العدد الواحد والثلاثون - آذار

على قارعة الطريق

فاطمة قبيسي
السبت 15 آذار (مارس) 2008.
 

اليوم يتجاهلني! يقف حانياً رأسه منكباً على جريدته اليومية. كنت أراه من بعيد فأظنه ذلك المتعجرف الذي يرمق الناس بنظرات عناد وشراسة ليحطم كل كبرياء غير كبرياءه.

ينتظر الأوتوبيس اليومي ليذهب إلى عمله، أما أنا فأمر بحانبه مرور ورقة سقطت من على غصن شجرة خريفية فتقاذفتها الرياح إلى مكان غريب... ولم تعد تدري ما مصيرها.

يرتدي بذلته الرسمية حاملاً على كتفه حقيبة تثير في الفضول لمعرفة ما فيها.

نعم! عيناه خضراوان واسعتان، وحان قطافهما. الشعر كستنائي ومشع، كأنه منسوج بخيوط الشمس، والابتسامة الحارة لا تفارق شفتيه اللتين تبدوان كأنما فرغتا للتو من قبلة محمومة.

رائحته العطرية الدافئة هاجمتني منذ اللحظة الأولى، شعرت بأن صدري ينشق وأنني لم أعد قادرة على التنفس. أحيانا كنت أتأخر عن موعدنا، أو بالأحرى، موعدي أنا مع عينيه ورائحته العطرية وابتسامته الدافئة، فأقف وحيدة عند زاوية الطريق وأبكي حين أرى الأوتوبيس يأخذ آخر آمالي ويرحل بعيداً، فيترك حرارة الفقدان في رأسي، وتخنقني رائحة التفاصيل المستعلة.

ولكنه اليوم يتجاهلني! حتى أنه لم يرمقني بتلك النظرات التي أعشقها... نظرات العناد والشراسة، وكأن ضوء الفجر ينبعث من هاتين العينين.

ترى أيزعجه مروري بقربه كل صباح؟ أتزعجه نظرات الشوق من عيني الحزينتين الغارقتين في بحر كبريائه؟ أم يزعجه توقف أنفاسي لحظة تحتلني رائحته المثيرة؟ أم تراه ينزعج اليوم من تأخري عن المرور بجانبه؟

لا أدري... كل ما أدري أنه يتجاهلني... لماذا؟ لماذا يتجاهلني؟ هل أقترب وأسأله؟ لا... فليتجاهلني.. أول مرة ابتسم لي، شعرت شعرت بفرحة كفرحة طفل اكشتف نشوة المشي للمرة الأولى، من إحدى صفحات مذكراتي. أحيانا كنت أشعر بغيرة خفية من حقيبته التي تلاصقه دائماً، وتستطيع أن تسمع كل دقة قلب بين أضلعه. أتراه يأتمنها على أسراره وإحساسه وأفكاره؟ لا أعلم... كل ما أعلم أنه اليوم يتجاهلني.

يتملكني شيء من الذهول، حالة من اللاوعي. إحساس بالوحدة واليتم. إحساس بالضياع بمتد بين الأرض والسماء وكأنها خيانة العقل للقلب، خيانة اليوم للأمس وخيانة اليقظة للحلم.

هنا على قارعة الطريق لن أكون في أسطر حياتك نقطة كباقي النقط... ولا كلمة عابرة مرت في جريدتك اليومية. ولن أمشي وحيدة في شوارع أحلامك، ولن أحن إلى بقايا العطر الذي لا يزال يطرق أبواب ذاكرتي. صفحة أخرى من مذكراتي. سأكون لك الحب والجنون، الحياة والسكون.

سأسكن مملكتك وأرتمي في بحر أسرارك. سنتمشى معا في الأزقة والأسواق دون أن ترافقنا حقيبتك.

ها قد وصل الأوتوبيس. ها هو يصعد بكل كبرياءه وسحره وقبل أن يدخل أراه يلتفت فيرسل إلي ابتسامة عطرية دافئة.

إذاً لم يتجاهلني، وغداً لن يتجاهلني.. وبعد غد، لن ولن يتجاهلني.

فاطمة قبيسي