العدد الواحد والثلاثون - آذار

إعادة الإعتبار للضرورات كونها حتميات

نعيم تلحوق
السبت 15 آذار (مارس) 2008.
 

اعدم صدّام حسين، وسقط الديكتاتور..فهل نجح العراقيون في تثبيت قول آية الله السيستاني: صداّم حسين كان طاغية لكنه لم يكن طائفياً؟

بعد مرور خمس سنوات على إحتلال العراق أثبت العراقيون أن عراقهم ما إنتهى كما يظن الأميركيون ورعاة الغرب والرعايا العربان المستعربين، وأن الشعوب العربية التي ضللتها الأنظمة ترفض الإعتراف بأن إباحة دم العراق على السكين يعني الإقتتال العرقي والمذهبي والطائفي، إذ أن ذلك سيكون الأداة السهلة حتماً لغلاة المتطفلين على الشعوب واللغات الذين لا يعرفونها وبالتالي يستطيعون أن يملكوا حق مصيرها..؟!

راهنّا على أن العراق لا يستبدل ديكتاتوره بمحتلّيه، لا نعرف إذا كان صحيحاً..وجزمنا ، بأنه لا حياة لمغتصب مع شعوب مظلومة، وفلسطين كانت الدرس المطيع الذي لا يقبل الشك!! فلسطين قبل وبعد أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي..

الإله الأميركي ركّب أنبياء وولاة لخدمته في عالمنا العربي والإسلامي ومعظم دول العالم الثالث؛ ومَن لم يألف هذه الرواية عليه أن يكون تشي غيفارا الجبال والوديان السحيقة حتى يموت وحيداً في البراري والغابات..

وأميركا مع بوش وغيره هي نفسها، مذ نشأت، بحكم فلسفة القوة التي قامت عليها عبر مقولة إستعباد الآخرين وإسترقاقهم ثم سحقهم بالمطلق بعد تنفيذ المطلوب منهم، والعون دائماً يأتي من الإله يهوه وخاتم سليمان السحري، بغية إعادة بناء الهيكل.

والدرس الذي تعلمناه، يضعنا بالمطلق أمام حقيقة القرون الغابرة فيما خص هذا الإله المزعوم.

أهل الشقاق والنفاق كما أسماهم الحجاج بن يوسف لم يصدقوا الإله المزعوم بأنه محرّر العبيد من القيود والقهر والإذلال والسوط العربي، لأن ولاة العروبة الوهمية قد تمّ زرعهم عبر الإله الأعزل من الرأفة والرحمة وقضايا الشعوب المحّقة التائقة للحرية والكرامة، لا من قِبَل وعي شعوبهم وتطلعاتهم نحو الغد..

والإله الأعزل يطالبنا دائماً بالحرية والكرامة والسيادة كي يقبل بعبادتنا له..

وأنظمتنا تسعى كي تثبّت بكل ما أوتي لها من قوة بأنها خادمة مطيعة وعميلة محسوبة، وجاسوسة متقنة..إذا قبلت الولايات المتحدة بها أو إرتضت ذلك..لكنها لم ولن تقبل..

لماذا ؟ لأنها إقتنعت بإسرائيل أكثر من قناعتها بنا..

ولأنها أسرع، ونحن بطيئون آثرت أن تكون على مقربة من الذين يحفظون ودّ الزمن.. ونحن لسنا كذلك..

إسرائيل لا تحترم الإنسان لكنها تحترم الزمن..

العرب لا يحترمون الإنسان ولا يحترمون الزمن..

أميركا لا تحترم الإنسان ولا تحترم زمن الإنسان الآخر..

لهذا آثرت أميركا إسرائيل علينا..وفضّلت أن تقوم بجولتين ضمن رحلة واحدة..لأنها لا تحترم إلاّ زمنها..

جولة مع إسرائيل ولصالحها،

وجولة ضد العرب ومصالحهم..لصالحها قبل صالح إسرائيل..

بهذا يكون المتغيِّر والمتغيَّر هو نحن بالتأكيد، والضحية الأولى والأخيرة هي نحن..

