العدد الثاني والثلاثون - نيسان

فلسفة أميركا الإسرائيلية - القيامة هي نفسها

محمود حيدر
الاربعاء 23 نيسان (أبريل) 2008.
 

سوف نسعى في هذا الفصل إلى بيان المشترك اللاّهوتي بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وهو مشترك يقوم على معنيين مركزيين يُظهران وحدة النشأة والسلوك والممارسة:

 

المعنى الأول

السمة الاستيطانية لكل من الولادتين الأميركية والإسرائيلية. وذلك على القاعدة التي تقول بوجوب إحلال شعب لا أرض له، في أرض لا ينبغي لمن عليها أن يكون له أرض.

والمعنى الثاني: السمة اللاّهوتية التوراتية، التي تُبرز على الدوام البعد الميتافيزيقي للظاهرتين الأميركية والإسرائيلية، بهدف إضفاء طابع استثنائي ورسالي على كل منهما. وبالتالي جعل كل سلوك وممارسة، ينطلقان من حقّانية مزعومة للشعب المختار. وبأن ما يفعله هذا الشعب هو حق يستمد مصادره المتسامية من الحق الإلهي.

ولسوف يظهر لنا من المعاينة الإجمالية لسَيْرِيّة النشأتين، كيف ستنحكم كلا منهما إلى حضورية الاعتقاد الديني التوراتي، وإلى أن تستأثر الأيديولوجيا السياسية واللاّهوت بنظام الدولة، والمؤسسات، والمجتمع، والسلطة. في التجربة التاريخية الإسرائيلية المعاصرة كما في التجربة التاريخية الأميركية المتمادية في الزمن، ثمة حشد هائل من المفردات، والسِّير، والروايات الدينية، والأسطورية، ما يرسِّخ السمة اللاّهوتية العميقة بين التجربتين.

إن النزعة المركبة من الفرادة، والاستعلاء، والاصطفاء التي تنبني الثقافة السياسية الإسرائيلية عليها، ليست إلا الوجه الحقيقي للتريُّب من الآخر. إذ كل غير أو آخر في اللاّهوت الإسرائيلي يعود إلى عالم الأغيار. إلى أولئك الذين سخّرهم إله التلمود لخدمة شعب الله المختار. وليس من باب المصادفة أن ينبري بنيامين نتنياهو ليختم كتابه المعروف مكان تحت الشمس بقصة ذات دلالة صارخة على البارانويا اليهودية المعاصرة: تقول القصة أنه عندما طلب فريدريك الأكبر من طبيبه أن يأتيه ببرهان على وجود الله، اكتفى هذا بالقول: إن وجود اليهود هو الدليل على وجود الله.(1)

لم تنأَ حضورية الدين في الأطروحة الثقافية الأميركية عما نجده في المثال المعاصر للدولة اليهودية في فلسطين. بل يجوز القول إنهما جاءتا من نفس واحدة. لا سيما إن نحن رأينا إلى الهندسة الاعتقادية والمعرفية على النحو الذي يظهر في الفلسفة العملية للاّهوت السياسي الأميركي.

ثمة حادثة يستعيدها بعض الباحثين ويتعاملون معها كوثيقة تاريخية للدلالة على توظيف الكتاب المقدس في الاستراتيجيات العليا لأميركا.

صباح الثلاثاء، 4/1/2005، نقلت المحطة التلفزيونية العامة C-SPAN صلاة مجلس النواب التاسع بعد المئة مباشرة من كنيسة في مقر الكونغرس؛ حيث ذكَّر بعض الأعضاء بالأسس المسيحية لحكومتنا، وتحدَّث آخرون عن المأساة الآسيوية الرهيبة جراء كارثة تسونامي الأندونيسية. وفيما كان نوّاب يعربون عن تعاطفهم مع أُسَرِ ما يزيد على 150 ألف ضحية، توجَّه الزعيم التكساسي للأغلبية الجمهورية في المجلس، توم دولاي Delay، إلى منبر الوعظ وقرأ من الإنجيل؛ ثم تلا ـ قبل أن يعود إلى مكانه من دون أيّ تعليق ـ آيات تنتهي بقول يسوع:

... وكل من يصغي إلى أقوالي هذه ولا يعمل بها، سيكون أشبه بمغفل بنى بيته على الرَّمل. ثم هطلت الأمطار وجاءت الفيضانات وهبَّت الرياح، وضربت البيت؛ فانهار، ودُمِّر كلِّياً.

