العدد الثاني والثلاثون - نيسان

رحلة الهجوم... إلى إفريقيا وجه واحد لاستعمارين

منصور عازار
الاربعاء 23 نيسان (أبريل) 2008.
 

 

أعود الآن إلى الجامعة اليسوعية، إلى كلية الحقوق تحديداً. كان نشاطنا وتحركنا بين الطلبة الجامعيين غير مستحب منا قبل الادارة وبعض الاساتذة. كانت الجامعة اليسوعية تعد رجال القانون ورجال السياسة لادارة المؤسسات اللبنانية، لغايات لا تتناقض والسياسة الفرنسية.

الديمقراطية الفرنسية، والحريات الأكاديمية، كلام بلا طائل شعارات بلا ترجمة. الديمقراطية اختصاص فرنسي واحتكار فرنسي، والحريات الأكاديمية انتقاء نخبوي. لا تعميم لفضائل الديمقراطية ولا اشاعة لمناخات الحرية عندما تصطدم المبادئ بالمصالح تطيح المصالح بالمبادئ.

الحركة كانت قاسية وصامتة. لم نتزعزع على الرغم من التهديدات المبطنة التي كانت تصلنا من وقت إلى آخر بواسطة بعض الأساتذة والإداريين ومنهم الأستاذ اسكندر عبد النور الذي كان المسؤول عن التسجيل في الجامعة، وكان محبباً جداً لدى الطلاب. غالباً ما أوحى إلينا برسائل عدم الرضا من قبل الادارة.

لم نخف، ازداد عددنا إلى أن بات حجمنا يشكل قلقاً بسبب سرعة انتشارنا في كليات أخرى، فالهندسة والطب. عندها، انتقلت الرسائل الناصحة بالكف عن نشاطنا إلى تهديدنا مباشرة من قبل الأب مازاس (mazas) اليسوعي الفرنسي، بضرورة وقف أنشطتنا الفكرية والسياسية، لئلا نتعرض إلى الحرمان من ممارسة مهنة المحاماة في المستقبل.

للديمقراطية أنياب أشد فتكاً من الدكتاتورية، إذا قضت الحاجة والمصالح إلى ذلك.

ازددنا عناداً ومتابعة... كنا ضد الانتداب بقوة، صرنا ضده بشراسة.

كانت معركة الاستقلال على وشك الاندلاع. الأجواء محمومة، الأفكار تغلي، الخطوات حماسية. اتجهنا لتنظيم مظاهرات واحتجاجات، وكنا نلتقي بأقطاب سياسيين كثر: اميل لحود، كميل شمعون، حبيب أبو شهلا، الأمير مجيد ارسلان. كان ارسلان أقربهم إلينا من خارج المعتقل، وبغياب الزعيم انطون سعاده في مغتربه القسري، مع السلطات الجديدة، لضمان دور للحزب عند بلوغ الاستقلال.

في تلك الفترة، تكاثرت الأسئلة الفكرية والنقاشات السياسية. كنا نلتقي في أحراج القرى أو في بيوت مخفية عن الأعين، بكبار القادة، وتحديداً مع جورج عبد المسيح وخالي أسد الأشقر، وكنا نطرح كل اسئلتنا وهمومنا ومشكلاتنا، كنا بحاجة إلى زوادة فكرية لمواجهة الاسئلة الجديدة والأجوبة الجاهزة.

باختصار: تعقدنا. صرنا أبناء طوائفنا. لم نعد أبناء مناطقنا. اتسع أفقنا الإنساني. صرنا قوميين اجتماعيين مؤمنين بضرورة الوحدة بعد التجزئة، وبالسيادة بعد الانتداب، بالحرية بعد الاستعباد، وبالنهضة، بعد عهود الظلام الممتدة من القرون الوسطى إلى يومذاك.

ابتعدت في تلك الفترة عن التفسير الديني لنشوء المجتمع وتكوين بنيته وعلاقات الناس فيه. النظرة الدينية إلى الوجود، ايمانية. النظرة إلى المجتمع عقلانية. اتجهت إلى العقل، فأضاء لي سعاده، بمبادئه وكتاب نشوء الأمم، الطريق إلى فهم مجتمعنا، وفهم قضيتنا.

أتذكر أن عطشي إلى المعرفة كان أبعد من الارتواء. كنت أريد أن أعرف. أبحث ولا أجد أجوبة شافية.

كان علي انتظار سعاده وعودته لكنها طالت.

أتذكر، فيما كنا في غمرة الانتظار، عادت والدتي من افريقيا. وكانت عودتها أشبه بأسطورة ومغامرة خيالية، أخذت، مع لبنانيين آخرين الطريق الصحراوي براً، من اكرا في غانا إلى لاغوس في نيجيريا ومنها إلى القاهرة، في قافلة طويلة، قضت شهراً كاملاً حتى بلغت مصر.

