العدد الثاني والثلاثون - نيسان

اسكندر حبش لتحولات : لا تتحمل المشاريع السياسية المثقف الحر صاحب الفكر النقدي

أسماء وهبة
الخميس 24 نيسان (أبريل) 2008.
 

لم يعد الشعر نشيدا ملحميا بعد تراجع الإيديولوجيا

اسكندر حبش ، كيف لنا أن نرسم بعض ملامحه ؟ هل هو شاعر أم مترجم أو صحافي؟ أم هو كل هذا؟ إنه من يدفع القارئ لقراءة قصيدته على طريقته! إنه الشاعر المتمهل في نصوصه الشعرية، الأنيق في مفرداته، المتأمل في جمله وبنائه الشعري.

 في حديثه ل "تحولات" يعرّف الشاعر والأديب والمترجم اسكندر حبش الرواد في الأدب، ويتحدث عن واقع الشعر اللبناني، وموقع النصوص المترجمة في العالم العربي:

* من هم الرواد اليوم في الحركة الشعرية بشكل خاص وفي الحركة الثقافية بشكل عام؟

 غالبا ما نميل إلى اعتبار أن الرواد في الأدب هم الذين جاءوا في حقبة تاريخية معينة. فإذا سلمنا جدلا أن الشعر العربي قد بدأت حركته التجديدية في أربعينات القرن الماضي نجد أن من جاءوا بالجديد فبالتالي اعتبروا رواد الشعر العربي بعد أن أنجزوا مشروعهم الأدبي والنقدي. ولكن في الحقيقة لكل حقبة تاريخية روادها سواء في العصر الأموي أو العباسي وحتى في العصر الحديث. و منذ حقبة الأربعينات يلاحظ تطور الشعر بشكل كبير، وضخ فيها العديد من الأفكار التي تستحق أن تأخذ دورها الطبيعي الفاعل في المجتمع. فالرائد، وأعتقد هذا، هو الذي يستطيع أن يأتي بشيء آخر غير المطروح والسائد على الساحة الأدبية.

* هناك من يعتقد أن الشعر اللبناني قد غاب عنه قضايا الالتزام والإيديويولوجيا. فهل أثر ذلك على شعراء الثمانينات والتسعينات؟

 لا أعتقد أن الإيديولوجيا بمعناها العام للكلمة ، من حيث هي نظم أفكار، قد غابت عن الأدب اللبناني والعربي. فمازال هناك اليوم بعض الشعراء الذين يميلون إلى كتابة القصيدة الملتزمة التي تطرح قضايا جوهرية واجتماعية. لذلك لا نستطيع أن نقول أن الإيديولوجيا قد اختفت كليا، ولكن أًصبح هناك أسٍلوب جديد يعبر عن هذه الأفكار. فالإيديولوجيا التي عرفناها في خمسينات القرن الماضي انتهت، لأن طروحاتها السياسية قد تغيرت ما فرض تغيرا في الشعر أيضا، الذي أصبح أقل خفوتا في النبرة، ولم يعد ذلك النشيد الملحمي الذي شهدناه في ستينات القرن الماضي.

* إذن هل نحن بصدد مرحلة شعرية جديدة؟

 بالطبع، هناك مفهوم جديد للكتابة الشعرية والعلاقات الاجتماعية والإنسانية، لأن الحياة تطورت بشكل سريع. وبالتالي لا يستطيع الأدب أن يتوقف عند أسلوب تعبيري محدد. فالحياة تخترع أحيانا أٍسلوب التعبير عنها!

* هل القصيدة النثرية اليوم تمثل ملامح هذه المرحلة الشعرية الجديدة؟

 للأسف لم يعد هناك من يكتب شعرا موزونا، وحتى الذين يكتبون الشعر المقفى أًصبح منظوما أكثر منه شعرا. فشعراء العمود هم الذين اختفوا، وليس صحيحا أن شعراء النثر قتلوا شعراء العمود! فقصيدة النثر تتيح لنا حرية أكبر في التعبير، لأنها غير محددة بوزن أو بقافية. ولكن لا أحد يرفض القصيدة الكلاسيكية وما تمثله من تراث شعري، إلا أنها لا تستطيع أن تعبر عن الحياة الحديثة.

