العدد الثاني والثلاثون - نيسان

ماذا حصدت واشنطن بعد خمس سنوات من الحرب على العراق؟

نكبة بشرية - خسائر اقتصادية هائلة - تقدم ايراني - تراجع عربي
الاربعاء 23 نيسان (أبريل) 2008.
 

في 9/نيسان/ 2003، سقطت بغداد عاصمة العراق. يومها، ادعى الرئيس الأميركي جورج بوش أن هدف الحرب الأميركية على العراق واحتلاله هو تجريده من أسلحته فوق التقليدية من كيماوية وبيولوجية وحتى نووية، ولكن سرعان ما تبين عدم صحة هذه الأقوال. قال البعض ان الهدف هو النفط، وقال الآخر ان الهدف هو تنفيذ المشروع الأميركي بشرق اوسط جديد، وقال آخرون ان الهدف ضرب ايران ودعم المشروع الاسرائيلي. مهمن يكن، منذ خمس سنوات، سقطت بغداد، ودخلت الاقوات الاميركية الى العراق لتطوي صفحة صدام حسين وتكتب بالحبر والدم تاريخا جديدا للعراق واهله.

في الواقع، لم يكن الحصول على العراق إنتصاراً سهلاً كما توقعه العسكريون الاميركيون، وإنما كابوساً من العنف الطائفي وإنفجارات الطرق، راح ضحيته إقتصاد العراق الذي انهار مع السمعة الأمريكية التي دمرتها سجون أبي غريب وغوانتانامو والسجون السرية للإستخبارات المركزية. هذه الصدمة الأميركية تتجلى في الصراعات الداخلية بين الديموقراطيين والجمهوريين، وبين الجمهوريين انفسسهم وداخل ادارة بوش، وآخر تجلياتها كان استقالة الأميرال وليام فالون قائد القيادة العسكرية الأمريكية (الوسطى ) المسؤولة عن احتلال العراق وأفغانستان على اثر خلافه مع الرئيس بوش. هذا بالاضافة الى خطاب الرئيس بوش المربك، الذي جاء على وقع التظاهرات الشعبية المنددة بالحرب والمطالبة بسحب القوات من العراق، والذي تضمن المغالطات، مثل ادعائه هروب ضباط الجيش العراقي وانضمامهم للمقاومة من أجل منع تحرير العراق في حين أن الحقيقة هي قيام الحاكم الأمريكي بول بريمر بحل الجيش وقوات الشرطة العراقية.

فما هي صورة العراق والولايات المتحدة الأميركية بعد خمس سنوات من الحرب؟ ما هو الواقع السياسي والقتصادي والعسكري للعاصمتين المنكوبتين بغداد وواشنطن؟

 

العراق اليوم: استقطاب طائفي ، اقتصاد منهار، 5 ملايين نازح!

باعتراف أميركي، وبعد خمس سنوات، هذا ما يمكن استخلاصه:

** قوات الأمن العراقية لم تتحسن بدرجة كافية لإجراء عمليات أساسية بطريقة مستقلة عن قوات التحالف بأسلوب

متواصل في أماكن متعددة، وان قوات الأمن العراقية تبقى معتمدة على قوات التحالف في جوانب مهمة من الناحية

اللوجستية والدعم القتالي.

** ما زال نفوذ الميليشيات والمتمردين مستمرا في تقويض مصداقية وحدات "قوات الأمن العراقية" والتدخل

السياسي في العمليات الأمنية يستمر في تقويض قوات الائتلاف وقوات الأمن العراقية معا.

** وضع الحكومة العراقية حرج وسيشهد تشققات كثيرة في الفترة المقبلة.

** حالة الاستقطاب الطائفي بين الكيانات الاجتماعية في العراق واضحة في بغداد حيث يشكل الشيعة أغلبية واضحة في أكثر من نصف المناطق السكنية بينما أصبحت المناطق السنية محاطة بمناطق ذات أغلبية شيعية. ومع تعمق النزوح على أساس طائفي تقلصت مستويات النزاع الى حد ما لأن الكيانات المتنازعة تجد صعوبة أكبر في التغلغل في مناطق الأطراف الأخرى.

