العدد الثاني والثلاثون - نيسان

روح الحداثة لطه عبدالرحمن التأصيل لحاضرية الاسلام

الخميس 24 نيسان (أبريل) 2008.
 
New Page 2

محمود حيدر

باحث في الفكر السياسي والفلسفي

رئيس تحرير مدارات غربية

 

حاول الفيلسوف العربي المغربي طه عبدالرحمن، مثلما هو في اكثر أعماله، ان يدخل في هذا الكتاب من مدخل غير مألوف. ففي الثقافة الفلسفية والفكرية العربية سلسلة غير منتهية من المقاربات، غالباً ما تترجّح بين الوصف، او التلقين، او اعادة تظهير ما سَبَقَ تظهيره. حتى لقد بدا لقرَّاء المفاهيم التي انتهجتها الحداثة الغربية كما لو انها تستعاد كثوابت تستعصي على‌ النقد، والتفكيك، والمغايرة.

مسعى طه عبدالرحمن في مؤلَّفه الجديدروح الحداثة، هو تناولٌ للمفهوم من محلٍ آخر. ومع اننا لا نزعم قولاً إن الرجل أتانا بيقين معرفي حيال قضية فكرية وفلسفية شديدة الإشكال والتعقيد، لكننا سنمضي معه في نصٍ قلّت نظائره في عالم النقد الفكري العربي المعاصر. لم يُرد طه عبدالرحمن النظر
الى الحداثة وفقاً لثنائية القبول او الرفض. او تبعاً لنسقٍ توصيفي اكتظَّ
به الأرشيف الفلسفي العربي سحابه قرنين متعاقبين. كان عليه ان يرى
الى المفهوم كمنجز إنساني لا مناص لثقافتنا العربية الاسلامية من التعامل معه بما هو كذلك. اي بما هو مفهوم وتجربة سارية في الزمن، لها ما لها، وعليها
ما عليها. بل هو ذهب الى ابعد من هذا ليرى الى الحداثة بوصفها مواقف، وفعاليات، واجراءات حضارية حية.

وعلى سيرته في التأسيس لمشروعه الفكري سيقدّم طه عبدالرحمن
الى‌ عمله هذا بالحجة المنطقية. وسيبذل مجهوداً بينّاً في إنشاء حجته تلك.
ربما ليتبيّن لقارئه ما يسوّغ مسعاه. وان ما يدعوه اليه يملأ له بعض فراغه، ولا يصرفه عن شأن جلل.

يستهل طه عبدالرحمن اختباره الفلسفي الجديد بقراءة واقع الأمر؛ مشيراً الى تيهٍ فكري يعيشه المجتمع المسلم ويتمثل في فتنةٍ مفهوميةٍ كبرى لا يعرف كيف يغادرها. فيأخذ في التخبط في معاقدها ومغالقها، فلا قدرة له على استيعابها، ولا طاقة له على صرفها. وما لم يهتدِ المجمتع المسلم الى‌ إبداع مفاهيمه او إعادة ابداع مفاهيم غيره، حتى كأنها من ابداعه ابتداءً،‌ فلا مطمع في ان يخرج من هذا التيه الفكري الذي اصاب العقول فيه.11)

وهكذا تستوي النخب العربية والاسلامية في رؤياها الى الحداثة، وفي سلوكها حيالها، على خط التقليد. الا ان تقليديتها لا تتخذ منحىً واحداً. ففي حقل الممارسة الفكرية نجد مع المؤلف نوعين من المقلِّدين:

-    نوع يضم الذين يقلّدون المتقدمين من المسلمين. أي اولئك الذين أخذوا بميراث السلف أخْذَ  اليقين. ويسميهم عبدالرحمن بـ مقلدي المتقدمين.

-    ونوع يضم الذين يقلّدون المتأخرين من غير المسلمين. اي الذين قطعوا من التراث، ليتواصلوا، وبدرجة اليقين نفسها مع المنجز المعرفي لحداثة الغرب. وهؤلاء عنده هم مقلّدي المتأخرين. . .

ويمضي مؤلف روح الحداثة في شرح طبائع هذين النوعين ليلاحظ
ان النوع الأول (مقلّدي المتقدمين) يروح يُسقِطُ المفاهيم الاسلامية التقليدية على المفاهيم الغربية الحديثة، من مثل إسقاط مفهوم الشورى على‌ مفهوم الديمقراطية، او مفهوم الأمة على مفهوم الدولة، او مفهوم الربا
على مفهوم الفائدة. ثم انه يتوسل في هذه الاسقاطات المختلفة بخطاب يريد
ان تكون له صبغة عملية توجيهية، لكنه لا يلبث ان يقع، ومن حيث لايشعر، في شَرَكِ الوعظِ المباشر. وتكون النتيجة الإجمالية من طريقة كهذه، أن يؤدي رد المفاهيم المنقولة (اي الاسلامية) الى المفاهيم المأصولة (اي الحداثية الغربية) الى محو تدريجي لخصوصية المفاهيم المنقولة.