* لماذا توضع دائما القصيدة النثرية في دائرة الاتهام والنقد القاسي من الشعراء الكلاسيكيين؟

 بالنسبة إلي لا أِشعر أنني متهم. فأنا أكتب ما أريد على طريقتي، كما انحزت إلى نوع معين من الكتابة. أما القصيدة النثرية فاتهمت في مرحلة سابقة بأنها ضد التراث والقومية، أما اليوم فلم تعد هذه الإتهامات موجودة. وإذا أجرينا إحصاءا الآن سنجد أن عددا كبيرا من الشعراء قد انحازوا إلى القصيدة النثرية بسبب الحرية التي تتمتع بها.

* ماذا الجديد الذي أحدثه شعراء النثر أو ماذا غيرتم في شكل القصيدة ومضمونها؟

من المؤكد أن هذه القصيدة الجديدة مختلفة عن القصيدة القديمة من حيث الموضوعات والشكل والأٍسلوب والمناخ. ولكن لا أعتقد أن الأدب يمكن أن يحدث فيه قطيعة بين التراث والحداثة، لأنه سلسلة متعاقبة تظهر فيه التغيرات على مهل. أما ماذا غيرنا كشعراء القصيدة النثرية، فلقد قدمنا أسلوبا أدبيا جديدا يختلف عن رواسب الحياة الماضية. من هنا أعتقد ان القصيدة الحديثة هي مشروع حياة قبل أي شيء آخر.

* ما هو موقع الشعر اللبناني اليوم رغم أن عمره الزمني لا يتجاوز المئة عام؟

لا يزال الشعر اللبناني في طليعة الشعر العربي. ولا نستطيع القول أنه قد تأخر إلا أن الشعر في دول الأطراف العربية قد تطور منذ نهاية سبعينات القرن الماضي، فيحن أنها لم تشكل حاضرة ثقافية في ذلك الوقت. لذلك يمكن أن القول أن الشعر العربي بما فيه الشعر اللبناني يمر اليوم بأفضل مراحله مقارنة بالشعر في أوروبا والعالم الذي يشهد بعض التراجع.

* هل يمكن أن نرجع تقدم الشعر العربي إلى تراكم الأزمات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي تدفع الشاعر نحو الإبداع؟

لا أحبذ الربط بين الشعر والأزمات لأنه طريقة تعبير موازية للحياة. والأدب بشكل عام يعبر عن هذه الأزمات. كما لعبت الحياة الحديثة دورا مفصليا في تطوير الشعر والثقافة العربية المتقدمة التي تبحث عن أسباب وجود أخرى، والتي ساهمت في تطوير الأدب بشكل عام دون أن يرتبط بالأزمات التي تلعب دورا في تحجيم الإبداع. فهذه التحولات الكبيرة التي نشهدها على المستوى الإجتماعي لابد أن تؤثر على الأدب والذي حدث بشكل إيجابي.

* ذكرت أن الشعر قد تراجع في أوروبا والعالم. فهل كان ذلك لصالح تقدم فنون أخرى مثل الرواية؟

أعتقد أن الحدث الأفضل هو انسحاب الإيديولوجيا من الشعر. فلم يعد مرتبطا بخطاب سياسي محدد، ولم يعد بوقا لأي حزب سياسي، بل أصبح كائنا مستقلا بذاته.

* يعتقد بعض النقاد أن العديد من الكتابات المنجزة اليوم لا تخرج من عمق الذات وتعتمد على قوالب جاهزة ليسهل ترجمتها. فإلى أي حد ترى ذلك صحيحا؟

ليس كل ما يكتب اليوم هو شعر عظيم. فهناك تجارب استهلاكية لا تنبع من عمق التجربة والتي سرعان ما ستختفي، لكن في المقابل يوجد تجارب حقيقية. وهنا لا أنكر أن هناك بعض التجارب تكتب حتى تترجم، بعد أن تحولت الترجمة إلى لغات الأجنبية هوس أصاب الكثيرين! إلا أننا لا نستطيع أن نعمم هذا الفعل على كافة الشعراء، لأن الجزء الأكبر منهم يكتبون دون أن يفكروا في مسألة ترجمة أعمالهم إلى لغات أخرى.

