العدد الواحد والثلاثون - آذار

المطروف، المَدْرَسْ والباقوف حلو أو مر؟

العلم في استخراج زيت الزيتون في لبنان حث انتروبولي في التكنولوجيا الثقافية
السبت 15 آذار (مارس) 2008.
 

المطروف، المَدْرَس، الباقوف، ألفاظ تبدو غريبة على التداول والاستعمال عن لغة تخاطبنا وتعاملنا في عصرنا الحاضر، كيف ولماذا انتزعها الباحث من أرشيف الماضي واختارها عنوان ومضمون كتاب ـ دراسة ـ بحثية ووضعها في سوق تداول القرن الواحد والعشرون؟ لماذا العودة إلى مثل تلك الألفاظ واللغة البائدة التي قد تعيد إلى ذاكرة أبناء القرى الجبلية اللبنانية أياماً خوالي كانت فيها هذه الألفاظ تمثل أدوات ذات دلالات ومعانٍ عميقة تقرر مصير وحياة بشر؟.

شهدت العقود المنصرمة من القرن الماضي على ولادة عدد كبير من الأعمال التي تتحدث عن القرية والتراث وهي قد صورت إلى حدود بعيدة واقعها وحياتها، لكنها لم تكن جميعها ذات مستوى يليق بتسجيل وحفظ الواقع بمضمونه العميق في فهم حيثياته، ودار أغلبها الأعم حول قصص وخبريات وأشعار وطرائف وغيرها بقيت إلى حدود بعيدة على قشور المسائل، وهذا ما يجعل الكتب التي تصدر عن الموضوع شبيهة ببعضها البعض ولا تشد إليها العاملين بجدية، إلا أن هذا الكتاب يختلف أو ربما يمكننا القول انه سبق بجدية إلى موضوع محدد بدقة متناهية ونظرة عامة وشاملة إلى واقع مع كل تفاعلات تحولاته ودلالاته.

الكتاب وهو من إنجاز الدكتور في كلية العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، محب نادر شانه ساز، وهو بحث انتروبولوجيا في التكنولوجيا الثقافية، وفي حيل استخراج زيت الزيتون في لبنان، عبارة عن نشر وثائق حقلية بتفاصيلها توفر الخبر الداعم لما يقدمه عمل انتروبولوجي من تحليلات تنطلق من كيفية استخراج زيت الزيتون والذي يعتمد تقنيتين مختلفتين تمثلان دلالة طبقية ومكانة اجتماعية في استخدامهما، الأولى وتعرف بـالمطروف وهي تقنية كبار الملاكين والوجهاء من مشايخ وأمراء وأديرة...، تتوسل آلية مطاحن القمح المائية لتشغيل شفرتين من خشب ثم من حديد في جرن من حجر لتقشير الزيتون وتنعيم لبه دون تحطيم نواه أو سحقها.

وتكمن أهمية هذه التكنولوجيا في كونها تشبه فم الإنسان، فنحن عندما نأكل الزيتون نتجنب النواة أيضا، بسبب قساوتها ومرارة طعمها.. وهكذا يقول الدكتور محب إنه اكتشف خلال قيامه ببحثه، أنّ كل الآلات القديمة، المستخدمة لاستخراج زيت الزيتون، والتي يعود قدم بعضها إلى أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، لا تحطّم النواة. وهكذا فهي تحافظ على حلاوة طعم الزيت وعلى لونه الصافي، بهذه الطريقة يشبع الإنسان حاسة التذوق والبصر لديه. وكل تكنولوجيا استخراج الزيت، في ذلك الوقت، وفي هذه المنطقة وعلى الرغم من اختلافها، كانت تتجنب تحطيم نواة الزيتون. هذه الثقافة الواحدة، بحسب شانه ساز، هي دليل على تكيّف أهل المنطقة مع ما تعطيه أرضهم.