** دول الجوار ستستمر في التركيز على تحسين مواقعها داخل العراق توقعا لانسحاب قوات التحالف. وتقديم

المساعدة للجماعات المسلحة من ايران يظل عنصرا مغذيا للعنف في العراق، بينما لا تدعم الدول العربية الحكومة العراقية، وهذا يعزز رفض السُنة العرب العراقيين لشرعية الحكومة.

**على الصعيد الاقتصادي، فحدث ولا حرج عن النقص في الخدمات الحصية والاجتماعية، والتراجع في الدخل الوطني والفردي، والفقر والبطالة، وتراجع نوعية التعليم، والعجز التجاري وسرقة الآثار المستمرة (ىخرها سرقة متحف بغداد) وارتفاع معدلات الجرائم.

**4.2  مليون نازح عراقي والعدد في ازدياد: فقد ذكرت البي بي سي أن الأرقام الأخيرة التي أصدرتها وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة  تظهر أن عدد العراقيين الذين يهربون من منازلهم في ازدياد. الرقم الأخير هو ستون ألفاً في الشهر، بالمقارنة مع الرقم السابق والذي هو خمسون ألفاًهذا وتقدر الوكالة أن 4.2  مليون عراقي نزحوا منذ بداية الغزو،  ومن هؤلاء غادر مليونان إلى الخارج.

أما الذين نزحوا داخل العراق، فقد هرب أكثر من نصفهم منذ تفجير مسجد سامراء في شباط 2006، والذي أدى إلى نشوب موجة من الصراع الطائفي.

هذا وقد قال الناطق باسم هيئة غوث اللاجئين جنيفير باجونيس إن كثيراً من العراقيين يصارعون للحصول على ضرورات الحياة الأساسية. وأضاف أن العراقيين يواجهون صعوبة متزايدة في الحصول على الخدمات الاجتماعية داخل العراق ويختار كثير من العراقيين مغادرة المناطق المختلطة اثنياً قبل أن يُجبروا على القيام بذلك.

وتقدر سوريا أنه يوجد الآن أكثر من 1.4  مليون عراقي ضمن حدودها. وتقول الأردن أن فيها 750.000 عراقي. هذا وقد شكت البلدان من عبء الذي يفرضه اللاجئون على النظام الصحي والنظام التربوي، هذا وقد سجلت وكالة غوث اللاجئين أكثر من مائة وسبعين ألف عراقي في البلدان المجاورة للعراق. ورغم أن الوكالة أحالت أكثر من 13,200  لاجئ إلى بلدان أخرى من أجل الاستقرار فإنه لم يُسمح إلا لعدة مئات سمح لهم إلى بلدان ثالثة.

 

 

 

 

الولايات المتحدة: اقتصاد متراجع، تكاليف مضاعفة، 4 آلاف قتيل، سمعة منهارة

 

لتاريخه ، طلب الرئيس الاميركي 607 مليار دولار للحرب العراقية منذ العام 2003. وهي اعلى بمقدار عشرة اضعاف من التكلفة المقدرة قبل الحرب والتي بلغت من 50 الى 60 مليار دولار. وبحسب التقرير يمكن تامين ضمانات صحية لكافة الاميركيين غير المأمنيين صحيا بهذه التكاليف. وهناك العديد من التكاليف غير الظاهرة في طلبات الادارة الميريكية المالية، ولعل الدين الذي حل مكان الاستثمار المنتج وقلص من الانتاج في الاقتصاد الاميركي في المستقبل. بالاضافة الى تكلفة فوائد الديون التي تساهم بتسرب الاموال للاجانب من ابرز تلك الآثار السلبية على الاقتصاد الاميركي، عدا عن ان الازدياد في اسعار النفط وتكابف معالجة الجرحى ، انخفاض النتاج بسبب المصابين، و تكلفة اصلاح الاسلحة والعتاد. ويبلغ مجموع هذه التكاليف ما يعادل 607 مليار دولار الى 1,3 ترليون دولار. واذا ما اضيفت اليها تكاليف الحرب على افغانستان تصبح 1,6 ترليون دولار.

