العدد الواحد والثلاثون - آذار

انتفاضة بيصور

السبت 15 آذار (مارس) 2008.
 

أحيا تيار المجتمع المدني المقاوم ذكرى انتفاضة بيصور في المركز الحزب السوري القومي الاجتماعي (مديرية بيصور) التي قاومت فيها هذه البلدة جيش العدو الإسرائيلي عام 1983 وأنزلت به هزيمة نكراء.قدم الحفل السيد أنيس العريضي وجاءت الكلمات لكل من منسق تيار المجتمع المدني المقاوم السيد رجا ملاعب والمناضل نديم مصطفى العريضي،إضافة إلى الشاعرين عماد ملاعب ووائل ملاعب. ثم تلت الآنسة إخلاص العريضي نصوصا مقتطعة من الصحف اللبنانية والعربية من العام 1983 تناولت انتفاضة بيصور. وفيما يلي نص الكلمات المكتوبة.

بعد الرابع والعشرين من ك2 سنة 1983، لو لم أكن من بيصور، لتمنيت أن أكون منها.. أن أكون عمامة تبارك طرد الشياطين عن ارضي، أن أكون شجرة تسلح بأغصانها أناسا قابلوا بصدورهم آلات العصر التي أرهبت حكاماً وأنظمة، أن أكون فلاحاً تحوّل معوله في لحظة إلى قنبلة ذكية، أقوى من الصناعة الأميركية.

حين أقول بيصور، لا اعني بالجغرافيا جبل الرادار ينتهي بنهر يفصلنا عن الدنيا، بعد التحرير اصطبحت بيصور ساحة من ساحات هذا الوطن الذي لنا شرف الانتماء إلى ثقافته وطن دون احتلال، قوي بقوته، صلب بإرادته مجتمع بطوائفه لا مقسماً بطائفيته.

رحل المحتل وهو على يقين أننا في الوغى ليوث، عرينها صلب، تهز الأرض على وقع أقدامنا. نازلونا في الساحات عرفوا صبرنا ثباتنا غضب أجسادنا المتفجرة، لن ينسوا بلال أو سناء، لن ينسوا السياحة عندنا في مقهى الويمبي، ولا الوداع في مطار بيروت بصناديق تحمل بقاياهم. لحظة عودة أسرانا من السجون.

فيا أيها الذين أسأتم فهمنا للحياة وحب الحياة، اعلموا أن صوتنا شهادة، والشهادة ولادة، تنبت فوق نفق الحرية من أنصار إلى جبل الباروك تحية، تحمل إزهاراً نرجساً رياحينا، ملاعقاً بقايا علب سكاكينا، تشق باطن الأرض نحو قانا بعد كل مجزرة تلملم أجسادنا الجريحة، تخرج من كل حفرة وعد التراب، أن تتحول ذراته إلى أشبال تقاوم، كما تحول الماء خمراً يا قانا الجليل.

يوم انتفضت بيصور، لم تكن صدفة، لقد أعلمتنا أنها استقبلت ابنها نجيب شهيداً، من بنت جبيل جاء عريساً، ينشد بدمائه الذكية، أهازيج العز، يوقد في حبات الرز، والورد المنثور، شظايا تفجر بوجه من يدنس أرضنا، وها هي فعلت فعلها.

علمتنا بيصور من صوت شلالها الهادر، من نبض شهدائها الدائم، إنها للصخر مقلع، إنها العين والمدفع، إنها صوت حق، والأذن التي تسمع. من قال جيش لا يقهر؟ اخبروا الملوك التي تظن إنها تراقص السيوف، رؤوسها دفنت في الرمل، والطفل عندنا لم يركع، صبية زأرت عيونها بوجه المخرز، فأغنى واندحر الجيش الذي لا يقهر.