(اما النوع الثاني اي (مقلِّدي المتأخرين) فإنه على العكس. يروح يتعاطى اسقاط المفاهيم الغربية المنقولة على المفاهيم الاسلامية المأصولة. كأن يسقط مفهوم العلمانية على مفهوم العلم بالدنيا، ومفهوم القطيعة على مفهوم: الجَبّ [وفقاً للقول المأثور عن الرسول(ص) انتم اعلم بأمور دنياكم].

ومفهوم الحرب الدينية على‌ مفهوم الفتح. وهذا النوع من المقلِّدين يتوسل في هذه الاسقاطات المختلفة بخطاب يريد ان تكون له صبغة استدلالية. الا انه لا يلبث ان يتعثر، وعلى خلاف ما يظن في القيام بشروطها. وتكون النتيجة ان يرد المفاهيم المأصولة (الاسلامية) الى المفاهيم المنقولة(الغربية) لينتهي الى محو خصوصية المفاهيم المأصولة.

وأما الحصيلة مما يذهب اليه هذان النوعان من المقلِّدين، انهما يعملان من دون ابداع. اذ أن مقلّدي المتقدمين يتَّبعون ما ابدعه السلف من غير تحصيل الاسباب التي جعلتهم يبدعون ما أبدعوه، ومقلّدي المتأخرين يتَّبعون ما ابدعه الغرب من غير تحصيل الاسباب التي جعلتهم يبدعون ما ابدعوه(ص12).

بعد هذا التوصيف النقدي ينتقل طه عبدالرحمن الى الضفة الموازية ليعرض ما يمكن اعتباره البديل المنهجي في قراءة الحداثة وروحها. سوف نجد يسوِّغ مسعاه ببيان أن مخالفته التقليد يقابلها عمل على ابداع مفاهيم اجرائية من داخل التراث العربي الاسلامي. وذلك بقصد استثمارها في توصيف و تحليل الآليات المنطقية والادوات المنهجية، التي استعملها علماءُ ونظَّار المسلمين
في انشاء مضامين التراث. ثم ليصل الى ابتكار قاعدتين منهجيتين نقديتين خاصَّتين به، وكل واحدة منهما تفيد - كما يقول - في التمرس بالابداع بقدر ما تفيد في ممارسة النقد.

مفاد القاعدة الاولى: كل امرٍ منقولٍ معترضٌ عليه حتى تثبت بالدليل صحته.

ومفاد القاعدة الثانية: كل امرٍ مأصولٍ مسلّمٍ به حتى يثبت بالدليل فساده.

          ثم يشرح مضمون كل من القاعدتين على الشكل التالي:

توجب القاعدة الاولى أن يكون نقدنا للمنقول هو المطالبة بالأدلة التي تُثبت صحته، ثم التعرُّض لها بالطرق الاستدلالية المشروعة، وذلك من أجل اختبار فائدتها في إثبات هذا المنقول؛ فيرجع مقتضى هذا النقد إلى وضع السؤال التالي: بِمَ تَثْبُت المفاهيم المنقولة؟ وقد نسمي هذا النوع من النقد باسم النقد الإثباتي؛ ومِثْل هذا النقد أنه يدفع عنا آفة الإسقاط التي يقع فيها مقلِّدةُ المتأخرين. وهم الذين لا قدرة لهم على نقد ما يَرِدُ عليهم من خارج مجالهم التداولي. ذلك أن تحصيل الأدلة المُثبتة هو أحد الطرق الموصِّلة الى إنتاج أمثال هذه المفاهيم في مجالها التداولي الأصلي، أو إعادة إنتاجها في غير هذا المجال. حتى إن المنقول الذي تَثبُت صحة أدلته يُصبح بمنزلة المأصول؛ وكلتا الحالتين -الإنتاج وإعادة الإنتاج- علامة على التوسل بأسباب الإبداع.14)