الباحث في الشؤون الأميركية غسان غصن سيعلِّق على خطبة دولاي، ليبيِّن المساحة التي تحتلها الاعتقادات الغيبية في دائرة القرار السياسي. يقول:

لو أردت الانضمام إلى المؤمنين بخُرافات الأرقام ـ وبخاصة الرقم سبعة، كما في سفر الرؤيا ـ لقلت إن هذا الموقف المستهجن من ذلك المشرِّع البالغ النُّفوذ يُعبِّر عن سبعة أمور:

أولاً: العنصرية: لأن الأغلبية العظمى من ضحايا الكارثة هم ممن يسميِّهم أمثال دولاي السُّمْر الصِّغار.

ثانياً: التديُّن المتعصِّب: لأن معظم الضحايا ليسوا مسيحيين؛ وحتى إن كان بينهم مسيحيون، فهؤلاء ليسوا مولودين من جديد born again.

ثالثاً: الاستعلاء والتجبُّر: لأن البلدان المتأذِّية ليست، مثل الولايات المتحدة، مدينة مضيئة على جبل... باركها الله... وكانت منيعة فخورة.

رابعاً: الاطمئنان إلى المساندة: لأن هناك أعداداً كبيرة ونافذة تُشاركه هذه الآراء والمشاعر، وتدعمه في مثل هذه المواقف.

خامساً: جهل الآخرين أو تجاهلهم: لأن التيار الرئيسي متواطئ، أو لا يعلم، أو يكترث؛ أو، ربما، لأن لا حول له ولا قوة.

سادساً: السعادة لحدوث الكوارث: لأن عشرات الملايين من الأميركيين يؤمنون بكونها أدلة توراتية على قرب انتهاء العالم وعودة المخلِّص.

سابعاً: التزاوج بين الأيديولوجيا واللاّهوت: لأن هذا التزاوج الحاصل للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، يستأثر بالحكم ويحتكر السيطرة على البلاد.

وفي نقطة هامشية ربما يراها البعض قريبة من نظرية المؤامرة، وقد تكون مجرَّد مصادفة؛ هي أن النص الذي اختاره دولاي يتألف من... سبع آيات، موجودة في الإصحاح السابع.(2)

 

اليهودية السارية في الزمن:

لو رأينا إلى القواعد السبع المذكورة من باب المقاربة، لوجدناها تكمن كجوهر يبث الروح في مجمل التأسيسات التلمودية للظاهرة الإسرائيلية. إذ مع صعود هذه الظاهرة، وتجسُّدِها ككيان جيوـ سياسي ديني في فلسطين في نهاية النصف الأول من القرن العشرين، لم تعد اليهودية مجرد دين خارج الزمان العالمي. فلقد أُخِدَت في الزمن الدنيوي حتى يكاد لا يُرى إليها كديانة. فالذي بدا في الواقع هو أن حكماء الحركة الصهيونية أفلحوا في تحويل الإيمان إلى أيديولوجية سياسية. لكن فرادة وخصوصية مثل هذا التحويل أنه ينطوي على مفارقة لم ينفصل فيها الديني عن الأرضي، ولا المتعالي عن الوضعاني. حتى بات الأمران أمراً واحداً لا يقبل الفصل والتمايز. ربما كانت اليهودية في ذلك أكثر الديانات استعداداً إلى التشيّوء. فقد حُمِّل الديني وزر الدنيوي. حتى لقد بدا سَبْيُ بابل، ورحلات التِّيه واضطهادات الحداثة، كما لو كانت حاصل ذاك الوصال الذي لا ينفكُّ أبداً.

