العدد الثاني والثلاثون - نيسان

السنوات العجاف

هاني عبيد
الخميس 24 نيسان (أبريل) 2008.
 

إن الذهنية الشرقية تسببت في إضفاء نوع من القدرة الإلهية على الحاكم وأفسحت الطريق لفقر الأكثرية أمام عمة وغناء أشخاص قليلين، وأكبر وصف للغرب أنه يعتنق فكرة القانون، والقانون في الشرق يأتي من الله، والقانون في الغرب يأتي من وضع الإنسان، والنضال والحركة يشكلان لب الحياة في الذهنية الغربية خالدة أديب.

لم يكد ينتهي القرن الماضي إلا وقد تفعّل التمايز والتحديد بين ما سمّيَّ أكادمياً بالذهنية العربية ومثيلتها الغربية من حيث المفهوم الهيكلي الشامل والمتكامل الصيغة والنمط الحركيين، ولعل من أكثر النقاط تمايزاً بين هاتين الذهنيتين كَمَنَ - وبلسان مُنظِريّ كِلا الطرفين وبشكلٍ اتهاميّ  ـ بالتعاريف والوسائل المعرفية التي تنطلق عند الأولى من مرجعية ثابتة محورية بمتن إلهي متعدد الرسائل والشروح، لتأتي الذهنية الغربية بالوسيلة والتجربة والتحليل الإنساني وتعيد ترتيب المعارف ضمن أُطر الواقع البعيد عن الغيبيات. مما ولّد لازدواجية تعريفية عند القطبين انعكست تدريجياً على مجتمَعَين ببينونةٍ كاملة في الفكر والسلوك التشريعي والحياة الاجتماعية والدستورية ـ وانعكاساتها الاقتصادية والسياسية كتحصيل واجب ـ .

هذا التنافر في التعريف لجذرٍ أساسٍ كالمعرفة ولّد مع التراكم الزمني الهوة التي جعلت من الغرب كياناً معرفياً متحركاً حياتياً مستفيداً من انفعالاته وهزاته الفكرية التي جاءت ثورات تغيير أسست لبناء التفكير التركيبي المتجدد، بينما الفكر العربي انكفئ لمتاريس نصوصه وأمعن في انتقاء الأجمد منها لتصنيمه وفرضه إيديولوجيةً مقدسة بردِّ فعلٍ كبريائيّ على التفوق الغربي الحاضر بسلعه ونمطيته الديالكتيكية.

المعرفة في الشارع العربي تنبثق من ترسيخ فكر الحاجة إلى المقدس المُنزّه عن التعديل والتغيير، بالإمعان في الاستدلال والبحث في غيبياتٍ تاريخيةٍ لا إسقاط لها تبدأ من الخوض المزمن في تفاصيل النصوص وتجلياتها: كماهية عاد وثمود وموقع سدوم وعمورة الجغرافي لتنتهي بحوار رسمي على الصحف والقنوات الفضائية حول نوع العصا التي استخدمها موسى لشق البحر أو المكان الذي رَست فيه سفينة نوح... وأمثالها من التماديات التفصيلية، لتنعكس بالاستدراج المنتظم لتعميم النص في المجتمع كمفتاح العلوم من تشريع وقياس وصولاً للعلاج الجسدي بنفس النص بتكراره الببغائي مما يعيدنا وبلا إدراك ـ لعالم السحر الشرقي التكوين ـ القائم على حروفٍ بدرجاتٍ وقوىً متباينة يُستدل بها بطرقٍ بهلوانيةٍ لرسم المستقبل وتحديد القدَر بمفهومه الجامد البعيد عن الإرادة أو التغيير.

من هذا المنطلق يأتي البعد المعرفي العربي عاجزاً عن إحاطة المعطيات اليومية ومقتضياتها ومستهلكاً لنتائج الفكر المعادي بميكيافلية معلنة، تمتص الناتج وتكفّر النظرية وتستعين بالله وجنوده لرد الكيد للنحور.

المأزق المعرفي في الشرق يعكس انكسار الهيبة الإنسانية بتطويع الذات لنصٍ وتفسيرٍ وتحليلٍ محتكَر على أهل العقد والحل المتسلسلين من بوتقة التقديس الجامد والبعيدين عن التفاعل الحياتي القائم على إحكام العقل بمنطق التحليل والقياس والتراكم التجريبي للنهوض بقوانين عصرية تلبي غاياتها وتعكس مأزق الحال.

 

الارتداد الكلي لنصٍ مُسوّر ليس سلوكاً سَلفياً بمعناه الديني الأول أكثر مما هو استنهاضاً للقبيلة النائمة في عقل العربيّ والحنين للبداوة والحالة الجماعية التي تُختزَل فيها المحركات الاجتماعية من الفردانية إلى الجماعة والقبيلة بمعناها التوفيقي والريادي، هذا الارتداد الجماعي بالذهنية العربية يجد وقوده النص الأزلي ويراكم التفصيلات المتناسلة من الجذر القبلي كدوافع إيجابية للاستدلال بشرعيته، فيصير النص حجة على نفسه يهتدي بالتاريخ الأبتر المتعاقب بين حاكم وفقيه ورعية والمتجذر كأمر واقع شعبياً والمتناسل من المنظومة القبلية بكامل أبعادها الزمنية والعشائرية في توزيع المكاسب وتسويق فكر القصد الإلهي العقابي.

" نحن لا نؤمن بالفكر، لأننا لا نؤمن بالخلق والابتداع.. إننا قوم متّبعون.. إننا نلعن الابتداع.. إننا ندعو إلى فضيلة الاتباع " بهكذا كلمات يُشخّص عبد الله القصيمي مأزق الفكر العربي الذي كلّت قواه في تبرير التبعية والاتكال الفكري لنصٍ ومسارٍ وطريقةٍ وإله، واختزل الحياة إلى حلال وحرام وجواز ونهي، مما أرخى هذا العقل عن التماهي والعمل إلا في تدبر النص المُصمت بالاكتفاء بسَوق اللوازم والامتناع عن خوض المتون.