 

وبحسب اللجنة الاقتصادية المشتركة التي يتراسها عضو مجلس الشيوخ السيناتور شارلز شومر، فان التكاليف المحتملة لمدة عشر سنوات مقبلة ، ولان الادارة الاميركية لم تكن واضحة في خططها المستقبلية فقد تكون هذه الافتراضات نظرية. ويسلط هذا التقرير الضوء على تصريح وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس الذي شبه الحرب على العراق بالحالة الكورية وافنرص ان يتقلص عدد القوات الأميركية في العراق بنسبة 66 % بحلول العام 2013 و الى 33% في افغانستان. وسوف نتحدث عن التكاليف الخفية لحرب العراق في قسمين:

 

 

القسم الاول:

يقدر هذا الفسم مصاريف دافعي الضرائب المبنية على معلوات خدمة الابحاث ومكتب الموازنات في الكونغرس .

 

المخصصات المباشرة للحرب:

قبل بدء الحرب قدرت ادارة بوش تكاليف الحرب بين 50 و60 مليار دولار، وطلب بوش عشرة اضعاف هذه المخصصات بين العام 2003 و 2008 . واذا ما تمت الموافقة على طلبات التمويل للرئيس بوش سترتفع النفقات لتصل الى 607 مليار دولار بحسب خدمة الابحاث في الكونغرس الاميركي. وهذا يتضمن ايضا 450 مليار دولار خصصها الكونغرس بين العام 2003 و 2007. بالاضافة الى 158 مليار للعراق من التكاليف الاضافية المكملة التي طلبتها الادارة الاميركية عام 2008. وتعتمد التقديرات للتكاليف بعد العام 2008  على مسار الحرب في المستقبل. وسيتم التركيز على تقديرات مكتب الموازنات في الكونغرس التي تفترض انخفاضا لعدد القوات الاميركية بحسب ما اشار وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس مشبها اياها بفترة الحرب على كوريا. فبعد الحرب على كوريا انخفضت القوات الاميركية بمعدل 50 ال60 الف جندي بين العامين 1960 و1970. ويفترض هذا السيناريو ان القوات الاميركية في العراق ستتقلص من 180 الف جندي الى 55 الف جندي في العام 2013. وهذا يفترض بالتالي ان التمويل سينخفص في العام 2009 وستصل مخخصات الحرب المباشرة الى اقل من 60 مليار دولار في العام 2013 بعد ان كانت 135مليار دولار في العام 2007.

 

 بسبب استدانة تكاليف الحرب، سيضطر دافعو الضرائب لتحمل تكاليف الفوائد على هذه الاموال، حتى تسديد الديون. ويبلغ هذا الدين 660 مليار دولار بحلول العام 2008 . و 1,7 ترليون دولار في العام 2017. ولهذا الدين آثار عديدة والاهم انعكاسه المباشر على دافعي الضرائب الذين ستتوجب عليهم فائدة سنوية . و ستفوق كلفة الفائدة  للديون المتعلقة بالعراق ال 23 مليار دولار في العام 2008 . واذا تم البناء على سيناريو تقليص عدد القوات ستبلغ كالفة الفوائد 80 مليار دولار سنويا ومجموع هذه الفوائد سيبلغ من 2003 الى 2017 حوالي 550 مليار دولار. لان معدلات الفوائد تبقى ثابتة بمعدل 4,5 %. وستتراكم الفوائد الى ما بعد العام 2017 اذا لم تسدد الديون. وتسديد الديون اصلا يفترض زيادة في الضرائب. ونفقات دجافعي الضرائب هي مجموع الميزانية المباشرة والفوائد. تبقى ثابتة بمعدل 4,5 % وستتراكم الفوائد تاى ما بعد العام 2017 اذا لم تسدد الديون.