نحن قوم، هويتنا تاريخنا حضارتنا، مقاومة. هذا قدر ارتضيناه، فليفهم الذي يحاول إن لا يفهم، عن الحق والخير والجمال، نحن الزيتون والقلم والمعول، نحن الذين استعر العرق حين تصبب من جباهنا السمراء. فالرأس مرفوع كما مارون الراس. تردد، ترسّل، الله اكبر، أخرب عدوك بالنار.

فدعاء القلوب وصلوات الانتصار، تساوي في الميدان مدفع. فالانتفاضة تمرد، روحها المقاومة، تدعمها قوة تعبر وجه التاريخ. هذا ما آمن به نديم، شاعراً مرهفاً، رسام رقيق، خبير ورد، قنابل ومماشط، سلاح بغير وجه، العدى لا يشهر. أغلق معتقل أنصار، رحل السجّان ذليلاً، وبقيت ساحة بيصور خير شاهد على من مارسوا البطولة ولم يخافوا الفشل بقي نديم يردّد، أن صراعنا مع اليهود، صراع وجود لا صراع حدود. وسيبقى اتصالنا بهم اتصال النار بالنار والحديد بالحديد.

 


كلمة المناضل نديم مصطفى العريضي

 

يا شرفاء هذه الأمة

انه لأمر عظيم أن نتحدث في هذا الشهر عن حصاد أنتجته إرادة مقاومين فرضوا حقيقة نفوسهم على هذا الوجود.

جاء الاجتياح الإسرائيلي إلى لبنان عام 1982 فارتكب أبشع المجازر البشرية في صبرا وشاتيلا بالتحالف مع القوات اللبنانية. كخطوة هادفة لاقتلاع شعبنا من أرضه بالقتل والتهجير... تلك كانت بدايتهم في لبنان.

وقبل هذه البداية ومع توغلهم كانت هناك خيوطاً تنسج لحكايات، وتلتها حكايات وحكايات وحكايات... حكايات التصدي.

وكانت المفاجأة بأن هناك شعب ثائر وأبطال فوق العادة جعلوا جنود العدو هلعين مذعورين يبحثون عن مخرج يأتيهم من الههم (يهوه).

وكانت بيصور الوديعة بنظرهم، الرابضة على مصار صخري والتي اتخذت مداً جغرافياً يشبه الحربة قد تغلغلت بين أشجارها بيوت من حجر الصخر حيث تآلفت مع جمال الطبيعة فحضنتها أغصان الأشجار تلطف جوها... وكأن يد الملائكة قد أمسكتها وبدأت تلوح بها فوق السطوح مثل ريش النعام الذي يلوح به من على جانبي كرسي العرش.

غاب عن ذهنهم بأن معظم هذه البيوت كانت بمثابة كرسي العرش اعتلاه كم شهيد وشهيد.

وغاب عن ذهنهم أيضاً بأن أرضنا تنبت الرجال الرجال، تنبت الهامات الطوال كنصال الرماح وعيونهم عيون نسر،... كانت تراقب... وتحفظ.

ثم تلقي هذه العيون وتجتمع... فتعقد العزم ويشع منها بريق الثورة.

واتخذ القرار بالمواجهة، المواجهة الشعبية المنظمة لمواجهة أي اعتقال لأي شخص من البلدة في اجتماع عقد في منزل الأمين رفيق الحلبي العريضي والأمينين محمد العريضي وابو مزيد سليم نصار ملاعب وبعض الرفقاء... والأمناء الثلاثة الآن يسكنون في بيصور الثانية تحت التراب يجاورون أعزاءهم الشهداء... رحمهم الله.

لقد كانت برودة الجليد في أعصابنا وفي قلوبنا جهنم حمرا واقسمنا أن نأكل التراب إن جعنا وإذا عطشنا نعصر الصخرة. فنحن في أرضنا باقون ولن نرحل هنا لنا ماض وحاضر ومستقبل.

وشاء القدر أن أكون بعد ذلك أول المعتقلين.