هل يعني هذا أن التراجيديا اليهودية كانت حتمية، بسبب من الزمن الذي أخذها، او الذي أُخِذت فيه؟

بالطبع، ليست الصورة على هذا النحو. ثمة في المشهد الإجمالي ما هو مركّب، ومعقّد، وضبابي. لكن ينبغي أن نعثر على الفاصل الطفيف بين الحقيقة والتوظيف. وهو الشيء الذي استغرقت الحداثة الغربية في ظلماته، بدل أن تكتشفه وتؤسس عليه رؤاها لمقاصد الحركة الصهيونية. فلو رأينا إلى ما تقصد، لعثرنا عليه في الكيفيات التي سُيِّلت اليهودية فيها في الزمن السياسي الحديث. ثم لنجد كيف تحولت المنافع إلى عقائد، والسياسة إلى دين، والمال إلى وثن للعبادة. لكأن الأمر بالنسبة إلى حكماء اليهودية الجارية في الزمن جاء مقلوباً. حيث رُفِع الدنيوي إلى مقام الديني، وتسامى الوضعي على الغيبي، حتى صار كل ما في اللوح المحفوظ عرضة للاستباحة.

غير أن من نقاد الحداثة من ذهب إلى إجراء مقاربات أضاءت على منطقة الغموض المعرفي في جدلية الحضور اليهودي في التاريخ الحديث. لقد كان لكارل ماركس مطالعات جادة في هذا الحقل. فحين رأى إلى إله اليهودية بوصفه إلهاً علمانياً، وإلى حضارتها حضارة سوق، فإنما كان يرمي إلى أماطة اللثام عن التزييف الذي أجراه التلمود السياسي في الإيمان اليهودي الأول. كذلك كان الأمر قبلئذٍ عند إيمانويل كانط، الذي أنكر على اليهودي روحانيته، وخلع عليه مادية تاريخية صافية، ونظر إلى ديانته كعقيدة سياسية قومية، ووصف المسيحانية الممزوجة فيها، بأنها طموح إلى حياة أفضل لشعب يعيش الشتات والنفي.(3)

ربما كانت هذه التوصيفات نفسها هي التي ستحمل مفكراً يهودياً كإسحق دويتشر إلى البحث عن توصيف أكثر التصاقاً بواقع الكيان السياسي اليهودي في فلسطين؛ عندما اعتبر أنه في إسرائيل قام أقدم شعب في العالم بتشكيل أحدث دولة قومية. وإلى ذلك، يضيف، فإن هذا الشعب مندفع نحو التعويض على ما فاته من وقت. ولاسيما أن المثل الأعلى لجميع اليهود هنا، إنما يتجلّى في إنماء هيكل قومي وقائي ومتين، مما يقتضي ضمناً التخلص من حياة المنفى. إن إسرائيل هي دولة الشخص المشرَّد، ولهذا يكثر الحديث عندهم حول الجذور الضاربة.(4)

وإذا كان للنص التوراتي قابلية لتسويغ ما يسمونه الجذور الضاربة، فإن اليهودية السياسية التي أنشأها الغرب على صورته ستطيح مصدرها الالهي، ثم لتوِّظِفُه في حروب الزمان والمكان. لقد بدأت عمليات التوظيف في الأزمنة المتأخرة للحداثة، عندما ارتكبت فظائعها بحق اليهود. الأمر الذي منح الحركة الصهيوينة التقاط الفرصة العظمى لتحويل تلك الفظاعات إلى طقس ديني عالي الوتيرة. إذ مع انبساط جغرافية الاستيطان على أرض فلسطين، صار بالإمكان أكثر من أي يوم مضى أن تصبح الهولوكوست ديناً يدان به، وعقيدة تدين العالم بأسره، ثم لتُشعِره بذنب لا شأن له به.

