العدد الواحد والثلاثون - آذار

إتقان المضي في بحر الحداثة

نظرة في ديوان الأنهار لا تتقن السباحة في البحر
السبت 15 آذار (مارس) 2008.
 

لكمال خيربك

لؤي زيتوني

غدا من البديهي للمطلع على حركة الحداثة في بلادنا، أن يلفته اسم كمال خيربك بوصفه أحد أبرز أعلامها الفاعلين، لاسيما من خلال كونه قدّم أول دراسة متعمقة وأكاديمية في توصيف هذه الحركة ونقدها، ما أدى إلى اعتباره أهم مراجعها. لكنّ اقتصار بروزه في إطار عملية التحديث على إنجازه لهذا المرجع فحسب، يبدو ظالما بحقه لأنه يتغاضى عن الجانب الإبداعي في عطائه، والذي اندرج ضمن دواوين أربعة كان خامسها هذا الديوان الأنهار لا تتقن السباحة في البحر[1].

على أنّ هذا الديوان ليس نسخة طبق الأصل عن الأربعة السابقة. فهو، مع أنه جزء أساسي من البنية العامة لشعر خيربك، عنصر له مميزاته الخاصة التي تختلف عن باقي الدواوين، بما يعتبر تطويرا لنموذجه الشعري. ولعل هذا ما يظهر من خلال التّساؤلات التي يبعثها في الذات هذا العنوان الذي يشكل عنواناً لإحدى القصائد المطولة فيه. فماذا يقصد الشاعر بالأنهار؟ وهي التي يرتبط استخدامها ببدء الحضارات والتحول إلى الاستقرار الزراعي، كما يرتبط بالحركة الدائمة وفق المقولة الفلسفية التي ترى أن الانسان لا يمكنه دخول مياه النهر مرتين. وهذا ما يجعلها تؤثر في حياة البشر وتناميها. من جهة أخرى، ماذا يمكن ان نفهم بالبحر؟ الذي طالما كان رعباً للانسان الأول ولغزا في الآن عينه، كذلك كان المغامرة التي حملت المجد كما حملت الموت. وما يضاف إلى هذين السّؤالين، سؤال مهمّ وهو: أيّ الأنهار هذه؟ وأيّ بحر؟ ولعلّ تجربة كمال خيربك ترشدنا إلى تلقّف بعض المفاهيم المحورية لديه، فبما أنّ الأنهار حركة دائمة يعني أنها ثورة دائمة على الثبات في سبيل تجديد الحياة وإعادة إنتاجها. وهنا يدخل دور البحر بوصفه ملجأً أو مستقراً لها، وهذا الأمر يشير إلى الثبات والجمود أو إلى انتهاء الحركة - الثورة، وبالتالي انتهاء الأنهار. وقد ينفذ بنا هذا التوصيف للعنوان إلى المضامين التي اشتمل عليها الديوان عموماً.

عند الغوص في صفحات الديوان، يطالعنا هذا الرفض لحال الجمود الباعث على الضجر، من خلال الحنين المستمر إلى الماضي المتحجّر، وهذا ما نراه في قوله:

لماذا نحسد الضفادع والأبواق على مدخل الوداع الجميل؟[2].

لكن الشاعر لم يكتف بالتساؤل الموحي بل ينتقل إلى مرحلة النقد الجذري لهذه الحال التي لا تعني غير موت حضاري مرادف للاستسلام من هنا يقول:

الدرب يعج بالأصنام والجثث

وأنا صنم آخر في صحراء الهزيمة

سئمت صراخ العناء في جدران تفاهتي

سئمت الناس... [3].

ولن نجد عناءً كبيراً في فهم رمزَي الصنم والصحراء اللذين يصبان في خانة التّحجّر تلك. أما عن لفظتي الغباء و تفاهتي، فإنما تشيران إلى مسؤوليتنا المباشرة في نشوء هذه الحال. لذلك يبدأ بالبحث عن وسيلة تمكنه من مجابهة هذا المرض- الضجر، فإذا بذاته تكون تلك الفريسة التي تعطيه القدرة على ذلك:

أدخلك كما أخرج

أخرج منك كي أتوغل فيك،

كي أروضك

كي أقتنصك

كي أدّخرك لضجري الذي يجوع

للضّجر الذي يحتلني بالعقم

ويزرعني بالعشب والمستنقعات[4].