 

القسم الثاني :

 

هناك تأثيرين منفصلين على أسعار النفط في الولايات المتحدة، الاول التحول المباشر للثروة من المستهلكين الاميركيين الى منيجي النفط الاجانب. و قد يبطل مفعول هذا الاثر اذا ما اذا تقلص عدد مستهلكي النفط في الولايات المتحدة، او في حال صرفت عائدات النفط الاجنبية في الولايات المتجدة الاميركية.

و يوافق معظم الاقتصاديين على ان هناك آثار غلى الاقتصاد الاميركي ابعد من ذلك من جراء ارتفاع اسعار النفط. التغير في اسعار النفط يقلص التمو الاقتصادي، وثانيا الدين هو من الراسماليين الاحانب و تذهب فوائد هذه الاموال الى دول اخرى.

 

التأثير على اسواق النفط العالمية: العراق منتج اساي للنفط وموجود في منطقة حيوية واستراتيجية . منذ بدء الحرب على العراق زادت اسعار النفط من 37 دولار للبرميل ا( الاسبع الذي سبق الحرب) الى 90 دولار في نوفمبر 2007. هذا الاررفاع في اسعار النفط اثر في نمو الاقتصاد الاميركي ونقل مئات المليارات من الدولارات من مستهلكين اميركيين الى منتجي النفط. وللحرب على العراق اثرين في ارتفاع اسعار النفط العالمية الاةل مباشر و الثاني نفسي. و تقلص حجم الانتاج العراقي من 1,3 مليون برميل الى 600 الف برميل اليوم. ويؤثر ذلك  بشكل كبير على اسعار النفط، بالاضافة الى موضوع سيطرة الارهابيين على حقول النفط. فما هو الاثر لارتفاع هذه الاسعار على الاقتصاد الاميركي؟ هناك اثرين منفصلين الاول تسرب ونقل الاموال الى منتجي النفط الاجانب، ويمكن التخفيف من هذا الاثر بتخفيف استهلاك النفط وصرف العائدات في الولايات المتحدة الاميركية.

ويتوافق الاقتصاديين ان ارنفاع اسعار النفط لديه آثار ابعد من اي اثر مباشر وهو يخفف من النمو الاقتصادي بسبب انخفاض طلب المستهلكين وترشيد تكاليف المصانع التي تستخدم النفط . و قلصت اسعار النفط مدخول الولايات المتحدة ل 274 مليار دولار.

 

آثار اقتصادية اخرى:

 من الصعب تقدير حجم هذه التكاليف التي هي اخف من التكاليف التي ذكرت آنفا.

 

أثر الجرحى والمعوقين : اصيب الف جندي في العراق . و قدر مكتب الموازنات في الكونغرس كلفة العلاج بين العام 2003 و2017 ب 10 مليار دولار. وتلرتفع الى 13 مليار دولار اذا ما احتسبت الحرب الافغانية. ومن الواضح ان هذه التكلفة هي اقل بكثير من التكلفة الحقيقية، لانها حسبت التكلفة فقط للعام 2017 وليست طيلة الحياة. ,وتجدر الاشارة الى ان وسائل اعلاج تطورت مما قلص عدد الوفيات. كما ان المتمردين في العراق تطورت اسلحتهم مما ساهم في زيادة الاصابات وخطورتها ، عدا عن الاصابات النفسية ، عدا عن مصاريف الهالي على الجرحى، وهذا يرفع التكالبف بنسبة 25%.

