العدد الواحد والثلاثون - آذار

محمد سعيد عامرية: أحترم خصوصية المرأة ولا أعرّيها في قصيدتي

الشعر هو الجانب الآخر من الحياة الذي لا نعيشه
السبت 15 آذار (مارس) 2008.
 

أسماء وهبة

رغم سنوات عمره الستين إلا أنه مازال يتذوق الرومانسية، وتفوح من بين يديه رائحة الحب. لم يثنه نضجه عن إصدار ديوانين شعريين يرسمان المرأة كما يراها قلب العشرين والثلاثين، واللذان حملا عنوان اللحظات الأخيرة والتسكع على أرصفة العشق. إنه الشاعر المصري محمد سعيد عامرية التقته تحولات في مكتبه في جريدة الجمهورية في القاهرة، وكان هذا اللقاء عن المرأة والغربة والوطن:

* بداية: كيف أثرت نشأتك على احترافك الشعر؟

لقد نشأت في حي الجمالية المشهور بتراثه الأدبي. ونشأت علاقتي بالكتابة بعد أن تشبعت بعبق حي الحسين الروحاني الذي يعلم الإنسان الحب مما هيأني للكتابة. كما انعكست الأجواء الفاطمية على مشاعري، فأحسست بعبق التاريخ خصوصاً وأنا أجول بين المكتبات الموجودة هناك. وأتذكر عندما كنت في المرحلة الإبتدائية اعتدت الذهاب إلى سور الأزهر، حيث يجد المرء مختلف الكتب. وكان يعطيني الشيخ تهامي ـ أحد بائعي الكتب ـ روايات ودواوين لقراءتها، لأنني لم أكن قادراً على شرائها فكنت أجلس في دكانه ساعتين يومياً بعد المدرسة أقضيها في القراءة.

* إذن، يبدو أن علاقتك بدأت مع الأدب وليس الشعر؟

نعم، لأن الشعر جاء في مرحلة لاحقة وتحديداً في سن المراهقة. فلقد فطر الله سبحانه وتعالى كل إنسان على موهبة معينة. فمثلاً تنبع الكتابة من مشاعر بشرية تترجم على الورق من خلال أدوات عقلية وحسية يمتلكها الشاعر أو الكاتب. كما تساعده أدوات أخرى مثل القراءة، ومن بعدها ينطلق في الممارسة الأدبية.

* تطرح المرأة نفسها بوضوح في ديوانك الجديد التسكع على أرصفة العشق. فهل المرأة هي القصيدة برأيك؟

الكتاب ليس عن المرأة، بل عن وطني الذي جسدته في هيئة امرأة. فهي الأمل والطموح والحلم وملهمة الرجل. هكذا أرى من خلالها وطني الذي عشت بعيداً عنه سنوات طويلة، حتى أنني كنت أخاف أن أموت وأدفن خارج مصر، الشيء الذي دفعني لمناجاة وطني.

* حالة الاغتراب التي يعيشها المثقف العربي اليوم وقوقعته على ذاته. كيف ستسمح له بطرح القضايا الكبرى وهو في حالة تدجين؟

المثقف العربي ليس مقوقع. وهناك فرق بين المثقف السياسي والمثقف الذي يتعاطى الشأن الثقافي والأدبي. لكن ما آسف عليه هو قيام بعض المثقفين العرب بمهاجمة أنظمة بلادهم وهم خارجها. فهذا لايجوز حتى لو قمعت السلطة مثقفيها فيجب أن يواجهوها على أرض الوطن وليس خارجه وإلا عدّ جبناً! كما أنني لا أقبل بتجريح رئيس جمهورية أو أسرته أو رئيس حكومة انطلاقاً من قاعدة الحرية الصحفية. فالإنتقاد يجب أن يكون بناءاً حتى نخلق حالة ديموقراطية صحيحة في البلد، وحتى لا يبتعد النقد عن منطق العقل. فمثلاً عندما كتب الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل كتاب خريف الغضب كردّة فعل على تصرف الرئيس محمد أنور السادات معه انتقده كثر، لأنه تطرّق إلى أمور شخصية لم ترتق بالقارىء. وبالمناسبة ما كان ليكتب ما كتب إلا بعد وفاة الرئيس السادات!

