العدد الواحد والثلاثون - آذار

دعك من الزواريب ... الطريق هناك

زاهر العريضي
السبت 15 آذار (مارس) 2008.
 

رسالتي اليك ... ربما تكون الاخيرة

 

ساحاول ان أخبرك عن حالة كنت لولا سفرك ستعيشها عن قرب ، سنوات طويلة وانت غائب عن وطن تركت فيه طفولتك معلقة على جدران الحي واماكن احببتها واعتادت عليك ،لكن لم تكن على مستوى طموحك واحلامك فاقصتك عنها .

اتذكر يوم رحيلك حين تركت اشوقك وحنينك هنا وكل ما تملك من ذكريات تركتها لتستقبلك حين تعود.

ما زالت اشجارنا وبيوتنا المهجورة كما هي ... تحفظ اسرارنا وتكتم احاديثنا ،يوم كنا نتساءل عن وطن على مستوى احلامنا وانظارنا ... كنا نحاول ان نفهمه لكي يبقى وطن في وجدننا وانتماءنا .

صديقي الحبيب

اعلم انك تتابع كل مجريات الامور والاحداث المتلاحقة .. كانك ما زلت موجود ها هنا ، في عودتك الاخيرة كنا قد ذهبنا الى الجنوب بعد تحريره عام 2000 كانت الفرحة تلتحف وجوهنا واحاسيسنا اقوى من التعبير امام مشهد التحرير وفرحة الناس هناك ..المشهد تكرر معي بعد انتصار صيف 2006 رغم فظاعة ما حدث كان للانتصار وقعه الغريب .

ما يحزنني اليوم ، اننا نعيش حرب اشباح

منذ اغتيال رفيق الحريري اي ما يقارب الثلاث سنوات والاغتيالات مستمرة في كل مكان ... اتهامات وما من خيط يوصلنا الى اليد السوداء ..ما من دليل للقاتل والفاعل ... تفجيرات على الطرقات تموت ولا تدري لماذا ،شبح الوت يطاردك في كل مكان وزمان .

كانك دائما في لحظاتك الاخيرة ويومك الاخير ... تخرج من بيتك وقد تعود ضحية الغدر والحرب العبثية ... ما من مسؤول .. والمجرم مجهول .

لم ننتهي بعد ... المشهد لم يكتمل

معركة حامية في نهر بارد والنتيجة شهداء وجرحى من اجل الوطن .. تفجيرات متكررة تصفية حسابات ... ملامح لوجه المجرم ويد الاصولية التي تفعل فعلها .

المشهد يتكرر في يوميات مواطن لبناني .

انقسامات ، سياسات ضيقة ، سياسيون اقزام .. راية الحرب الاهلية تلوح بين الحين والحين ،اعود الى طفولتي ملامح وجهي التعيس التهجير والتشرد من مكان الى اخر ،رائحة تلك الحقبة اعرفها واكرهها .

ها هي تعود لتنتشر من جديد .الصورة مازالت معلقة في البيت ،اثار الدمار لم تمحى .الصورة لم تصبح عتيقة .انها موجودة في كل بيت لبناني .الابرياء يدفعون الثمن .. اي ثمن .... لماذا .... لمن ..

انهم امراء الحرب والسلم .. الطوائف المنغلقة ... الرائحة تعود الى ازقة وشوارع بيروت ..لم نتعلم ، لم نشفى ، لم ننتهي ، كاننا كنا في هدنة .. اعادة تموضع ... استراحة مقاتل .. ونحن لم نفعل شيء .

نعم يا صديقي

كنا اغبياء وصدقنا ... كنا حالمين واستطردنا في الاحلام ... حاولنا ولم نفلح ...

توقف المدفع .. لكن الكراهية لم تموت والطائفية لم تعالج والمذهبية ازدادت والاموات ضحايا ... شهداء طوائفهم واهلهم ..انتهت الحرب الاهلية بشكل مؤقت .. المشانق لم تعلق والشعب لم يحاكم جلاديه بل قلدهم الاوسمة ونظم لهم قصائد المديح وصفق لاجرامهم دفاعا عن زاروب وحي .. قبيلة ومذهب وطائفة .

كنت لافاجأ ، كانت الصدمة لتعتريني .ولكن الاسباب معلومة والنتائج واضحة .. انفصام الشخصية والازدواجية التعصب والعقلية القبلية الكذب المتبادل ...لم يبنى وطن .قد يكون ما زال في مخيلتك وطن وفي داخلك حنين الى ترابه ،وانا هنا على هذا التراب امام ما يجري لم يعد في مخيلتي الا اشباح واياد سود ولحظات غدر .. قناص ينتظر من يمر .

نعم يا صديقي هذه هي يوميات مواطن لبناني

ربما ستكون رسالتي الاخيرة

تريدني ان ارحل الى حيث انت

ادري. تصور امي تريدني مع كل صباح ان ارحل من هنا .

لكني سابقى

لا مكان لي في هذا العالم الا هنا

رغم الموت الذي ينتظرني والياس الذي سياكلني

هناك ما يترك في داخلي بعض الامل ، هناك ما يجعلني ابقى ،

هناك الطريق ،وهناك الحقيقة بعيدا عن الزواريب والشعارات الكاذبة

الديمقراطية المزيفة والسيادة المرتهنة

منذ ايام ازهرت الحقول ... اتذكر يوم كانت الثورة تضج في داخلنا ، نسال عن وجوه نعانق ظلها واياد تفعل فعلها

عن ابطال حقيقيين منهم من كان شهيدا ومنهم من ينتظر ،، اتذكر رائحة اللوز والليمون ونحن متجهين الى الجنوب ، تلال تاخذك الى هواء فلسطين .. هناك عيوننا كانت تصدح مع فيروز مؤمنين بان هذه الارض ارضنا وستعود كنا وقتها نشتم رائحة المقاومين نحاول ان نكتشف سرهم نبحث عنهم ... اين هم ... من هم

اصواتهم في حناجرنا ... عنفوانهم يغلي في داخلنا .. يزرعون العزة فينا ويمضون في ليلهم يتربصون بعدوهم الحقيقي .

اليوم يا صديقي .. احدهم خرج الى العلن ليعلن الطريق لم تعد بعيدة

اليوم يا صديقي

اعلن شهادته وترك وراءه افواج مثله ... لم نسمع عنه ... لم نراه .. لم يخرج الى العلن ويعتلي المنابر ويحجز مكان على الشاشات .. انه رجل الظل .. اليوم ترك كل الاوصاف والالقاب لم يعد الثعلب ولا الشبح ولا الارهابي الخطير

اليوم نزع قناعه الصامت ليعتلي مكانه الحقيقي لياخذ اسمه ويلبس ثوب الشهادة انه عماد مغنية .

فلا تكترث للزواريب ..هناك الطريق ..انظر وتقدم

 

زاهر العريضي