 

تكاليف عسكرية اضافية: زادت كلفة التحفيز للتطوع للجيش والبحرية والاحتياط والحرس الوطني بين العام 2003 و2006 من تكلفة الحرب 800 مليون دولار واذا ما بقيت هذه التكاليف ثابتة ستزيدها 13 مليار دولار. ولم تحسب هذه التكاليف في الميزانية السابقة. و طلبت الادارة الميريكية زيادة في عدد المتطوعينستبلغ 650 الف جنديا و 27 الف للبحرية وتقدر التكاليف لهذه القوات ب 17 مليار دولار منذ العام 2008 حتى العام 2013. ومن الواضح ان الحرب على العراق وافغانستان عززت من الحاجة الى زيادة القوات العسكرية وتاخذ الحرب العراقية 80 % من التكلفة. و تبلغ من 85 الى 90 مليار دولار. بالاضافة الى الخسائر البشرية التي بلغت 3800 حالة وفاة يمكن وضعها في الطار الاقتصادي من ناحية خسارر المبدعين والطاقات في البلاد.

 

 لقد فاقت التكاليف للحرب الاميركية على افغانستان والعراق تلك التي حددتها الميزانية الاميركية بين ال 50 وال60 مليار دولار لتصل حتى الان بحسب التقرير الى 607 مليار دولار. هذا عدا عن التفقات التي طلبها الرئيس الاميركي جورج بوش للعام 2008 ، ستتخطى كلفة الحرب على العراق وافغانستان ال 1,6 تلرليون دولار. واذا ما استمرت الحرب على العراق بهذا النحو ستكون النتائج كارثية على الاقتصاد الاميركي، وفي احسن الاحوال اذا ما قررت الولايات المتحدة تقليص عدد جنودها في العراق ، مجرد الاستمرار في الحرب حتى العام 2017 سيكلف الولايات المتحدة 3,5 ترليون دولار، عدا عن آثار البلبلة في اسواق النفط . ولعل الامعان في الاستراتيجية الاميركية الخاطئة سيكلف الولايات المتحدة اهتزازا في امنها القومي وخسائر بشرية متعددة ستؤثر حتما على حجم النمو في الاقتصاد الاميركي، هذا عدا عن الاستدانة وفوائد تلك الديون التي يتكبد عناءها دافعو الضرائب في الولايات المتحدة.

 

هذه التكاليف الاقتصادية، اما تكاليف الأرواح فبلغت اكثر من 4000 جندي اميركي قتيل، و 30205 جريح (الكثير منهم في حال الخطر) وأكثر من مليون قتيل عراقي و5 ملايين مشرد ونازح!

لكن الآثار السياسية لها دورها أيضا، فحرب العراق اورثت ايران دورا هاما ومؤثرا أثبتته زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الاخيرة الى بغداد والتي شكلت اعترافا أميركيا بالدور الايراني. وفي كل يوم تفشل فيه الولايات المتحدة في العراق، تنجح فيه طهران ويكبر دورها ومركزها وتزداد قوتها. اما على الصعيد العربي، فان حرب العراق اورثت العرب انقسامات فيما بينهم حول مسألة التعامل مع العراق وكل مكون داخل العراق، وكيفية التعامل مع ايران من جهة والولايات المتحدة من جهة اخرى، ما زاد البيت العربي انقساما وزاد العراق مأساة وأطلق يد كل من طهران وواشنطن لتعبث كما تريد في بغداد.

 

 

الأهداف الحقيقية لحرب العراق

 

الهدف الأول: تأمين إستمرار تدفق النفط:

وهو هدف إستراتيجي يمس المصالح الأميركية والأوروبية وكذلك مصالح الصين واليابان لما للنفط من أهمية أساسية في الإقتصاد العالمي. إن أي تعثر في إمدادات النفط يسبب دون شك خللاً كبيراً للإقتصاد العالمي الذي لا يمكنه أن يصمد طويلاً أمام توقف هذه السلعة عن الوصول إلى الجهات المستفيدة منها.

هذا الهدف يشمل منطقة الشرق الأوسط بشكل عام ومنطقة الخليج بشكل خاص، حيث توجد معظم إمدادات النفط وإحتياط النفط العالمي. إن سيطرة القوات المسلحة الأميركية على العراق وعلى الخليج وتواجدها العسكري في بعض بلدان الخليج من شأنها أن تضمن إستمرار تدفق النفط من الخليج إلى بحر عمان والعالم عبر مضيق هرمز الذي يفصل بين إيران وعمان.

