العدد الثاني والثلاثون - نيسان

العقلنة كأساس لبناء المستقبل...

زهير فياض
الاربعاء 23 نيسان (أبريل) 2008.
 

العقلنة مسارٌ معرفيٌ أخلاقي في مقاربة مشكلات الواقع الاجتماعي بتشعباته وتعقيداته ومناحيه واتجاهاته المختلفة، وهو المسار الآمن الذي تعتمده الأمم الحية التي تسعى الى التقدم والتنمية وحل المشاكل بعيداً عن الانفعال والتعصب والانجراف وراء الغرائز والأهواء...

ثمة حاجة حقيقية لأن نرسي منهجاً عقلانياً علمياً يساعدنا على قراءة الواقع الذي نحياه بغية رسم خارطة طريق لمستقبل أجيالنا التي ولدت، أو التي لم تولد بعد...

فالعقل هو الشرع الأعلى الذي يقود حركة المجتمع، وعلى ضوء معطيات هذا العقل يحدد المجتمع خياراته الأساسية في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والأمن والعلاقات داخل المجتمع الواحد، أو على مستوى العلاقات بين الأمم والشعوب والمجتمعات...

إن أمتنا تحتاج الى هذا المنهج العلمي لتحديد أولوياتها في هذه المرحلة التاريخية بما تفرضها من تحديات، وهي أحوج ما تكون الى جيل جديد يتبنى هذا المنهج لاصلاح البنى السياسية والاجتماعية والأمنية والثقافية والتربوية القائمة لتستطيع بالفعل لا بالقول أن تثبت في معترك الصراع العالمي القائم...

الإشكالية في بلادنا اليوم تتجسد في كون القضايا المطروحة جد متأخرة في زمان طرحها، وهي تتناول أسئلة حسمتها غالبية الأمم التي يتكون منها هذا العالم، أي أسئلة الهوية والانتماء والكينونة والصيرورة وبالتالي الفعل، أي بكلام آخر أن ما يقع في سلم أولويات أمتنا اليوم هو قضية وجودها بحد ذاته، وهي مسألة معقدة ومتشعبة ولكنها في ذات الوقت القاعدة الأساس لتحديد مسارات الحاضر والمستقبل!!!

ففي زمن العولمة وتجاذبات القوى المتصارعة على مدى العالم لا مكان لبنى وطنية أو اجتماعية غير موحدة وغير مستقرة أو مفككة، فالأساس هو في بناء الذات وحل اشكالية الهوية ومن ثم الانطلاق الى تحديد المشكلات والمعوقات أمام مسائل من نوع أخر ولاحقة تتعلق بقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أو مسائل الاصلاح التربوي وغيرها من المشكلات...

وعنوان الصراع الجاري اليوم في ما يخص أمتنا له علاقة بتحدي الهوية وكيف نربط الهوية بقضية الوحدة، وكيف نربط مسألة الوحدة بموضوع التقدم والتنمية والازدهار والرخاء والرفاهية وترقية مستوى الحياة بوجوهها المختلفة...

لا يمكننا أن نلج هذا العالم أفراداً أو قبائل أو عشائر أو طوائف أو مذاهب متقاتلة ومتناحرة، بل وجب أن نقدم أنفسنا في إطار بنية وطنية وقومية متراصة ومتينة وموحدة تملك هويتها وخصائصها وميزاتها وأهدافها وغاياتها ومثلها العليا، وقت إذٍ تصبح المسائل الأخرى المتصلة بتجويد الحياة مسائل تفصيلية يمكن مقاربتها على ضوء العقل بأبعاده المختلفة...

وعندها فقط نستطيع أن نتطلع الى ما وراء الحدود لكي نثبت بالفعل أننا جزء فاعل من هذا العالم...