* قبل التطور الإعلامي كان الشعر قادراً على إسقاط الحكومات وتغيير الأنظمة. فلماذا اختفى الشعراء الذين يقودون الأمم؟

كان هذا موجوداً عندما كان المثقف رمزاً. ولكن بسبب سياسات الحكومات العربية استطاعت تقويض دور المثقف، فلم يعد قادراً على قيادة المجتمع.

* عندما ننظر إلى الساحة الشعرية العربية اليوم لا نجد وجوداً كبيراً للشاعر المصري مقارنة بالشعراء العراقيين واللبنانين مثلاً. لماذا؟

لأنهم لا يعيشون تحت مظلة السلطة في بلادهم. هذا بالإضافة إلى التسويق الإعلامي الذي يحظى به هؤلاء بسبب الحراك السياسي في أوطانهم.

* ماذا أضاف لك موقعك كأمين إعلام الحزب الوطني في حي الجمالية؟

لم يشكل إضافة، بل منذ البداية كنت حريصاً على تقديم الخدمات لأهل منطقتي من خلال حزب قوي هو الحزب الحاكم بعد أن كانت لي تجربة مع حزب الوفد الذي لم يقدم خدمات للناس.

* بعد تغير شكل القصيدة التي تعتمد على الشعر المرسل والحر وغيره، هل قد يستعيد الناس قراءة الشعر؟

بسبب تغير الزمن أدخلت مفردات جديدة على اللغة العربية، مما فرض تغيير طبيعة الشعر وشكل القصيدة، خصوصاً أن معظم الشباب العربي يستصعب الشعر المقفى والموزون. لذلك حتى القصيدة النثرية أصبح وجودها طبيعيا وليس مستغرباً. أما القصيدة الحرة فتصل إلى القارىء بسلاسة، لأنها تعتمد على الموسيقى والسجع الموجود في النص دون حاجة إلى قافية.

* هل الشعر هو حالة طارئة؟

هو نتيجة تراكمات قراءات وخبرات الحياة. أما الإبداع فيحدث في لحظة مباغتة فيما يسمى بـ شيطان الشعر. فعندما تباغتني جملة شعرية أسارع لكتابتها. وأحياناً يخاصمني الشعر فأخاف من نضوبه. وبالمناسبة ما ينضب الشعر هو انغماس الشاعر في هموم الحياة، في حين أن شعراء الزمن الماضي كانوا يتفرغون للكتابة، أي كان الشعر هو وظيفتهم. من ناحية أخرى بعدما يحقق الشاعر النجاح يخاف من أن يكتب نصوصاً أقل مستوى مما سبقها، الشيء الذي يشكل أحد أسباب النضوب! هذا عدا عن ضرورة أن تكون الحالة الشعرية صادقة ونابعة من تجربة. فمثلاً عندما قرر الكاتب الكبير عباس محمود العقاد كتابة الشعر معتمداً على مقاييس علمية فجاءت نصوصه دون إحساس!

* يقال إن الشعر هو الجانب الآخر من الحياة الذي لا نعيشه؟

ربما فهو يعطينا أمل في الحياة.

* هل من خطوط حمراء في قصيدتك؟

نعم فأنا أحترم خصوصية المرأة. وأرفض أن أنزع عنها حيائها وأنوثتها أو أعريها على أوراقي.

* لكن طبيعة المجتمع المصري الذي يتميز بأجواء دينية يضع قيود على الشعراء فيمارسون على أنفسهم رقابة ذاتية عند الكتابة. أليس كذلك؟

إلى حد ما.

* إذن أين الحرية في الشعر، وحق الشاعر أن يطلق العنان لخياله؟

الحرية لا تعني الإباحية. فالشعر يجب أن يكون له رسالة إنسانية يؤديها وإلا سيكون استخفافاً بعقول الناس.

 

من كتاب التسكع على أرصفة العشق:

دعيني وشأني

أرحل من تحت عباءتك

أسافر من صيفك البارد

أهرب إلى ماهية النفس

أقطع ظلك الشارد

أخرج من ثقوب قمصانك

أنفض آهات الهمس

دعيني

وحيداً

بعيداً

في غيبوبة الأمس

في ليل الإنتظار

دعيني

أتسكع على أرصفة العشق

أستوطن عيون الفجر

أسلخ الماضي من الحاضر

أرسم في عتمة الليل وجه النهار