هل تحقق هذا الهدف؟ هل أصبح تدفق النفط مضموناً؟ إذا تطلعنا إلى الوضع الراهن في الخليج والوضع الذي كان سائداً عشية الحرب على العراق نرى أن الوضع السابق كان أفضل لتدفق النفط. لم تكن هناك مسألة أميركية إيرانية بالحجم الموجود اليوم. لم يكن هناك ملف نووي إيراني، كذلك لم يكن هناك دور إيراني في الخليج، هذا الدور الذي حصلت عليه إيران مجاناً من الولايات المتحدة بعد إسقاطها نظام صدام حسين ألد أعدائها. تدفق النفط وإن كان آمناً، لا يمكن إعتباره مستقراً طالما أن الخليج بأكمله يعاني من شكوك تطاول إستقراره بفعل الأزمات التي نشأت بعد إحتلال العراق والتي قد تستطيع دول الخليج استيعابها لفترة، إلا أن كبر هذه المشاكل والنزاعات وخصوصاً الخلافات حول الملف الإيراني سوف تجعل دول الخليج واقعة بين نارين تعرضان إستقرارها للإهتزاز وتعرض أيضاً تدفق النفط إلى المخاطر الأكيدة (أنظر إلى الإرتفاع المفاجئ والسريع لسعر النفط بعد الحديث عن إحتمال توجيه ضربة أميركية أو إسرائيلية إلى إيران).

 

الهدف الثاني: أمن إسرائيل:

إن أمن إسرائيل كما تراه الولايات المتحدة الأميركية هو أمن إسرائيل كما تراه إسرائيل. إن سياسة الولايات المتحدة تجاه النزاع العربي - الإسرائيلي هي سياسة إسرائيلية تنفذها حكومة الولايات المتحدة حيث يجمع الحزبان الرئيسيان على دعم أمن إسرائيل وفق ما تراه إسرائيل، ولن نتوقع في المستقبل المنظور أي تفريط بأمن إسرائيل من قبل أي إدارة تستلم السلطة في الولايات المتحدة.

أين هو أمن إسرائيل اليوم، من أمنها عشية غزو العراق قبل خمس سنوات؟

لقد أدت حرب العراق إلى تراجع كبير لعملية السلام في الشرق الأوسط وتحديداً النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، وكان لتركيز الجهود الأميركية على مواجهة الوضع الناشئ في العراق وخصوصاً الخسائر الأميركية جراء هجمات المقاومة العراقية، إضافة إلى الإضطرابات الأمنية والأهلية التي يتحمل الإحتلال الأميركي مسؤولية أساسية عليها وفق القانون الدولي، هذا التركيز أثر سلباً على عملية السلام التي تراجعت وازداد الضغط على الفلسطينيين ولم تؤد سياسات شارون الحديدية وبناء جدار الفصل العنصري وكل أشكال القمع والقتل إلى إخضاع الفلسطينيين، إنما حصل العكس فقد تراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية المنبثقة عن إتفاق أوسلو وخصوصاً بعد رحيل عرفات وتبوء محمود عباس سدة الرئاسة، لمصلحة الإسلاميين المتشددين المتحلقين حول حركة حماس، فحققت هذه الحركة فوزاً ساحقاً في الإنتخابات النيابية أدى إلى قلب المعادلات في النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي وفشلت الولايات المتحدة وجهود السلطة الفلسطينية وبعض العرب في كبح جماح هذه الحركة التي ما تزال تسيطر على غزة والتي توقع العديد من مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية أن تكمل سيطرتها على الضفة الغربية عند أي إنسحاب إسرائيلي من طرف واحد، وعندئذ سوف تجد إسرائيل ووراءها الولايات المتحدة نفسها أمام وضع جديد وخطير يمس أمنها وكيانها.