وفرصتنا الذهبية أمام مقتضى الصدر وآية الله السيستاني أن يخطبا ودّ القضية، فيكيدان للإله، لا بأن يكونا ولاة له، بل دعاة وحدة، وصلاح، وثواراً نجباء متعانقين متضامنين مع كل عرق في العراق لتجسيد معنى الإنتماء الآتي لا الغائب، آخذين بعين الإعتبار أن لا مقدّس في هذا الكون الأرضي ما سوى الإنسان والأرض، فيَطيعان سلامة زمانهما الآتي بمقاومة المحتل عبر هذه الدلالة، بإعتبار نفسيهما وما يمثلانه من دلالة شعب وأرث أصحاب قضية بالدرجة الأولى، لا شيعييّن وسنييّن وأكراداً أو عرباً أو فُرساً.

والموعظة للأكراد قبل غيرهم من الأعراق..العراق قبل الأعراق..الوطن قبل الدين والمذهب والقبيلة والطائفة والعرق..العراق فوق الجميع.والإنتماء القومي قبل الكيانات الهزيلة المصطنعة..

هنا تعود أميركا لتبحث مرةً أخرى عن جدوى عدم إستفادتها من الشعوب العربية في العراق وغيره، بذلك، يتراجع الإله الأميركي ، عن الإعتقاد بأنه كان مجبراً أن يأخذ إسرائيل لصالحه عوض أن يكون مخيّراً في إلتزامه نحو مصالحه الإستراتيجية مع العرب.

الفلوجةالتي تحوّلت الى فلاليج تعيد حسابات أميركا وإسرائيل وكامل الولاة في الأنظمة العربية، وتأمل في تغيير منطق الحسابات الأميركية على أساس أن تكون بغداد والبصرة والنجف والناصرية كذلك، ويبقى الحرص الشعبي في المجتمعات العربية مؤكداً سلامة الفهم الحقيقي للمشكلة، فكربلاء صنعت كرهاً ضدّ المحتل ولم تحدث فتنة مذهبية بين السنّة والشيعة..

الفلوجة فلجت ظهر المحتل وأثلجت صدور الشعوب الحرة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية!!؟ والوعي الشعبي العربي أصبح قادراً على رفض ألاعيب الولاة، والسير في ركاب مًن يريدون صناعة دولة الإنسان الذي يحترم الزمن فيرفض الكلام الرخيص الذي يكبر مع العقول الصغيرة، ويصغر مع العقول الكبيرة..

وفي لبنان، أدرك الشعب مرارة الولاة الفاسدين، الذين يستبيحون في أوطانهم ويفعلون بشعوبهم أكثر ممّا تفعله أميركا بشعوبنا. وعليه فقد تأسّس فهم جديد للمشكلة راحت تظهر فداحة المشكلة وخطورة الوضع..

في لبنان الشعب تائق لفلوجة تعيد حسابات جميع أنظمتنا من الداخل وذلك مرهون بالوعي السياسي الإجتماعي لديه أكثر مما يعني الرعايا والمستفيدين والنفعيين...لا بد من فلوجة في وجه طاغوت المذهبية والطائفية المستفحلة علّ شعبا ينتبه قبل ان يموت .

من الضروري أن يفهم اللبنانيون كما السوريون أن الضرورات تعني الحتميات، وكم من ضرورة أصبح الشعب يتطلع إليها في ظل تحمل أعباء قضايا كل الحكام العرب المستعمَرين والمستعمِرين والساكتين عن تلبية حاجات شعوبهم وطموحاتهم...

من الضروري أن يتم التأسيس لذاكرة وطنية وقومية تعيد فهم الأحداث على قاعدة الإنتماء للوطن وإن يتمّ إحتضان هذه الحالات على أنها واحة لعقل الغد المشرق، فيبزغ تفكير جديد في التعاطي السياسي كي لا تكون هناك حسابات فلوجية على صعيد الداخل، وفلاليج ضرورية على صعيد الخارج. كل ذلك سيضيف معنى جديد آخر لحقيقة الصراع المأمول.

إذا كانت الفلوجة ستعيد حسابات الولايات المتحدة الأميركية، فإنها بالتأكيد ستنبّه جميع أنظمتنا في الداخل والخارج، كون الضرورات هي من الحتميات المطلقة...

ويبقى أننا، نحن واميركا على طرفيّ نقيض...حتماً ...