لكن ماذا عن وجه الاشتراك بين القيامتين الإسرائيلية والأميركية؟

على ما يفضي إليه لاهوت التأسيس، لا شيء يشير إلى تناقض أو مباينة جوهرية في واحدية نشوء كل من إسرائيل وأميركا. تبيّن الدراسات التاريخية ان الثوار الإنكليز من البيوريتان (Puritans) المتطهِّرين الذين استوطنوا أميركا الشمالية، وأورثوها ابرز خصائصها وملامحها لم يستوطنوا لأسباب تجارية خالصة، ولم يهاجروا إليها طلباً لحرية العبادة وحسب، وإنما كانت تجسد لهم أيضا فكرة مستمدة من أدبياتهم العبرية ونظرياتهم عن نهاية الزمان. ففي أقل من خمسين سنة مضت على تأسيس جو سميث (John Smith) للمستعمرة الإنكليزية الدائمة الأولى في جميستاون (Jamestown) عام 1907 وصل إلى العالم الجديد 80 ألف مستوطن إنكليزي أسسوا فيه 18 جماعة مستقلة مختلفة. وتمتعت كل واحدة منها باستقلالها وسيادتها الكاملة، ومُنِحَت وسام العبرية ولقب الشعب المختار؛ ثم أنها قدّست اللغة العبرية، وطالبت بتطبيق شريعة موسى، وسمَّت مجالها الحيوي (Lebenstaum) من الأراضي المغتصبة باسم ارض كنعان، أو إسرائيل الجديدة، أو صهيون، أو أرض للميعاد، أو غير ذلك من التسميات التي أطلقها العبرانيون على فلسطين. كذلك كانت كلها تلتذُّ بإبادة شعوب أميركا بسادية واحدة، ومبررات أخلاقية وأسطورية واحدة أسقطت على نفسها، وعلى ضحاياها معظم الروايات العبرانية عن أرض كنعان وأهلها.(5)

كذلك سنجد ما يوطِّد صلة المعنى بين أميركا وإسرائيل لدى الشطر الأعظم من مؤرخّي وكتّاب الأطروحة الأميركية. وفي هذا المجال يبيِّن الباحث الأميركي لي فريدمان في كتابه حجاج في العالم الجديد أنَّه من اليوم الأول لوصول المستعمرين الإنكليز إلى العالم الجديد، وهم يريدون أن ينشئوا في أميركا دولة ثيوقراطية تعيد سيرة اليهود التاريخيين. فالخطباء والوعّاظ استمدّوا نصوص خطبهم من العهد القديم، أما الآباء فقد استعاروا منه أسماء أولادهم. لم تكن العبرية لغة ثانوية بل كانت عمود ثقافة المثقفين والمتعلِّمين المتدينين وغير المتدينين. وكان تاريخ اليهود في العهد القديم قراءتهم اليومية، بل لربَّما كانوا يعرفونه أكثر ممّا يعرفون تاريخ أي شعب.(6)

ليس من شك في أنَّ بعض هذه المحاولات آل إلى الإضاءة على ما يمكن وصفه بالبعد الميتافيزيقي للثقافة المؤسِّسة لأميركا. وضمن هذا السياق تُلقي دراسة الباحث في الشؤون الأميركية د. منير العكش الضوء على المعنى الإسرائيلي للنشوء الأميركي. في هذه الدراسة جلاء لقضية منهجية قوامها، أنَّ أميركا ليست إلاَّ الفهم البريطاني التطبيقي لفكرة إسرائيل التاريخية. وأنَّ كل تفصيل من تفاصيل تاريخ الاستعمار البريطاني لشمال أميركا، حاول أن يجد جذوره في أدبيات تلك الإسرائيل، وسعى بالتالي إلى تمثّل وقائعها، وأبطالها، وأبعادها الدينية، والاجتماعية والسياسية، وتبني عقائدها في الاختيار الإلهي، وعبادة الذات، وتملُّك أرض الآخرين وحياتهم. لقد ظنوا أنفسهم، بل سمّوا أنفسهم إسرائيليين وعبرانيين ويهودا، وأطلقوا على العالم الجديد اسم أرض كنعان، أو إسرائيل الجديدة، واستعاروا كل المبرِّرات الأخلاقية لإبادة الهنود الكنعانيين، واجتياح بلادهم من مخيّلات العبرانيين التاريخية . ليست العلاقة بالمعنى بين إسرائيل وأميركا مجرَّد تركيب ذهني أخذ المشتغلون بظواهره وألوانه، وبأعراض التشابه في النشأتين. وإنَّما هي علاقة تأسَّست على اعتقادات المهاجرين بأنَّهم بلغوا أرض الميعاد والخلاص. تماماً كالإعتقاد اليهودي بفلسطين. تذهب الدراسة، إلى أنَّ فكرة أميركا هي استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة عبر الاجتياح المسلَّح وبمبررات غير طبيعية وهذه محور فكرة إسرائيل التاريخية. ذلك أنَّ عملية الإبادة التي تقتضيها مثل هذه الفكرة مقتبسة بالضرورة بشخصيات (أبطالها) الإسرائيليون، الشعب المختار، (العرق المتفوِّق) وضحاياها (الكنعانيون، الملعونون، المتوحشون، البرابرة) ومسرحها (أرض كنعان، إسرائيل) ومبرراتها (الحق السماوي أو الحضاري) وأهدافها (الإستيلاء على أرض الآخرين واقتلاعهم جسدياً وثقافياً) ـ من فكرة إسرائيل التاريخية.(7)