لا يمكننا هنا إلا أن نذكر حرب صيف 2006 التي حاولت فيها إسرائيل لمدة 33 يوماً من القصف الجوي والمدفعي والبحري والهجمات البرية أن تقضي على حزب الله، بدعم وتأييد ومباركة من الولايات المتحدة، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً إرتد عليها وشكل لها تهديداً كيانياً، لأنها الحرب الوحيدة التي لم تكسبها. وقد تمدد تأثير هذه الحرب إلى الداخل الفلسطيني حيث ارتفعت قدرات المقاومة الفلسطينية وباتت تشكل تهديداً جدياً لإسرائيل.

إن تركيز الجهود الأميركية على حرب العراق وإنفاقها الموارد المالية والعسكرية والبشرية في هذه الحرب لم يرسخ أمن إسرائيل، بل أدى إلى زعزعته وباتت الدولة الحليفة في وضع أسوأ وتعاني من القلق الوجودي.

 


 

الهدف الثالث: مكافحة الإرهاب:

هو هدف يقع ضمن إطار الحرب الأميركية المعلنة على الإرهاب. قبل دخول الولايات المتحدة إلى العراق لم يكن لتنظيم القاعدة وجود يذكر، لكن الإحتلال العسكري الأميركي شكل عنصر جذب لمقاتلي القاعدة والمؤمنين بأفكارها للقدوم إلى هذا البلد الذي سرعان ما تحول إلى ساحة جهاد ضد الأميركيين، وهكذا وخلال أشهر وبينما كانت القوات الأميركية تزهو بالنصر السريع في إحتلال العراق، كان تنظيم القاعدة يشق طريقه بسرعة إلى داخل العراق، واستطاع أن يؤسس إمارة جهاد وأن يحظى بدعم ومباركة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وتحول أبو مصعب الزرقاوي أمير القاعدة في بلاد الرافدين إلى قائد ورمز وأسطورة وتمكن من إحتلال منطقة الأنبار وفرض ثقافة القاعدة عليها، ثم توسع نفوذه إلى شمال العراق العربي خصوصاً في الموصل، وخاض قتالاً شديداً ضد القوات الأميركية وضد الجيش والشرطة العراقيين، ولم يؤد مقتله إلى تراجع كبير للقاعدة، كذلك لم تتمكن صحوة الأنبار من السيطرة تماماً على الموقف رغم التحالف الأميركي العشائري. وما زالت القاعدة موجودة في العراق وبكثافة ونشاط غير معهودين حملت الرئيس الأميركي بوش أن يقول أنه نجح في جذب عناصر القاعدة إلى العراق بدلاً من مواجهة خطرها داخل الولايات المتحدة!.

لم تحقق الولايات المتحدة هدفها في الحرب على الإرهاب، وبالعكس إزداد الإرهاب وانتشر وفاض عن حجمه، بحيث أن أحد الصحافيين زار إحدى الدول العربية وقابل أحد عناصر القاعدة الذي قال له: "انتظرت في العراق مدة ستة أشهر كي يأتي دوري لعملية استشهادية، حتى قالوا لي تأخر دورك فمللت وعدت لزيارة الأهل والأصحاب لأعود بعدها إلى ديار الجهاد، ويكون دوري قد حل للإستشهاد". ومن مظاهر الفيض القاعدي هو قدوم جماعات من القاعدة باسم فتح الإسلام إلى مخيم نهر البارد، ودخلوهم في قتال عنيف مع الجيش اللبناني أدى إلى مقتل العديد منهم ولم يعرف بعدها شيء عن إسم فتح الإسلام سوى أنه ظهر فجأة في غزة.

هكذا نرى إن إمدادات النفط لم تعد بوضع أفضل، وأمن إسرائيل أصبح مهدداً، والإرهاب توسع وإنتشر، وفشلت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها الحقيقية غير المعلنة بعدما ثبت كذب الأهداف المعلنة.