          اما القاعدة الثانية فتوجب أن يكون نقدنا للمأصول هو تعليق صحته بانتقاء الأدلة المبطلة، بحيث لا يَقلُّ استعدادنا لطلب هذه الأدلة، متى اقتضى الأمر، عن استعدادنا للمطالبة بالأدلة المثبتة لصحة المنقول؛ فيرجع مقتضى هذا النقد الى وضع السؤال التالي: بِمَ تَبطُل المفاهيم المأصولة؟ وقد نسمي هذا النوع الثاني من النقد باسم النقد الإبطالي؛ ومِثل هذا النقد لامحالة أنه يدرأ عنا، آفة الإسقاط التي يقع فيها مقلَّدة المتقدمين. اولئك الذين لا قدرة لهم على نقد ما يصدر من مجالهم التداولي؛ ذلك أن تحيل الأدلة المبطلة هو أحد الطرق الموصلة الى إنتاج أضداد هذه المفاهيم في مجالها التداولي الأصلي، أو إعادة إنتاجها في غير هذا المجال؛ وكلا الحالين - الانتاج وإعادة الإنتاج- يدل على نهوض الهَّمة الى الإبداع.

          وبهذا، - يقول المؤلف - يتبين إننا، في ممارستنا المفهومية، بعيدون عن تقليد المتقدمين بُعدَنا عن تقليد المتأخرين؛ إذ لا نعمد الى تغطية المفاهيم المنقولة بالمفاهيم المأصولة، وإنما نعيد إبداعها بما يجعلها تحمل جديداً ليس في أصلها، مضافاً الى جديدها الأصلي متى أمكن حفظه على تمامه. وميزةُ هذا الجديد المضاف أنه يكون موصولاً ببعض الأسباب المأصولة من غير أن يرتدَّ اليها، حتى يتوسل به المُتَلَقّي المسلم في إقامة الصلة بهذه المفاهيم المنقولة، وذلك لأن شعوره بوجود هذه الصلة هو الذي يُقوِّي لديه قوة الاستيعاب بما يسدّدها الى الإبداع.

          والمفهوم المنقول الذي يقصده عبدالرحمن في إعادة إبداعه، هو مفهوم رئيس تفرَّقت بصدده الأمة الى فِرَقٍ كثيرة، بعضها يؤيِّده الى حد تقديسه. وبعضها يُنكره الى حد تدنيسه، وبين هذين الطرفين عدد غير قليل منها، تتفاوت درجات تأييده او إنكاره؛ وليس هذا المفهوم الرئيس الا مفهوم الحداثة.15)

          وتجدر الاشارة هنا من باب الإيضاح الأضافي ان ما يقصده المؤلف في الموقف من المأصول والمنقول يشبه من بعض الوجوه موقف أحد الأئمة الذي قال: قولُنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب.

 

في دعوى الحداثة الاسلامية

          لعل ما يصل اليه المؤلف ليبني على تأويليته في قراءة روح الحداثة هو سعيه الى إعادة تعريف وتأصيل الحداثة بناء على القاعدتين المنهجيتين سابقتي الذكر.  فلقد إنطلق ليحقق مسعاه من التفريق بين حالين: روح الحداثة
وواقع الحداثة أي بين المفهوم المجرد للحداثة، وحقيقتها كتجربة في الجغرافيا الحضارية للغرب. وهكذا عمد الى بسط الأصول العامة التي تتأسس عليها نظريته للحداثة الاسلامية. حيث تتكون هذه الأصول العامة من ثلاثة مباديء تتحدد بها روح الحداثة، وهي: مبدأ الرشد ومبدأ النقد
ومبدأ الشمول. وكل مبدأ منها يقوم على ركنين اثنين؛ وبناء على هذه الأركان جميعاً، راح يشتغل بنقد بعض المسلَّمات التي انبنى عليها التطبيق الغربي لروح الحداثة، مبيّناً من خلال هذا النقد الكيفيات التي ينبغي أن يَتمَّ بها التطبيق الإسلامي لهذا الروح.

          وعلى هذا النحو فقدمضى طه عبدالرحمن في رحلته المعرفية للحداثة الى فحص عمليات التطبيق الإسلامي لروح الحداثة. في حالات معينة التزم في انتقائها بمعيار النموذجية المُثلى؛ ومقتضي هذا المعيار أن الحالات المختارة ينبغي أن تكون أفضل النماذج التي يمكن أن يُجرَى عليها هذا التطبيق؛ لذا سنراه يعمد الى ترتيب الكتاب ضمن ثلاثة أبواب، كل باب اختص بتطبيقِ مبدأ واحدٍ من المباديء الثلاثة لروح الحداثة على‌ حالتين نموذجيتين، كل حالة تطبّق ركناً من ركني هذا المبدأ.

