرين؟

ـ عطفاً على جوابنا السابق، أريد التأكيد مرة أخرى على أن العملية الثقافية أساسية في توليد عناصر القوة والاقتدار للثورة والدولة والمجتمع في إيران. لقد أشار الإمام القائد الخامنئي إلى أن الثورة فقدت الكثير من قيادييها الكبار، ومع ذلك وبسبب من الروح الثقافية للثورة الإسلامية، تمكنت من إعادة توليد أجيال جديدة و شابة، لحمل راية الاستمرار والبناء والمواجهة.

في ما يتعلق بالبعد الحضاري للثورة يمكنني القول هنا، إن بناء حضارة وطنية لم تعد عملية ممكنة بمعزل عما يحدث من تطورات حضارية في العالم كله. في القديم كان هذا الأمر ممكناً، أما اليوم ففي نظام العولمة والتواصل فإن ذلك يبدو مستحيلاً.

لقد قامت ثورتنا الإسلامية على مخاطبة كل الناس. وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تشير إلى البعد الكوني الإنساني لكل عمل رسالي. ومنذ البداية أعلن الإمام الخميني أن لنا رأياً حيال النظام الدولي. ولكن علينا ألا ننعزل عنه، بل أن نتفاعل معه من موقع الاقتدار والكرامة والاستقلال. وبناء على هذه القاعدة التي أرساها الإمام ظهرت الصورة واضحة في النتائج الباهرة ولاسيما لجهة ازدياد مستوى التطور الحضاري في بلادنا، والحفاظ على منجزات شعبنا والمشاركة في كافة المجالات الحضارية العالمية.

* في زحمة الكلام حول صراع أو حوار الحضارات، أي طريق يختاره الإيرانيون في ظل هذه الثنائية الصعبة، علماً أن الرئيس السابق محمد خاتمي، كان سَبَقَ له أن طرح شعار حوار الحضارات من دون أن يلقى ذلك استجابة حقيقية من الحكومات والمجتمعات في الغرب؟

ـ نحن لا نؤمن بصدام الحضارات، ولو أننا ننظر إليها كحقيقة تاريخية. فالحروب والحملات التي تشنها أميركا ومعها بعض دول الغرب على العالم الإسلامي ليست بعيدة من هذا المسار. إننا نؤمن بضرورة حوار الحضارات لتتكامل أواصر العلاقة الصحيحة بين الأمم. لكن لا بد من الاحتفاظ بهويتنا الحضارية الإسلامية كعامل قوة وخصوصية في الصراع القائم على النفوذ والهيمنة التي تمارسها أميركا في ظل العولمة.

إن مبدأ الحوار والتفاعل الايجابي مع الشعوب والأمم والحضارات المختلفة هو مبدأ إلهي وقرآني بالنسبة إلينا. والقرآن الكريم يعلمنا هذا المبدأ ويدعونا إلى التمسك به انطلاقاًَ من الحوار بين الإسلام والأديان السماوية الوحيانية قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله. إذن قضية حوار الأديان وحوار الحضارات الإنسانية هي قضية مركزية في حياتنا الدينية والاجتماعية والثقافية.

* هناك كلام متضارب حول مقولة الديموقراطية الدينية في إيران، ما هو تعريفكم لهذه المقولة؟

ـ قلنا في بداية هذا الحوار، إن الدور الأساسي والرئيسي في رسم توجهات الدولة هو الشعب. وما دام الشعب قرر التصويت بالإجماع على الدستور الإسلامي الجمهوري، فقد بات هناك ما يمكن اعتباره تلازماً وتكاملاً بين إدارة الشعب ومقاصد الشريعة. وبهذا المعنى تكون الدولة أداة في خدمة الله والشعب. وبالنسبة إلينا فقد التزمت الحكومات المتعاقبة منذ الثورة إلى اليوم في تأدية هذه المهمة المركبة. وهذا يؤكد تواصل المعادلة التي وضعها الإمام الخميني عندما رأى أن الجمهورية الإسلامية هي تكامل بين الإرادة الشعبية والشريعة الإسلامية.

مع ذلك يمكن القول إن للديموقراطية أطرها الخاصة. فالديموقراطية في الغرب إطارها الرأسمالية الليبرالية، وفي المجتمعات الإسلامية لابد أن يكون إطار الديموقراطية مبنياً على التراث الديني الإسلامي. ولو أخذنا التجربة الإيرانية لتبيّن لنا إلى أي مدى عكست عمليات تداول السلطة، وحيوية المؤسسات من تحقيق الديموقراطية بمعناها ومضمونها الدينيين.

أجرى الحوار: رمزي أبو خليل