جورج أورويل وبرتراند راسل

العدد 5 تشرين الثاني 2005 : ترجمة صخر يوسف الحاج حسين
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 

يعتبر برتراند راسل إحدى القامات الفلسفية الشامخة في القرن العشرين. فقد كتب العديد من الكتب حول موضوعات تتراوح بين المنطق الرمزي وصولاً إلى السياسات الحديثة.

في العام 1920 نشر راسل واحدة من أولى الدراسات النقدية حول البولشفية وذلك من وجهة نظر ليبرالية وقد استشرف العديد من النقاط التي طرحها راسل في هذه الدراسة تلك التي سوف يستخدمها أورويل فيما بعد في روايته 1984.

ظهرت هذه المقالة في الورلد ريفيو world review بعد رحيل أورويل بوقت قصير.

كان جورج أورويل مميزاً كإنسان وككاتب. حياته الشخصية كانت مأسوية. مرضه شكل أحد الأسباب، لكن الأسباب الهامة تبقى في تشبثه بالإنسانية وعجزه عن خلق الأوهام المريحة. ذلك النوع من الرجال، كان سيبدو في الأزمنة الفيكتورية شخصاً راديكالياً مطمئناً مؤمناً بقابلية كمال الإنسان وبالتقدم المتطور والمنظم، أجبره عصره على مواجهة حقائق أقسى من تلك التي هيأت لأسلافنا الفرص الذهبية لجدالاتهم.

وككل شاب يملك تعاطفات وجدانية ثرة، ثار أورويل في البداية على النظام الاجتماعي لعصره ولأمته، وألهبته الثورة الروسية بآمال عريضة. كان من المعجبين بتروتسكي، لكن سرعان ما تحطمت آماله بروسيا الثورة بعد ما حل بالتروتسكيين على أيدي الستالينيين في الحرب الأهلية الإسبانية، دون أن يمنحه ذلك أية آمال أخرى لتعويض خذلانه. وجاء مرضه ليقوده إلى اليأس التام في روايته 1984. لم يكن أورويل متشائماً بطبيعته، كما لم يكن ممسوساً بالسياسة. اهتماماته كانت واسعة، وكان سيبدو أنيساً لو أنه عاش في زمن أقل ألماً.

في مقالة لافتة متعاطفة مع تشارلز ديكنز، يطلق أورويل العنان لنفسه في التعليق على قناعاته التي تقول إن الأهمية لا تكمن في إصلاح المؤسسات، فالأمور ستكون على ما يرام إذا ما سلك البشر الدروب القويمة. لقد كان أورويل يملك الكثير من التعاطف الإنساني والمشاركة الوجدانية ما منعه من سجن نفسه في عقيدة جامدة.

لقد أوجز نظرته إلى ديكنز بوصفه إياه الضاحك بمسحة من غضب في ضحكاته، الخالي من عقدة البحث عن انتصارات وخبث النوايا. إنه وجه ذلك الإنسان الذي يقاتل ضد شيء ما، يقاتل علانية دون أي خوف، وجه إنسان يغضب بسخاء ـ بكلمات أخرى ـ إنه وجه ليبرالي من القرن التاسع عشر مفكر حر، هذا النموذج الذي تنبذه أورثوذكسيات عصرنا الكريهة والضيقة التي تتنافس لكسب أرواحنا. لكن السياسة تتسيّد عصرنا كما تسيّد اللاهوت القرن الرابع. وكتابات أورويل السياسية هي التي ستبقيه في ذاكرتنا وبخاصة روايته مزرعة الحيوانات.

تجبرنا مزرعة الحيوانات، وبشكل تلقائي على أن نقارنها مع رحلات غوليفر (1)، ولا سيما المقطع الذي يتحدث عن الهويننمس (2).

من الصحيح أن حيوانات أورويل بما فيها الحصان النبيل، لا تشبه تجسيدات سويفت للعقل الصقيعي. لكن أورويل شأن سويفت انتمى بعد موت الملكة آن إلى حزب مهزوم وكلاهما عانى من الهزيمة ومن ثَّم اليأس. وكلاهما جسد اليأس الذي أحسا به بهجاء لاذع وساخر. لكن وفي الوقت الذي يعكس فيه هجاء سويفت كراهيةً كونية مشوشة، نجد عند أورويل رقة باطنة: فهو يكره أعداء من يحبهم، بينما لا يستطيع سويفت إلا أن يحب (وبشكل باهت) أعداء من يكرههم. وأكثر من ذلك فإن بغض سويفت للبشر ينشأ بكليته من طموح محبط، بينما تنشأ كراهية أورويل من خيانة المدافعين، بالاسم فقط، للمثل الكريمة. إن أورويل لا يشارك سويفت أياً من هزائمه ففي مقالة لافتة عن غوليفر يعلن أورويل بإنصاف وإقناع، عن صَغار آمال سويفت وغباء مثله.