* ما هي المقاييس التي تحدد اكتشاف وترجمة الشعر اللبناني إلى لغات أجنبية؟

لا أعتقد أن الغرب يعرف تجربتنا الشعرية بشكل معمق، ولكن تلعب العلاقات الشخصية دورا أساسيا في هذا الموضوع. فبالنسبة لي لقد استطعت ترجمت بعض أعمالي إلى العديد من اللغات بسبب علاقتي بشعراء أوروبيين. فهذه العلاقات الشخصية هي التي تتحكم أحيانا في ترجمة الشعر.

* عندما أقرأ نصوصك المترجمة أطرح على نفسي السؤال التالي: لماذا تترجم؟ ولمن تترجم؟

أترجم لنفسي. فالنصوص التي أترجمها هي أعمال أحب إعادة كتابتها باللغة العربية. لذلك تعتبر الترجمة بالنسبة لي جزء من الكتابة، أي إنها الكتابة بأقلام الآخرين.

* ولكن قلائل هم المترجمين في العالم العربي!

يوجد الكثير من المترجمين في العالم العربي إلا أن الأزمة تكمن في تقنية الترجمة فللأسف توجد العديد من النصوص المترجمة ولكنها تعتبر كارثة بحد ذاتها بسبب افتقارها إلى الدقة كما تخضع للرقابة. مثلا كنت كتابا مترجما لكاتب أسباني والذي ترجم إلى اللغة العربية فاكتشفت حذف 100 صفحة من الكتاب من أصل 500 صفحة لأٍسباب سياسية وأخلاقية! لذلك يمكن الجزم أن الترجمة في العالم العربي تواجه مشكلة.

* هل المحاذير يضعها المترجم أم دار النشر؟

دار النشر حتى تصدر الكتاب عندها رقابة سياسية وأخلاقية في بلادها وأحيانا تضطر لأن تتماشى مع الجو السائد.

 

* أي رقابة تمارسها على نفسك أثناء الكتابة؟

لا أمارس أي رقابة سواء كانت سياسية أو أخلاقية، فالنص الذي أحبه أترجمه، أما أن ينشر أو لا ينشر فهذا أمر آخر.

* هل تعاني حركة الترجمة بشكل عام في العالم العربي من بعض التراجع؟

 الإجابة تجمع بين الإيجاب والسلب. فهناك الكثير من الكتب التي تترجم، ولكن هل كلها تستحق الترجمة؟ أعتقد أنه يجب أن نعيد التفكير في قضية الترجمة. فالعرب القدامى مثلا من الأمويين والعباسيين عندما ترجموا أعمال أجنبية أسسوا نهضة عربية كبيرة التي مازلنا نعيش على أطلالها. أما اليوم فيجب أن نترجم أمهات الكتب صاحبة الأفكار الحقيقية التي ربما قد تساعد في إنشاء نهضة ما.

* من الملاحظ أن المثقف العربي قد أبعد نفسه عن القضايا الكبرى ولم يعد متاحا للقارئ. لماذا؟

 ليس المثقف من أبعد نفسه، بل أبعدته القوى السياسية التي لا تستطيع التآخي معه، لأنه من يملك الفكر الحر. وبالتالي لا تتحمل المشاريع السياسية المثقف الحر صاحب الفكر النقدي، أما الجماهير فأصبحت تحب الاستماع إلى الخطاب المثير لمشاعرها!

* هل يجب على الشاعر أن يكون له مشروعه الخاص؟

 قضيتي هي الكتابة فأنا لا أكتب لأجل الكتابة بالمعنى البرناسي للكلمة ولكن الكتابة تضمن جميع القضايا الاجتماعية الأخرى.