 

دخلوا لكن كيف يخرجون؟

لعل أكبر أزمة تواجهها الولايات المتحدة بعد إحتلالها العراق هي كيفية الخروج، أو بمعنى آخر وضع إستراتيجية للخروج Exit Strategy. كيف تخرج الولايات المتحدة وإلى من تسلم السلطة؟ كيف تخفض عديد قواتها، وهل تسلم قواتها المحدودة من هجمات المقاومة؟ الثابت أن الفشل السياسي له وقع أقسى وأكبر من الفشل العسكري، لم تستطع الولايات المتحدة تشكيل تحالف عراقي محلي موال لها أو صديق رغم كثرة أصدقائها بين عرب الخليج ومصر والأردن.

لقد حاولت بداية أن تصادق الشيعة على حساب السنة المؤيدين لنظام البعث وصدام، لكنها اصطدمت بمقاومة إيرانية وبنفور من الحلفاء العرب الذين لم يتحملوا وجود رئيس وزراء شيعي في العراق بغض النظر عن تحالفه مع الولايات المتحدة. هذه التناقضات التي لم يفهمها صناع القرار في الولايات المتحدة، كان لها تأثير سلبي بالغ على الأوضاع الداخلية في العراق. انفجرت الحرب المذهبية العبثية بين السنة والشيعة، قتل كثيرون دمرت منازل، تهجر الملايين تحت سمع وبصر القوات الأميركية التي لم تستطع أن تحمي حليفاً أو تقهر معادياً لها. بعد خمس سنوات نرى محصلة الوجود العسكري الأميركي في العراق معارضة شديدة من السنة والشيعة معاً.

لكن ماذا عن الأكراد وهم كانوا من أخلص الأصدقاء للأميركيين، وكانت منطقة كردستان العراق مرتعاً للأميركيين منذ 1991 وحتى اليوم. لكن الصداقة المفرطة للأكراد أثارت حفيظة الحليف التركي العضو في حلف شمال الأطلسي والدولة الديموقراطية الإسلامية التي تشكل مثلاً تدعو الولايات المتحدة وأروبا الدول الإسلامية إلى الإقتداء به. أصبح الأكراد أقوياء فقرروا فتح ملفهم مع تركيا وبدأ حزب العمال الكردستاني نشاطه من كردستان العراق وشن هجمات على القوات التركية، وكانت النتيجة توتراً كبيراً بين حليفي الولايات المتحدة تركيا والأكراد.

ولما ازدادت الهجمات لم تستطع الولايات المتحدة إلا أن تساير الحليف التركي وتسمح له بإستهداف مواقع حزب العمال الكردستاني PKK في شمال العراق ولمدة محدودة، وهكذا هاجمت الطائرات التركية والقوات البرية شمال العراق واخترقت سيادة العراق وأثار ذلك حفيظة الأكراد وأصبحوا على حذر من نوايا أصدقائهم الأميركيين مما دفعهم إلى التساؤل عما إذا كانوا يضحون بهم يوماً ما لحساب مصلحة مع تركيا في مكان آخر.

هكذا مضت خمس سنوات وليس للولايات المتحدة صديق تركن إليه بين كل المجموعات الطائفية والإثنية في العراق. أما أصدقاء أميركا العرب المعتدلون فإنهم ليسوا أفضل حالاً. الولايات المتحدة تطلب منهم إشهار العداء لإيران، وفور خروج الزائر الأميركي من البلد الخليجي نرى مسؤولاً من كل دولة خليجية يصل إلى طهران ليعرب عن صداقته لإيران، وعن السعي لعلاقات جيرة وتعاون وإخوة وحرص على إستقرار الخليج. إن حلفاء أميركا لا يتوقعون منها جدية ولا دعماً حقيقياً، وتراهم يهرعون إلى إيران للإعراب عن الود وحسن الجوار، وربما ما خفى عنا من كلام آخر يمكن تخيله في أي اتجاه ما عدا إتجاه التعاون مع الولايات المتحدة.

خمس سنوات من 2003 إلى 2008 وما زلنا نتوقع استمرار الإحتلال لوقت مديد، والأسباب كاذبة والأهداف فاشلة، والخروج صعب إن لم يكن مستحيلاً.

إنه المأزق الأميركي الكبير.