لعل الاعتقاد بأنَّ هناك قَدَرَاً خاصاً بأميركا، وأنَّ الأميركيين هم الإسرائيليون الجدد والشعب المختار الجديد يضرب جذوراً عميقة في الذاكرة الأميركية، وما يزال صداه يتردَّد في اللغة العلمانية الحديثة، أو ما صار يعرف بالدين المدني، إنَّه اعتقاد يتجلَّى لعينيك في معظمهم المناسبات الوطنية والدينية، وفي كلِّ خطابات التدشين التي يلقيها الرؤساء الأميركيون، ومفاده أنَّ إرادة الله، والقدر، وحتمية التاريخ... إلخ اختارت الأمَّة الأميركية (الأنكلوسكسونية المتفوِّقة) وأعطتها دور (المخلِّص) الذي يعني حق تقرير الحياة والموت والسعادة والشقاء لسكان المجاهل.(8)

 

عقيدة الاختيار!

الأمر الأشد إثارة للمفارقة هي أنَّ فكرة الاختيار الإلهي طالما كانت محرِّكاً لولبياً في التاريخ الأميركي. بل هي الأساس الميتافيزيقي لمعظم الممارسات العنصرية في التاريخ القديم والحديث. ولشد ما أشعلت النيران في الحماسات والمشاعر والبواريد، وفي القرى والمدن، ونشرت ركام الموتى في أكثر من أربعين دولة اجتاحتها أو قصفتها الولايات المتحدة، وعزَّزت القناعة بأنَّ لأميركا قدراً أعلى من كل أمم الأرض، وأنَّه مهما حلَّ بإسرائيل فوق أرض فلسطين، فإنَّ إسرائيل الأميركية تبقى القلعة المحصَّنة لإعادة بناء قيمها ومبادئها وأخلاقها. إنَّ يهود الروح الذين يمثلهم الأنكلوسكسون هم الذين يحملون رسالة إسرائيل التي تخلَّى عنها اليوم يهود اللحم والدم، وهم الذين أعطاهم الله العهد والوعد، وهم الذين ورثوا كل ما أعطاه الله تاريخياً ليهود اللحم والدم ومعظمهم من ألدّ أعداء السامية . لقد اختار الله يهود اللحم والدم مؤقَّتاً، وبشروط أخلفوها، ولكنَّه اختار الأمة الأميركية (الأنكلوسكسون) مؤبَّداً، لأنَّها تستأهل الاختيار، ولأنَّه وهبها كل ما يلزمها من قوة وثروة لأن تكون شعب الله وفوق كل الشعوب، إلى الأبد.