التقنية الثانية هي المَدْرَسْ الأكثر رواجاً في أرجاء حوض المتوسط منذ العالم القديم وتخص الطبقات العامة من الناس، وتتألف من الرحى العامودية التي تدار في جرن من حجر وتعتمد في دورانها على القوة العضلية (إنسان أو حيوان) وهي تسحق الزيتون بنواه.

أما الباقوف حيث تتم عبر كلتا الحالتين عملية الاعتصار إما بواسطة جهاز من خشب يعرف بالبرغي أو في موضع من خشب ثم من حجر أو معدن مجهز بمخل من خشب ومثقال من حجر.

استعمال هاتين الآلتين كان يسمح بالاستفادة من كل جزء من أجزاء ثمرة الزيتون بعد عصرها. فالنواة كانت تستعمل للتدفئة، والقشر يعاد عصره، والزيت الذي يستخرج منه يُستعمل في صناعة الصابون، من ثم يصبح ملكاً للمشاع ليستخدموه كوقود للنار. بقيت الناس تعمل بتقنية الدفع العضلي هذه حتى القرن الأول قبل الميلاد. بعدها ابتكر الناس في بلادنا ما يسميها شانه ساز بـالتقنية الثورية ألا وهي المطحنة المائية الصديقة للبيئة. وأتت هذه الخطوة في سياق تحرري من الدفع بالعضلات، الطريقة التي كانت سائدة لدى الرومان.

يقع الكتاب في 316 صفحة من القطع الكبير ويحتوي مئات الصور التوضيحية والخرائط والشروحات التفصيلية وعشرات المقابلات مع مزارعين وعمال عاصروا أو ما زالوا يعتمدون التقنيات التقليدية تلك من شمال لبنان إلى جنوبه مروراً بالجبل في مسح ميداني واستعراض لمواقع وأماكن استخراج الزيتون في عملية استحضار مضنية لمواقع الدارسة أو تكاد فيما تبقى من أبنيتها المهدمة (تحقيق حقلي لمدة 24 شهراً وزيارة 283 قرية واستطلاع 30 مجرى مياه واستجماع معطيات 403 مطاحن بما فيها تلك المختفية أو تبقى منها بضع أثر)، وختم الكتاب بملاحق معجم للمصطلحات بالألفاظ العامية وماذا تعني مدعمة بالرسوم وكيفية حياكة قفف القش التي يوضع ضمنها الزيتون في حالة الاعتصار، وكذلك ملحق خاص بالأغاني الشعبية والتي تعبر عن واقع وعمل الناس وغنتها الحناجر الجميلة في تعبير عن عصر جميل، كذلك ملحق وثائق مرفأ بيروت بين العام 1903 و1942 حيث يرد أن نوى الزيتون كان يعاد تصديره إلى أوروبا من أجل استخراج الزيت منه من خلال مكابس ذات قوة أكبر، ووثائق وصايا مخطوطة تبرهن كيفية انتقال ملكية هذه المطاحن والآلات.

وفي تلخيص سريع لما تضمنه الكتاب يمكن استنتاج النقاط التالية:

ـ الكتاب وثيقة تتضمن أرشفة لواقع حياة وعمل الناس منذ ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد، أي أن التقنيات التي نراها اليوم ربما لم تصل في أماكن متعددة من عملها إلى تلك التي استعملها أجدادنا.

ـ الدراسة تأتي في سياق بحث تاريخي عن تقنية ساهمت في تأمين استخراج مادة غذائية مهمة، ولكن هذه أيضاً ترافقت مع بحث سوسيولوجي في كيفية تعامل الناس مع ذلك وما يتركه من تأثير متبادل بين جموع الناس القاطنة هذه الأرض، وهنا نحن بحاجة إلى إعادة درس ذاك الواقع الذي صورته لنا زوراً الفلسفات الحديثة أو الاستقلالية المتلبننة أن أجدادنا عملوا فقط في قطاع التجارة والخدمات وهذه رسالة لبنان ضمن ساحل المتوسط الشرقي ولسنا بحاجة إلى بناء قواعد إنتاجية.