ففي ذلك اليوم جرت مواجهة عنيفة بين الأهالي بشيبها وشبابها، وقوات الاحتلال. حيث جردوا من أسلحتهم واحتجزوا في القبو وهم يرتجفون هلعاً ومنهم من بوّل في ثيابه ووسخ ارض البيت... وقد تعرضوا هم وقادتهم وجميع آلياتهم للأسر.

لقد رأيت بنفسي تلك الأسطورة... رأيت الغضب المزدهر يشع ثورة وعزة من تجاعيد تلك الوجوه والشرر يتطاير من العيون الثائرة حيث اختلطت نبرات الحناجر مع حركات الأيدي...

ها هي تصنع ثورة... تحيك أسطورة... تولّد كرامة وعزة. ها هي بدأت... بدأت... بدأت تتكون.

يا لجمال نشوة الانتصار... فقد صدحت الزغاريد وتعالت الأهازيج وانطلق الحداء.

نحن عملنا معدلنا ما في قوي تعادلنا. نحنا مامنهاب الموت. الموت ببوز معدلنا. وتحرر الأسير محمولاً على الأكتاف والشباب يطلقون الرصاص من فوهات البنادق مثل زخات المطر.

فكيف لا يبوّل هؤلاء الجنود في سراويلهم أمام هذه الثورة الجامحة... أمام هذا العز وأمام هذا الفرح.

وقبل المغيب بدأ رتل الدبابات يتوجه إلى مداخل البلدة... فتصدت لهم على الفور لمجموعات في منتصف الطريق وقاذف الـ B7 موجهاً أحشاءه بكل الاشتياق وبكل الحرارة لينصهر مع حديد دباباتهم... وما أن ترجل الضابط حتى أمر بأن يعود أدراجه.

وتوقف الرتل وبقي دون حراك أمام العيون التي كانت تطل عليه من كل زاوية وناحية والأجساد مزنرة بشراشير الأسلحة المتوسطة.

وما كاد الليل أن يدلهم حتى استقدمت الطائرات المروحية الدبابات من جبل الباروك والثلج ما زال عالقاً عليها لتنزل على تلة الرادار بإشراف أمير دروري قائد القوات المحاصرة لبيروت. مع طلات لطيران الحربي تبعه قصف عنيف بالمدفعية الثقيلة بما يفوق الثلاث آلاف قذيفة حيث انهالت على بيوت السكان العزل وقد سقط شهيد واحد في تلك الليلة القاسية وكان الدمار مرعب جداً وحجارة البيوت تناثرت على الطرقات وغطت الشوارع.

حدث كل ذلك بعد أن سلمت نفسي كي لا يقصفوا البلدة وقد تعهدوا بذلك أمام الأهالي والمشايخ... عبر مفاوضات استمرت إلى ما بعد منتصف الليل.

 

الله يا بيصور... يا بلدتي الحبيبة... لقد كنت العين التي قاومت المخرز الإسرائيلي إلى أن التوت كل المخارز امام صدقات عيون المقاومين على مساحة ارض الوطن... يا مثالاً من شموخ شعبنا الأبي.

وقد قال فيك الشهيد محمد سليم ابن الصرفند وعميد الدفاع في الحزب آنذاك. لا استطيع أن أنسى بيصور حين انتفضت لتستلم الراية منها فيما بعد العشرات من القرى الجنوبية.

وهذه المقاومة الشعبية هي التجسيد الفعلي للارتباط بين الشعب والأرض فكان التكامل بينها وجهة المقاومة الوطنية... وهكذا ولدت حركة الإعاقة لتقدم العدو فتشكلت معها معالم الطريق من 21 تموز 82 يوم نفذت مجموعة قومية عملية كريات شمونة. فسقطت نظرية سلامة امن الجليل في وقت كانت قوات العدو تحكم الطوق حول أبواب بيروت.

لله ما أعظمك سعاده حين قلت أن فيكم قوة لو فعلت لغيرت وجه التاريخ وها هي قد فعلت وقد ذهبت إلى ما بعد بعد حيفا...