وتلاحظ القراءات المعاصرة أنَّه منذ الفترة الإستعمارية الأولى كان أطفال القديسين يتعلمون أنَّ مسيرة التاريخ التي ترعاها يد الله البريطاني ونعمته أعطتهم دوراً خلاصياً. وكانت هذه الافتراضات تقترن بإيمان قيامي مزدوج الهدف: تجميع يهود العالم في فلسطين للتعجيل بمجيء المسيح، وتدمير قوى الشيطان التي كانت تتمثَّل يومئذٍ بالعثمانيين، والكاثوليك، والهنود الكنعانيين. وبالطبع فقد وجد بعض السياسيين الإنكليز في استعمار العالم الجديد فرصة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه في وطنهم. وبذلك تأكَّد لهم أنَّ خروجهم من جزيرتهم يضاهي الخروج الأسطوري للعبرانيين من أرض مصر، ولم يساورهم الشك في أخلاقية استعمارهم وحقهم في إبادة الهنود ومقارنة ذلك كلّه باجتياح العبرانيين لأرض كنعان وتأييد السماء لإبادة أهلها. بالإضافة إلى ذلك فإنَّ أدب المستعمرين الأوائل كلّه يؤكِّد هذه القدرية التاريخية التي نالت ذروة إبداعها في سيرة وموعظة جون ونثروب، أول حاكم لمستعمرة ماساشوستس. أمّا السيرة فوضع لها مؤلِّفها كوتون ماذر عنوان: نحميا الأميركي تأسِّياً بنحميا الأسطوري الذي قاد الإسرائيليين في عودتهم من سبي بابل إلى أرضهم الموعودة، ونظَّم الكثير من موجات الهجرة من بابل إلى يهودا، ثم أشرف على انتشال أورشليم من أنقاضها وأعاد بناءها مدينةً على جبل. وكانت الأجيال اللاّحقة قد صنَّفت هذا الحاكم مع يعقوب وموسى وداود، غير أنَّ اختيار نحميا، بطل إحياء إسرائيل، هو الذي طغى في النهاية. والواقع أنَّ كل سيرة نحميا الأميركي هي مثال على إصرار المستعمرين الإنكليز على التماهي بين تجربتهم في العالم الجديد وما يرويه العهد القديم. عن تجربة العبرانيين في العالم القديم، أو بتعبير صموئيل فيشر في شهادة الحقيقة: لتكن إسرائيل... المرآة التي نرى وجوهنا فيها. وأمّا الموعظة فهي تلك التي ألقاها ونثروب في الحُجَّاج على متن السفينة الأسطورية أربيلا، وأكَّد فيها على العهد الجديد بين الإسرائيليين الجدد وبين يهوه، وعلى الرسالة التي يحملونها إلى مجاهل أرض كنعان الجديدة: إنَّنا سنجد رب إسرائيل بيننا عندما سيتمكَّن العشرة منّا من منازلة ألف من أعدائنا، وعندما سيعطينا مجده وأُبّهته، وعندما يتوجَّب علينا أن نجعل نيو إنغلاند مدينة على جبل. وهذا التعبير هو رمز لأورشليم ولصهيون أيضاً، ولا يزال يستخدم إلى الآن للدلالة على المعنى الإسرائيلي لأميركا. وقد درج آخر أربعة رؤساء على استخدام هذا الرمز في مناسبات مختلفة، وهم رونالد ريغان، وجورج بوش الأب، وبيل كلينتون، وجورج بوش الإبن. ولم يكن الآباء المؤسِّسون للدولة الأميركية مثل جفرسون، وآدامس، وفرانكلين، وباين ـ أصحاب الإتجاه العقلاني والمذهب الطبيعي ـ بأقل حماسة للمعنى الإسرائيلي للأمّة الأميركية من الحجّاج والقدِّيسين وصموئيل لانغدون. ومعروف أنَّ فرانكلين وجفرسون كليهما أصرَّ على صورة الخروج الإسرائيلي: من مصر إلى كنعان كمثل أعلى للنضال الأميركي من أجل الحرية.(9)