ثمة مقالة صغيرة كتبها أورويل عام 1941 عن ويلز، وهتلر ودولة العالم. ففي بداية ذلك العام كان ويلز (3) يردد، غافلاً بسبب طيشه، عما حدث في عام 1914: بأن قوة هتلر الكريهة قد قضي عليها: إن موارده العسكرية المبددة والمنحسرة ربما كانت الآن ليست أعظم مما كان لدى الطليان قبل أن يوضعوا على المحك في اليونان وإفريقيا. يرد أورويل معارضاً تبشير ويلز بدولة العالم قائلاً: ما الفائدة من الإشارة إلى أن دولة العالم مرغوبة؟ فكل العقلاء ولعقود خلت متفقون بالجوهر مع السيد ويلز، لكنهم أي العقلاء لا يملكون السلطة. إن هتلر مجرم مهووس ولديه جيش بملايين الرجال. لم يستطع ويلز وحتى أواخر حياته أن يواجه الحقيقة التي تقول: إن العقلاء لا يمتلكون السلطة. لكن أورويل واجهها، وعاش ببرود وتعاسة في هذا العالم الواقعي.

إن الراديكاليين من أمثالي وأمثال ويلز، يجدون الانتقال إلى عالم القوة المطلقة صعباً. وإني ممتن لأورويل وأمثاله الذين يزينون إبليس بالحوافر والقرون التي من دونها يبقى مجرد تجريد.

إن عصرنا يستدعي طاقات من الإيمان أعظم مما كان يحتاجه القرن الثامن عشر والتاسع عشر. تخيلوا غوته (4) وشيللي (5) وويلز وقد زج بهم في بوخينفالد (6) لسنوات، فكيف سيخرجون؟ من الواضح أنهم لن يخرجوا بالحال نفسها التي دخلوا فيها. فغوته لن يكون ذلك الأولمبي (7) ولن يكون شيللي ذلك الملاك العاجز، وكان ويلز سيفقد إيمانه بقدرة العقل الكلية. فثلاثتهم كانوا سيمتلكون المعرفة فيما يتعلق بالواقع الفعلي، لكن هل كانوا سيكتسبون الحكمة؟

يعتمد هذا على مدى شجاعتهم وقدرتهم على التحمل وقوة إيمانهم الفكري. فلمعظم الفلاسفة سعة نظر أكبر عندما يحصلون على ما يسدّ الرمق، فالجوع يقود المرء إلى الجنون. ومن نافل القول أن الألم الشديد يجعل من الناس أكثر حكمةً.

إن رجالات زمننا هذا الذين يشبهون غوته أو شيللي أو ويلز في الطباع أو في القدرات الفطرية خاضوا وعلى الأغلب إما تجارب شخصية وأما مشاركات وجدانية تخييلية تشبه، أكثر أو أقل، تجربة السجن في بوخينفالد، وكان أورويل أحد هؤلاء الرجال. فقد حافظ على عشق معصوم للحقيقة، وسمح لنفسه أن يتعلم أكثر الدروس مرارة. لكنه فقد الأمل وهذا ما منعه من أن يصبح نبياً لعصرنا. ربما كان من المستحيل في عالم كهذا أن يجمع المرء الأمل مع الحقيقة وإذا كان هذا قد حدث فإن جميع الأنبياء ليسوا بأنبياء.

بالنسبة لي، عشت طويلاً في عالم أكثر سعادة ما يجعلني لا أقبل هذا المبدأ المتوهج. وإنني لواجد في رجال شأن أورويل نصف ما يحتاجه العالم، ما يحتم على النصف الآخر أن يتابع بحثه عن الحقيقة.

حواشي :

1 ـ Gullivers travels : للأديب البريطاني جوناثان سيوفت. المترجم 2 ـ Houyhnms : بعض الأقوام التي التقاها غوليفر في رحلاته. المترجم 3 ـ George Herbert Wells: 1866 ـ 1946 كاتب إنكليزي وفيلسوف سياسي اشتهر برواياته التي استشرفت انتصار التكنولوجيا، كان يؤمن بقدرة العقل إلى حد بعيد. المترجم 4 ـ أعظم شعراء ألمانيا. 5 ـ الشاعر الإنكليزي المعروف. 6 ـ buchenwald أحد معسكرات الاعتقال في ألمانيا النازية. المترجم 7 ـ Olymipian المقصود هنا الإله اليوناني القديم. المترجم