العدد الثاني والثلاثون - نيسان

مقاومة التطبيع ثلاثون عاماً من المواجهة

الخميس 24 نيسان (أبريل) 2008.
 

تأليف

 محسن عوض

ممدوح سالم

أحمد عبيد

 

الناشر

مركز دراسات الوحدة العربية

2007

 

 

التطبيع مع إسرائيل هو تثبيت الأمر الواقع

المواجهة الفعلية في إسقاط تطبيع شعوبنا مع أنظمتها ونظمها

 

عامر ملاعب

ما هو التطبيع وما هي حقيقة هذه اللفظة أو المرادفة، لغوياً على الأقل؟ ماذا نعني بكلمة تطبيع على ارض الواقع؟ أين هي الحدود أو الأطر التي نضعها في خانة التطبيع وما هي تلك المفاهيم التي تخضع لهذا العنوان؟

انطلاقاً من هذه الأسئلة يمكن أن نصنف بحثاً أكاديميا رزيناً تكلف عليه مؤلفيه الجهد الكبير كي يستجمع بين دفتيه معظم نواحي هذا الأمر في مناسبة مفصلية من تاريخ الأمة العربية والمنطقة، ويأتِ كتاب "مقاومة التطبيع: ثلاثون عاماً من المواجهة" (الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية) بعد مرور ثلاثين عاماً على زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل في تشرين الثاني عام 1977، والتي فتحت مفهوماً جديداً في علوم السياسة وهو باب التطبيع مع إسرائيل على مصراعيه، فدلفت منه العديد من النظم العربية فرادى وجماعات عبر المفاوضات الثنائية والمتعددة الأطراف، ومن خلال الاتفاقيات والتفاهمات الجانبية مع الكيان الإسرائيلي، ومن الواضح أن مفهوم التطبيع يكاد يكون محصوراً في خانة الصراع العربي الإسرائيلي، أي أن معركة تثبيت الكيان الوليد على ارض فلسطين لن يكتب له النجاح إلا بتطبيق مفهوم أو لفظة "التطبيع" أي قبول المحيط وصاحب الأرض بالأمر الواقع، وهي معركة فيها كل الأسلحة من التقليدية العسكرية إلى الاقتصادية وصولاً إلى الثقافية والاجتماعية والنفسية والدينية وما إلى هنالك، وبذلك يكون مفهوم التطبيع هو تثبيت الواقع بغض النظر عن مسألة الحق والأحقية والقانون والشرائع. 

في الحقبة التي بدأت بـ بشارة السلام الزائف، كما يسميه الكتاب، ووهم الرفاه الاقتصادي المفقود اللذين أطلقتهما إسرائيل والولايات المتحدة والنظم العربية المسماة بـ المعتدلة، تعهدت معظم النظم العربية بأن تكون حرب تشرين الأول 1973 آخر الحروب، لكن في الحقيقة فأن إسرائيل كانت دائماً هي التي تشنّ الحروب، وأنها سوف تواصل إستراتيجيتها بثبات في ظل مزاعم السلام، كما من دونها.
يتخذ مفهوم التطبيع عدة أشكال ومناحي في كيفية تطبيقه وقد استخدمت إسرائيل وأميركا شتى أنواع الطرق في سبيل الغاية المنشودة وهي تثبيت الكيان بالدرجة الأولى بالإحساس أو باللاوعي ثم على ارض الواقع، وهنا يحدد مؤلفي الكتاب زيارة السادات إلى إسرائيل بأنها فاتحة عصر التطبيع، العلني منه على الأقل، ولكن ذلك لم يكن بالواقع الصحيح، إذ كانت تلميعات عربية سخيفة تؤشر، على طريقة السادات في التمثيل والتسطيح، إلى مرحلة بداية سقوط النظام الرسمي العربي تحت وطأة الهزيمة التي اقترفتها أنظمة دكتاتورية متسلطة لجأت إلى حماية كراسيها عبر القفز إلى أحضان العدو وطلب حماية النظام ورأسه، وهنا أيضا يوضح الكتاب مدى تصاعد الحالة الشعبية الرافضة على امتداد العالم العربي في فرملة اندفاعات التطبيع لا بل في إعادة تشكيل مفاهيم جديدة للمواجهة من خلال اطر غير رسمية وتجمعات شعبية كما هي الحال في مصر والأردن وموريتانيا وبعض دول الخليج العربي بالتوازي مع ما كانت تخوضه حركات المقاومة بأشكال أخرى في لبنان وفلسطين التي أخرجت من التداول فكرة قبول الكيان الإسرائيلي على ارض فلسطين بسهولة أو ببساطة ولمجرد أن قبل به بعض الحكام.

يهدف هذا الكتاب إلى تقييم أبعاد التطبيع الحاصل بين بعض البلدان العربية وإسرائيل، والمدى الذي بلغه على المستويين الثنائي والإقليمي، وتطور آلياته، وجهود الحركة الشعبية لمناهضته، والتحديات التي تواجهها هذه الحركة. وقد تناول الكتاب موضوعه عبر خمسة فصول، تعرض ثلاثة منها لأبعاد التطبيع السياسي والاقتصادي والثقافي، والفصل الرابع لمخاطر التطبيع على الأمن القومي العربي، والفصل الخامس قضية المقاطعة ومقاومة التطبيع.

وبعد، هل تكف تلك الصفحات كي توف هذا الملف حقه؟ بالطبع لا، وهذا لا يسقط الجهد الكبير المبذول في سبيل الإحاطة به في الكتاب، ولكن هل توقفت عملية التطبيع عند تلك النقاط التي عالجها الباحثون؟ وهل التطبيع يتوقف على مقاطعة ذلك الكيان بشكل مباشر من قبل العرب بينما تعترف به كل أمم الأرض؟ أين هي أشكال ترسيخ مفهوم مقاومة التطبيع مع إسرائيل في دول العالم وبالحد الأدنى المبني على قوانين وتشريعات حقوق الإنسان؟

المشكلة الرئيسية أن أنظمة الاستبداد التي تستشعر الخطر الأكبر على نفسها من كل حركات المقاومة الثورية في داخل الكيانات العربية هي من يجب على نخب الأمة إسقاط أشكال التطبيع معها حتى نخرج من الحلقة المفرغة منذ بدايات القرن الماضي وحتى لا تصبح كل ثورة هي مغامرة يجب وأد دعاتها ومناصريها في المهد وإلا تفضلوا وافتحوا الأسوار المصونة حول غزة وأوقفوا المؤامرات الجهنمية لإجهاض المقاومة اللبنانية والعراقية.