          لقد انفرد الباب الأول بتطبيق مبدأ النقد على نموذجين أمْثَلَين، خصّص لكل منهما فصلاً مستقلاً، وهما: نظام العولمة ونظام الأسرة الغربية؛ فظهر أن نظام العولمة دخلت عليه آفات بسبب توسُّله بالتعقيل المضيَّق
وهو ما لايمكن أن يدفعه إلا التعقيل الموسَّع الذي يأخذ به التطبيق الإسلامي. كما ظهر أن نظام الأسرة الغربية دخلت عليه، هو الأخر، آفات مماثلة بسبب لجوئه الى التفصيل المطلق، ولا يمكن أن يدفعه إلا التفصيل الموجَّه الذي يأخد به التطبيق الإسلامي.

          وتولّى الباب الثاني بتطبيق مبدأ الرشد على نموذجين أمْثَلين آخَرين، متناولا كلَّ واحد منهما في فصل مستقل، وهما: الترجمة الحداثية والقراءة الحداثية للقرآن؛ فاتضح أن تحديث الترجمة يقتضي أن يمارس المترجم المسلم نوعاً من الاستقلال المسؤول حِيال النصوص الأصلية، فيتبع فيها، لا طريق الاستنساخ الذي ينحصر في وضع ترجمة واحدة للأصل الواحد، وإنما طريق الاستكشاف الذي يوجب وضع ترجمات متعددة لهذا الأصل. فلقد اتضح أن تحديث قراءة القرآن يقتضي أن يمارس القارىِء المسلم نوعاً من الإبداع الموصول، فيتَّبع فيها، لا الخططَ الانتقادية المنقولة التي تمحو القدسية والغيبية والحُكمية من النص القرآني، وإنما الخطط الانتقادية المأصولة التي تُثبِّت تكريم الإنسان وتوسيع العقل وترسيخ الأخلاق.

          وعلى السيرة نفسها اختص الباب الثالث بتطبيق مبدأ الشمول على نموذجين أمْثــَلين كذلك، متناولا كلَّ واحد منهما في فصل مستقل، وهما:
حق المواطنة وواجب التضامن؛ فتبيَّن أن المواطنة، في التطبيق الإسلامي، ترتقي الى رتبة المؤاخاة، متحققة بصفة التوسع المعنوي؛ إذ أنها، بفضل عملها بـ مبدأ الإخلاص، تتَّقي الانفصال الذي تقع فيه المواطنة الليبرالية؛ وبفضل عملها بـ مبدأ الأمة، تتَّقي الانغلاق الذي تقع فيه المواطنة الجماعانية وفقاً للمفهوم الغربي الحديث للجماعة) كما أن التضامن، في هذا التطبيق، يرتقي الى رتبة التراحم، متحقَّقاً بصفة التعميم الوجودي؛ إذ أنه، بفضل استناده الى علاقة الإنسان بالخالق والمخلوقات جميعاً، يتَّقي الانفصالات الثلاثة التي يقع فيها التضامن، وهي: الانفصال عن التراث والانفصال عن الطبيعة والانفصال عن الحَيَّز.

          وأخيراً تولَّت خاتمة الكتاب الإجابة عن اعتراض محتمل على الاشتغال بالتطبيق الإسلامي لروح الحداثة؛ إذ يسأل المعترض عن جدوى هذا الاشتغال في وقتٍ حلَّ فيه طور ما بعد الحداثة محلَّ طور الحداثة؛ فجاءت هذه الإجابة توضّح كيف أن التجاوز ما بعد الحداثي الذي حصَل، تَعلَّقَ أصلا بالواقع الحداثي الغربي وليس بروح الحداثة نفسها، وكيف أن ما بعد الحداثة تبقى، هي الأخرى، تطبيقاً لهذه الروح مَثَلُها في ذلك مَثَلُ التطبيق الإسلامي.20)

          يأتي الكتاب الجديد لطه عبدالرحمن ليضع لَبنات الحداثة الإسلامية بعد كتاب سؤال الأخلاق الذي بسط فيه نقده للحداثة الغربية؛ وسوف يلاحظ القارىء أنَّ الكتابين يتكاملان مضمونا وسياقا؛ فلَمْ يَنتقد المؤلف ما نقَدَ
في الأوَّل إلا لكي يُمهِّد الطريق لما ذهب اليه في الثاني، حتى إن وضعه هذا يبدو وكأنه الأصلُ في نقْد ما نَقَد.

          هذه اطروحة جديدة في الحداثة، مفهوماً وتجربة وسياقاً. لكن اهميتها انها مولّدة للسؤال في لحظة تحتدم فيه إشارات الاستفهام على نحو
لا قِبَل للمجتمعات العربية والإسلامية بها من قبل.

 

 

الكتاب: روح الحداثة

المؤلف: طه عبدالرحمن

الناشر: المركز الثقافي العربي- بيروت- الرباط 2007