فهو يدخل في هذه الذات ليفترسها فيتحرّر من قيوده النفسية والمادية، وهذا الخروج- التحرر يتيح معرفة حقيقة وجوده ودوره بجلاء. ولعل تتالي الأفعال المقترنة بـ كي بعد ذلك، يدل على الحيوية الفاعلة في مواجهة العقم والعشب والمستنقعات البعيدة عن كل فعل أوإنتاج. وانطلاقاً من هذا، تتعالى حدة الصّراع مع الجمود والتّصحّر من خلال هذه الوسيلة، فيقول:

... إن أروع

وطن للإنسان هو داخله، مع أنه وطن وعر وحلزوني.

إنني أجد نفسي قد التجأتْ إلى هذا الوطن، وهي في نضالٍ عظيمٍ مع صحاريه وسراباته.

... وإذا ما أرغمت على التقدم في أدغال نفسي

فسأفعل ذلك أمام ضغط الفصول والمغامرة، وسأكون أعزل دائماً، وبدون غاية، وسأكافح

 لأرغم نفسي على الاستسلام، والعودة إلى البساطة[5].

وهنا يتبين لنا هذا الصراع الصعب مع الوطن الداخلي، مع الذّات المليئة بالصّحاري والسّراب، والذي صنع القحط الحضاري العام ما حدا به إلى اللجوء، أو محاولة اللّجوء إلى البساطة. ولا تعني هذه البساطة هنا التّخلف أو التّخلي عن كلّ تقدم، بل تعني حال التحرر من كل قيد على العقول والعناصر الإنسانية الحية في داخل الانسان. تلك القيود التي أمسكت بمصير شعوب بأكملها فحورت التاريخ والحقيقة من أجل أهداف دنيئة وحاقدة، وهذا الأمر يوضحه خيربك حين يشير إلى الاستسلام التام لبعض المؤسسات الدينية في أحضان المفاهيم التوراتية المشوهة، فيقول:

أنحني لظل لم يأتِ، لشريعة متوحّشة

في أقاصي الذّهن

..لننكفيء، ولنحسر وجوهنا الكاهنة،

من أجل حضارة مرصّعة بالشبق،

من أجل توراة اللّذة،

...من أجل دملة متوحشة في سرة الأرض...؟ [6].

ونلاحظ هنا اقتران صفة متوحشة بعالمين: الأوّل داخليّ، حيث تسيطر شريعة ملؤها الحقد والجرائم على الأذهان بشكل كامل؛ أما العالم الخارجي ففيه تورم خطر على المجتمعات لأنه يشيع أجواء الانكفاء والهزيمة، وبالتالي الاستسلام إلى أفكارٍ مكبّلةٍ للشعوب ساعيةٍ للقضاء على قيم الأمم وتاريخها، وهي أفكار تجد مرجعيّتها في النّصوص التوراتية. ولعلّ هذا ما يؤثّر في إيمان الناس فيصيبهم مرض الانهزامية على المستوى الحضاريّ والانجراف في تصوّراتٍ يرفضها العقل ويأباها المفهوم الأصلي للفظة إنسان، لذلك يعلن الشاعر:

كل مسيحٍ وأنتم بخير

كل يهوذا وأنتم متعا نقون مع الموت والحياة

كل صباح وأنتم مسيح ويهوذا معاً

هذه أغنيتي الجدباء التي تثيركم، تعطيكم إيقاعاً

للرّقص والبكاء ...

أفرغوا أفواهكم وجعبكم عند مساقط الانهار واستسلموا

فليست لنا بعد الآن أسلحة محدّبة

ليس لنا غير أن نغادر جلودنا

ونمضى مع التيار... [7].

من هذا المنطلق، كان بديهيا لشاعر مثل خيربك، مسلح بعقيدة صلبة وبوعي فريد، أن يتمرّد في محاولة جادّةٍ للتغيير لكل القائم الجامدة، ولما يسمى خطأً بالحضارة، لأن مفهوم هذه الأخيرة يعني أساساً الإنتاج المادي الخادم لوجود الإنسان وحياته والذي يقوم على إنتاجٍ فكريٍّ متمحورٍ حول صالح الانسان وخيره. أما ما هو مُشيَّع عن الحضارة اليوم، بعيداً عن التّطوّرات العلميّة المستمرّة، فهو أسس تقضي على المقدس والعقل والمجتمع.

وانسجاماً مع ذلك، يبرز تأييده للانتفاض على هذا الواقع بالقول:

لقاء رزمةٍ من التّوقّعات الطّفلة

لقاء قبضةٍ من الكلمات المقدّدة

لقاء قصيدةٍ خائنة،

أبيع العالم

لقاء عاصفةٍ تكتسحني وحدي

ومطرٍ لا يصيب غير معطفي

أتقيأ على عشرين قرناً

من الحضارة[8].