ـ يطرح البحث التاريخي في هذا الكتاب إشكالية التنمية الحقيقية في ظل أزمات اقتصادية يتخبط بها الواقع اللبناني الحالي، ومن قال إن الآفاق عاجزة عن ابتكار الحلول المنطقية والواقعية في حل معضلات المجتمعات المعيشية؟.

ـ يطرح الباحث د. شانه ساز إشكالية صدمة الحداثة بمعناها الشكلي في مجتمعنا، حين يصف تلك التقنيات المتطورة والمعقدة التي استخدمها الأجداد بكل بساطة وهي ذات قيمة وفائدة تفوق بأضعاف ما استورده هؤلاء أنفسهم من آلات من الغرب وأهملوا ما كان لديهم بينما كانوا فقط بحاجة إلى عملية تطوير جزئية حتى نجاري عملية الإنتاج السريع، لا بل إنه لم تثبت حتى الآن أي استعمال في حوض المتوسط للتقنية المستعملة هنا في استخراج الزيت. وهنا البرهان واضح حول إمكانية تطبيق ما يمكن تسميته توطين التقنية وتطويرها باستعمال الحكمة والاستعانة فيما يسميه هو بـالحرتقجية بلغة العامة الذين يبتكرون ويطورون الآلة المستوردة.

ـ يمازج بطريقة طريفة ومبتكرة بين تلك التقنيات وأهميتها وقضايا عصرنا الحاضر من إشكالية التدمير المنهجي للثقافات المحلية والقروية والتمدين الشكلي أو ما نسميه اليوم تمدد وسيطرة العولمة ونمطها الموحد على العالم، وبذا يمكن المواجهة عبر نبش تلك الأنماط القديمة الحبلى بالخير والبركة والتواصل الاجتماعي فيه مضمون زاخر من الإنسانية في مواجهة نمطية الفردية والأنانية القاتلة. كذلك نمط الإنتاج المستعمل هنا فيه ما يؤكد الحفاظ على الصحة العامة والغذاء السليم وحماية الطبيعة باستعمال الطاقة المتجددة من مياه وهواء وعمل عضلي يخفف من الاعتماد على الآلة التي تدور على حساب الكل في ظل تدمير مخيف للبيئة قد يقضي على الجنس البشري نفسه.

ويعتبر شانه ساز أنّ الغربيين كان لهم تأثير سلبي كبير في هذه القضية، فالمشروع الأميركي نجح وما عدنا نطحن قمح أرضنا بل أصبحنا نستورد الطحين من الأميركيين. أما الأوروبيين فمصلحتهم تقضي ببيعنا الصناعات الحديثة، فرفضوا استيراد زيتنا من المطاحن المائية بحجّة أنه لا يتناسب مع المعايير العالمية وفرضوا شراء ماكينات حديثة، من إيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية، كي يستوردوا الزيت.

ويرى شانه ساز أنه ما كان يجــب أبداً أن نستغني عن إرثنا وأن نستبدل هذه المطاحن بأي تقنية حديثة.

المطاحن المائية اختفت، ولكن اليوم، هناك خطر وخوف حقيقيان على شجرة الزيتون، هذه الشجرة بدأت تفقد قيمتها الغذائية وتتحوّل إلى مجرد شجرة زينة. أكبر مثال على ذلك أننا نراها مزروعــة اليوم إلى جانب بعض البنوك والمحال التجارية وفي وسطيات الطرق. في السابق كانت شجرة الزيتون تغطي مساحة كبيرة من لبنان ولكنها استبدلت بمساحات من الباطون، ولا تحظى هذه الشجرة أو التقنيات باهتمام الدولة.

أخيراً، في كتاب المطروف، المدرس، الباقوف، مع المؤلف د. محب شانه ساز دراسة تاريخية حول نمط إنتاج وأنه من المرات القليلة التي تشعر بمحاولة جدية وعلمية إلى لبننة وتوطين الفكر اليساري في بلادنا.

د. محب نادر شانه ساز

تقديم روبير كريسويل

دار الحداثة

عامر ملاعب