إنه الإثم الكنعاني. هؤلاء المغامرون، يشدهم الوطن إلى ربوعه. يخترعون المعجزة، يتصيدون المناسبات، يركبون الخطر. والمكافأة المرغوبة احتضان القلب لحنايا الأمة.

كانت والدتي جدتكم أيها الأحفاد، في منتصف العمر، دون الخمسين، فقدت الاتصال بوالدتي طيلة أيام الحرب. وإذ بي أفاجأ بوصولها مع أخ لي صغير ولد في غانا. تبدلت أحوالي وتغيّرت وبتّ أشعر أن لي منزلاً آوي إليه وأن لي والدة تنتظرني وتسأل عني وتضيف حناناً وحباً لأولادها وتضحي في سبيلهم بكل شيء. وكان والدي قد أوصاها بأن أتحضر للسفر عندما تسمح ظروف الحرب بذلك وبعيد إنهاء دروسي الجامعية.

كان علي أن أسافر ولكنني كنت قد اعددت قلبي لمن اخترتها حبيبة وزوجة. أمي كانت موافقة. اصراري على القلب اقنع عقل الوالد، فأرسل لي اوراق السفر، وكنت قد رتبت أمر الزواج.

إلى شاطئ الذهب مع عروسي وعاصمة اكرا. إنه السابع من تموز من العام 1945. السفر في ذلك الزمن كان محفوفاً بالمفاجآت والخطر. وكنت قد وضعت تلك الرحلة في كتابي أوراق من الماضي.

كنا انتظر البريد بفارغ الصبر لينقل الينا بعض الأخبار والحوادث التي كانت تقع هناك، ونشأت مراسلة متواصلة وغنية بين استاذي جورج مصروعة وبيني، وضعتني في أجواء الوطن والحزب. كان نشيطاً جداً. أسس في الفريكة مدرسة الناشئة الوطنية ومعظم طلابها من أبناء المغتربين وخصوصاً القومين منهم في اكرا وكوماسي. وتولى جورج الاهتمام بدروسهم وتوجيههم التوجيه المطلوب من الأهل.

وبعد سنة من وصولي إلى اكرا منحتني الحياة ابنة اسميتها هاديا، فتغيرت كل الأجواء حولنا وتركز اهتمامنا بهذا المخلوق الجديد القادم إلينا ليغير الكثير من الرتابة في حياتنا.

عندما اتذكر غانا، وأيامي فيها، أجد نفسي موزعاً بين عقيدة أؤمن بها، وتجارة أسعى فيها وعائلة اهتم بها، ووطن بعيد عني أشتاق إليه. ومع ذلك، فإن هذه الاهتمامات لم تصرفني عن متابعة الأنشطة السياسية التي كانت تعج بها العاصمة اكرا وأخبار زعمائها الذين يتحركون لنيل الاستقلال.

فيما أنا موزع الاهتمامات، عاد من الولايات المتحدة الاميركية الدكتور كوامي نكروما الذي تخصص هناك باللاهوت والفلسفة معاً. حمل معه افكاراً كثيرة تضيء طريق شعبه إلى الحرية وإزالة هيمنة الاستعمار البريطاني. انخرط نكروما في حزب المؤتمر وبات قطباً اساسياً فيه.

اختار نكروما الطلاق الودي مع بريطانيا. التحرر عبر التفاهم. استعادة السيادة بالتراضي. ومع ذلك، فلم تكن بريطانيا مستعدة لسماع صوت العقل.

تبوأ نكروما في حزب المؤتمر موقع القيادة، وبدأ نشاطه يتسع، وميثاق الغانيين مع الحرية يتوطد. وحضرت ساعة الحقيقة بصوت داو الاستقلال الآن. وكانت ترجمة هذا الشعار، أول موجة من الاصطدامات بين قوى الشعب والحزب وبين السلطة الاستعمارية. وتكررت الصدامات كل يوم.

اتصلنا بنكروما اتصالاً فكرياً ونضالياً. كنا نرغب، كأعضاء في الحزب القومي في نقل ثقافتنا وفكرنا اليه، لأننا رأينا ان التحرر والاستعمار مرحلة مهمة، ولكن الأهم هو بناء وطن موحد. فغانا مهددة بحروق قبائل وفضائل كثيرة. الاشنتي في الداخل وعاصمتهم كوماسي وهؤلاء معروفون بشدة بتفوقهم في القتال، ونزعتهم الانفصالية، أما الغاني (Fanti) في اكرا، فهم من التجار المعروفين والمنتشرين في منطقة تاكورادي وسكندي، هذا، بالإضافة إلى عدد من القبائل المتعايشة في بعض المدن المشاطئة للمحيط.

تنبه نكروما إلى أن وحدة الشعب هي الأساس وأن الاستعمار يعرف كيف يمكن أن يستمر، عبر تمزيق الوحدةة الوطنية، مفرقاً بين الاتنيات.

 

منصور عازار