وهكذا تبدأ فكرته تتوضح، ليتبلور موقفه المشهور الذي يكمن في النضال، لا الفكريّ فحسب، بل والميدانيّ على أرض الواقع. فالشّاعر يدعو لعدم الاكتفاء بحياةٍ هامشيّةٍ رتيبة، أو بالأحرى تافهة وتابعة، و على كلٍّ منّا أن ينطلق في صراعٍ مع العالم في سبيل الحياة التي يبتغيها:

لنقطعْ خيوط العنكبوت الخالدة

بين الرحم والقبر،

ولنملأ المسافة برصاص المفاجأة

هكذا نحقّق المعادلة!

الرحم- القبر

وتنضج فجيعتنا رويداً

في غبطة المغامرة[9].

ولهذه الغاية يندفع في نضاله العلني، دون أن يعني ذلك بلوغاً سريعاً نحو الغاية المرجوّة، لأنّ هكذا نضال لا بدّ أن يواجه آلاماً عظيمةً .. آلاماً لم يسبق لها مثيل في التاريخ، سواء من ظلم، أو تعذيب، أو قتل. وفي هذا السياق يظهر مع أمثاله من المناضلين غيوماً محملة بالعطاء قد تعرضت للقمع، فكانوا ممنوعين عن الموت، [حياتهم] معبّأة في قوارير النّظام[10]، أي أنّ السّجن والاضطهاد كان ينتظرهم دائماً عند أيّ محاولةٍ للتّمرّد والانتفاض، وذلك من قبل الطّغاة والمتآمرين، وهنا تطالعنا هذه الصّورة المعبّرة:

رغماً عنّا، رغماً عنّا

يربّون لحانا حتى تطول ليبصقوا عليها

ثم يجزّونها ويصنعون منها سياطاً لنا

لأنّنا مدلّلون، ولأنّهم أوصياء علينا[11].

إلاّ أنّ ذلك لا يزيده إلا تعلّقاً بالأمّة وتمسّكاً بها، بحيث لا يعود الارتباط بها عاديّاً، بل تكون حبيبةً يقوم وجوده على الاندماج بها، والتّنامي فيها.. وانطلاقاً منها، وعليه فإنّه يصرح:

ومع ذلك .. ذراعكِ على الطّاولة ويدي معي:

وحيدةً، شريدةً، لا تخصّني. كأنّها تنتظر أن تلامسيها

لتصبح لي.

ومع ذلك، ومع ذلك أحبّك

وأحبّ هذا الحبّ[12].

 

وبناءً على كل ذلك، نلاحظ حرص الشاعر على الغوص في جذوة انتمائه حتّى النّهاية، لأنّ الذي أوصله إلى هذا الانتماء ليس انسياقاً أعمى نحو مسؤولٍ أو جماعةٍ أو اعتقادٍ هشّ، بل بحث متواصل في المأساة الحاضرة، في ظل بلبلةٍ للمفاهيم، وضياعٍ للهوية، كانت نتيجته الأوّليّة رفضاً وتمرّداً، إضافةً إلى نضالٍ متواصلٍ لتثبيت الهوية، دون أن يعني ذلك الوصول إلى غاياتٍ نهائيّةٍ توقع في مسلّماتٍ جديدةٍ تستعبد الأدمغة. وهذا ما أغنى تجربته الشّعريّة بحقٍّ، فكانت مجسِّدةً للنّظرة الحديثة إلى الشّعريّة، والتي ترى فيه فاعلية حيوية هدفها الكشف عن انحطاط الواقع ورفضه، بغية تغييره، من خلال ما تحمله من قيم الحق والخير والجمال، إلى مستقبل أسمى للمجتمع والانسانيّة. لذا يمكن القول أنّه شاعر .. شاعر، مع أنّه هُمِّش، وتمّ التّغاضي عن عطائه، عمداً أو دون قصد، كما يمكن القول أن نتاجه يسفح في المجال أمام الغنيّ والأصيل من الدّراسات الأكاديميّة أو غيرها، لا سيّما أنّه شهيدٌ من الغيمات التي تتراكم في سماء الوطن لتنشر الوعي والحرية.

 

 

 


 

-[1]  كمال خيربك: الانهار لا تتقن السباحة في البحر. بيروت، دار فكر للابحاث والنشر، الطبعة الأولى، 2007، ص 31.

 

[2] - نفسه. ص40.

[3]  - نفسه. ص 15.

 

[4] - نفسه. ص100-101.

[5] - نفسه. ص21.

[6] - نفسه. ص60 - 61.

[7] - نفسه. ص35.

[8] - نفسه. ص66.

[9] - نفسه. ص74.

[10] - نفسه. الصفحة نفسها.

[11] - نفسه. ص92 - 93.

[12] - نفسه. ص74.