هذه الأخلاق التي ضربت جذورها في عقدة الاختيار وكراهية الكنعانيين، ورافقت بناء أميركا لحظة لحظة، وجبهة بعد جبهة، هي التي جعلت الأميركيين يعتقدون اليوم، كما كان أجدادهم المستعمرون الأوائل يعتقدون قبلهم، بأنَّ لهم الحق المطلق في أن يقتحموا أي غرب في أي مكان من الأرض. إنَّ ميتافيزياء اقتحام الغرب التي نسفت نظام البوصلة، وأعدَّت العصر الذهبي لنظرية البريطاني مالتوس جعلت الغرب الأميركي في كلِّ الجهات وفي كلِّ الأرحام. إنَّه الغرب اللاّنهائي، بل إنه اللاّمكان، كل مكان. لكن الأهم من هذا إنَّ هؤلاء الآباء لم يكتفوا بحمل العقيدة التوراتية على محمل التبشير وحسب. ذلك على أهمية هذا الجانب في توفير المناخ السايكوسوسيولوجي والروحي للمهاجرين. فلقد انبرت النخب المؤسِّسة إلى بث الروح التوراتية في الدستور الأميركي. واللاّفت للإهتمام هنا أنَّ وضع الدستور قد شجَّع على توثيق وتثبيت المعنى الإسرائيلي لأميركا كما كتب رئيس جامعة هارفرد صموئيل لانغدون Samuel Langdon في رائعته جمهورية الإسرائيليين: نبراس للولايات المتحدة. هذه الملحمة التي هي في الأصل خطبة ألقاها في المحكمة العليا ـ سوف لن يجد قارؤها لحظة شك في أنَّه يقرأ مقاطع من سفر الخروج أو التثنية. بل إنَّ لانغدون فعلاً يفتتح كلامه عن ولادة الدستور بهذا المقطع من سفر التثنية: لقد علمتكم فرائض وأحكاماً كما أمرني الرَّب إلهي لكي تعملوا بها في الأرض التي أنتم داخلون إليها لتتملّكوها. فاحفظوا واعملوا، فتلك هي حكمتكم وفطنتكم في عيون الشعوب الذين سيسمعون عن هذه الفرائض ويقولون: ما أعظم هذا الشعب وما أحكمه وأفطنه...!. الواقع ـ كما يلاحظ صاحب كتاب أميركا والإبادات الجماعية إنَّ كل هذه الرائعة إنَّما هي شرح وتعليق وقياسات تمثيلية بين شريعة موسى والدستور الأميركي، وبين الإسرائيليين والأمة الإسرائيلية. فالدستور مناسبة للتأكيد على وجه الشبه بين ما نزل على موسى من ألواح وبين ما نزل على قلب واضعي الدستور. وهي مناسبة للتذكير بأنَّ إسرائيل القديمة والجديدة أمَّة مختارة، باركها الله قديماً بشريعة ليس لها مثيل، وجعلها فوق كل الشعوب نبراساً للعالم، ثم أكرمها حديثاً بدستور ليس له مثيل وجعلها فوق كل الشعوب مثالاً يُحتذى عبر كل العصور. فإذا تعلَّم الناس منهم طريقتهم في الحضارة (رفعوا من شأنهم، وإذا استكبروا وأبوا جرّوا على أنفسهم الدمار والخراب) والأضرار الهامشية (...) كذلك سوف يمضي لانغدون في المقايسة إلى الحد الذي يرى فيه أنَّ تأسيس مجلس الشيوخ ليس إلاَّ استمراراً لما فعله موسى عندما اشتكى إلى يهوه أنَّه لا يطيق الحكم وحيداً، فأمره باختيار سبعين من الحكماء والرتباء. ثم لم يجد لانغدون حرجاً من القول إن حكومة موسى كانت جمهورية وقائمة على المبادئ الجمهورية، وإنَّ قبائل إسرائيل كانت تحكمها حكومات محلية لامركزية ولا تختلف عن الحكومة المحلية للولايات المتحدة.(10)

 

1 ـ بنيامين نتنياهو ـ مكان تحت الشمس ـ ترجمة دار الجليل ـ الأردن ـ عمان ـ 1995 ص 359.

2 ـ غسان غصن ـ الخطر الأميركي الأشد ـ تسييس الدين أم تديين السياسة ـ مجلة شؤون الأوسط ـ بيروت العدد.

3 ـ محمود حيدر ـ يهودية الحقيقة والتوظيف ـ مجلة مدارات غربية العدد الخامس ـ كانون الثاني (فبراير2005).

4 ـ اسحق دويتشر ـ اليهودي اللاَّيهودي ـ ترجمة ماهر كيالي ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشرـ بيروت ـ 1971 ـ ص 65.

5 ـ منير العكش ـ تلمود العم سام ـ الأساطير العبريّة التي تأسست عليها اميركا ـ دار رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2004  ـ ص 30.

6 ـ منير العكش ـ أميركا والإبادات الجماعية ـ رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2003 ـ ص 123 ـ 124، وص 130

7 ـ منير العكش
-  
المصدر نفسه
-  
ص 124.

8 ـ Patrick Bucanan the American conservative March 24. 2003

9 ـ منير العكش أميركا والإبادات الجماعية ـ مصدر سابق ص 126.

10 ـ المصدر نفسه.

 

ملاحظة : حلقة أولى من كتاب سيصدر قريباً للكاتب تحت عنوان لاهوت الغلبة ـ التأسيس الديني للفلسفة السياسية الاميركية.