قدّس الله سر كل المناضلين الشرفاء وقادتهم المخلصين من أصحاب العمائم ومن غير أصحاب العمائم.

ان هؤلاء المغتصبين القامة الذين حملوا نعوشهم على أكتافهم ومشوا منتعلين دبابات المركافا جزماً في أقدامهم ثم مضوا فسقوا ارض بلادي بماء الوطن وازهر الربيع شقائق نعمان وتجلّت الطبيعة بلوحة الحرية بأبهى ما فيها من عبق يبعث الحياة.

ومنهم الشهداء الأحياء الذين ما تغيرت نفوسهم وما زالوا محتفظين بالحماسة ذاتها وما انفكت أنفسهم تبذل الغالي رخيصا للتضحية بكل ما هو شخصي في سبيل ما تؤمن به...

لم ترهقهم الحياة في وعورة الجبال والوديان فقد تآخت إقدامهم مع الأشواك متلاصقة ملتحمة أيديهم بالسلاح تعايش النبض مع لحظات الحذر...

ولم يفق في عضدهم هول القذائف وأزيز الرصاص أو تهدأ لهم حركة أو نفس تستكين... وكم من مرة مرّ عزرائيل بجانبهم فألقى التحية ومضى إلى عدوهم وكان كل من طلب الموت أرسلوا إليه ما يحتاجه وزادوا في العطاء حتى الثمالة.

ونحن لم تستوقفنا فترة الشباب التي يمكن إن نعيشها بطريقة أخرى. كما أننا لم نتطلع إلى فترة مقبلة خارج إطار ما درجت عليه حياتنا كون الإيمان بالقضية يجعلنا منسجمين مع أنفسنا ومع المفاهيم العقائدية والوطنية.

وانتم يا رفقائي الأبطال أيها الشهداء الأحياء ما أجملكم وما أعزكم وما اعز نفوسكم!

ما أجملكم تتلقفون الحياة بكل التواضع والمحبة... المحبة التي أرادها معلمنا سعاده ان تنتصر فينا فينتصر الوطن.

ما أجملكم أيها المنتجون فكراً وغلالاً في سبيل التحرير والعزة والكرامة.

ما أجملكم وانتم ترددون مع تشي غيفارا ومع ثوار العالم

ما هم أن نموت في دوي صرخات الحرب

ما هم إذا وحدنا غيرنا من يحمل السلاح

يواصل الكفاح ويقود الثورة للنصر

ما هم إذا وجدنا بعضنا، فنحن لا نموت.

 

قصيدة للشاعر عماد ملاعب

 

وبعد قليل

سأوقف ريح الشمال

وأعلن فيها الصهيل

وبعد قليل

سأبسط كفي

وفوق كتفي

سأحمل هذا الطريق الطويل

وامشي صعوداً

كوجه النخيل

وأعلو... وأعلو

أراك يا حيفا...

أراك يا يافا...

انتظرني... انتظرني

يا طفل الجليل

فمسقط رأسك...

مرفع رأسي عند الأصيل

هذا زماني

وذاك مكاني

فكيف أضيع وكيف أبيع

ووجه القدس لديّ دليل

ويأتي الموت أفواجاً

نراقصه...

ويأتي المجد... أبطال

نعانقه

وابن القدس إيماناً

نناصره

فأرضه ارضي...

وشعبه شعبي...

وأزراً... ستخلع ذلك الذليل

وانه جاء طاغٍ...

جبان وخائن

ليسكت صوتي

ويعلن وقتي

يأتي قتيل فذاك عميل

فسوف أميل

واحمل جسمي وامضي

فليس لدي سواي بديل

وعند الوصول...

سأفتح باب العتمة وأغفو

ليكمل بعدي الرحيل...

سأترك جثتي تعلن أني

أعيش الحياة

بموت جميل جميل جميل.

 

عماد ملاعب