الإعلام العربي .. والتقرير : الناقد إبراهيم العريس والانتصار المهني "للعربية"

العدد 5 تشرين الثاني 2005
السبت 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005.
 
في الوقت الذي يعلن فيه القاضي الألماني ديتليف ميليس إن تقريره ليس نهائياً، وفي الوقت الذي يجمع فيه الباحثون والمفكرون والسياسيون، على أن التقرير يشتبه ولا يتهم، ويعتمد صيغ "على الأرجح ومن المحتمل ويبدو وربما"، وفي الوقت الذي يجمع فيه اللبنانيون حتى أشدهم تطرفا ضد سورية، على أن التقرير غير كاف، يظهر الإعلام العربي في معظمه، وقد حسم أموره، وأصدر حكمه غير القابل للنقض أو المراجعة بإدانة سورية شعبا وأمة، أطفالا وشيوخا ونساء، تاريخا وجغرافيا، بجريمة الاغتيال، وليضرب هذا الإعلام عرض الحائط بأي دراسات قانونية، أو قراءات سياسية، خارجا على الرأي العام بابتسامة عريضة، على حد وصف الناقد السينمائي إبراهيم العريس، فيها الكثير من التشفي والشماتة، إلى حد أن يقول مذيع لبناني، إن التقرير ورقة نعي لسورية، مستعيد شعار النائب اللبناني أحمد فتفت وتيار المستقبل، "توت توت سورية عم تموت"، والموت في كلا المقولتين، ينصب على سورية الأمة، وليس على النظام، كما هو واضح.

العناوين الرئيسية التي تناولت التقرير، أجمعت على إبراز الظني في التقرير على أنه حقائق لا تقبل النقض، وخاصة عبر "العربية"، في متابعة لنهج اتبعته الفضائية المذكورة منذ وقت مبكر، سبق سقوط بغداد، والمتابع يرى إن معظم الاتهامات التي طالت سورية إنما سوقت عبر "العربية" العتيدة، التي يستغرب المرء استخدامها هذا الاسم وهي التي تؤكد ليل نهار على انهيار "اللغة الخشبية العتيقة" التي ترى في هذه البقعة من العالم كلاً واحداً، وإن كان ممزقاً، تقطنه أمه عربية، ويبدو إن العربية ما قصدت باسمها سوى اللغة التي تنطق بها، أما السياسة والموئل فهي في اتجاه آخر تماماً، ربما اتضح حين كانت العربية عبر مراسها أول من أشار إلى لجوء المقاتلين العراقيين إلى فندق فلسطين، أثناء اقتحام القوات المحررة الأمريكية لبغداد، وهو ما أدى لقصف الفندق، وسقوط عدد من الصحفيين بينهم مراسل قناة "الجزيرة" المنافسة.

وأعود لمقالة الناقد السينمائي، إبراهيم العريس اللبناني، المنشورة في جريدة الحياة "اللبنانية" والتي تحمل عنوان: "اليوم التلفزيوني الطويل بدأ بابتسامة راغدة درغام.." والتي تستحق وقفة طويلة، في مقال يبتغي مراجعة الأداء الإعلامي العربي، في مواكبة تقرير ميليس، إذ يبدأ الناقد السينمائي مقالته بـ: "اليوم التلفزيوني الطويل الذي عاشه اللبنانيون جميعاً، أمس، وربما عاشه معهم عرب كثر.." لاحظ إن الرجل يرى في المسألة شأنا لبنانياً فقط، ويتابع.." بدأ .. بابتسامة مشعة مفاجئة ... كان واضحاً أن تلك الابتسامة أتت لتقول كل شيء، لتفتتح الاحتفال.." هي هكذا بالضبط، احتفالاً، فلا هي إعلام، أو إخبار، أو بحث عن حقيقة مفترضة، أو حتى عزاء لضحية كشف قاتلها، بل هو احتفال..

ويتابع العريس إن عيون الناس شخصت إلى أربع محطات، فيما: "بعض الجهات المتهمة لم ير سوى أن يتوجه الى الفضائيات مباشرة، وها هو أحمد جبريل يطل مدافعاً، ومسؤول في الأحباش ينفي، وحتى القصر الجمهوري اللبناني.. (وهؤلاء) قالوا كلاماً منتمياً الى سنوات ما قبل التلفزة، حين كان يمكن نفي البديهي والمؤكد، تحت غطاء ايديولوجية ما قبل الصورة.."، (هكذا..) ولا أدري كيف رأى الناقد السينمائي اتهام الثلاثة المذكورين كبديهية، علما بأن ميليس نفسه نفى في مؤتمره الصحفي إن يكون جبريل أو الرئيس اللبناني متهمين، ويتابع العريس: "وزير لبناني سابق من المصرّين دائماً على تكذيب البديهي، جاء، ولكن عبر صوته.." ومرة أخرى يرى العريس في الاتهامات بداهة، دون أن ندري كيف، اللهم إلا أن كان مشاركا في عملية الاغتيال، ويتابع السينمائي العتيد: "بالنسبة الى محطات التلفزة نفسها، وعلى الأقل بالنسبة الى الأربع التي ذكرنا، (مستقبل، إل بي سي، جزيرة، عربية) لم يكن المجال مناسباً لاخفاء المشاعر.!! حتى المذيعون والمراسلون صاروا جزءاً من "المعركة" (لاحظ).. لكن "المستقبل" كسبت سباق الانفعال الحماسي، ازداد صراخها وحماستها، بالنسبة اليها بات كل شيء محسوماً، بالنسبة اليها كانت هي دائماً على حق، من دون شائبة، وبدت كأنها تريد البدء في توزيع الحلوى، "إل بي سي" التي لا شك تحمل الموقف نفسه، بدت على أية حال أكثر تحفظاً، وأحياناً الى درجة تغيظ.." !!!!

ويبدو أن غيظ الرجل جاء من عدم توزيع الحلوى هنا أيضاً، ويناقض العريس نفسه، وأقرانه من الإعلاميين في العربية والنهار ومعارييف، حين يقول: "قال القائلون ان سورية متهمة! حسناً، من اتهم سورية؟ هل اذا كان ثمة بضعة عشر لبنانياً، في السجن أو في طريقهم الى السجن الآن، معناه ان لبنان هو المتهم؟".. وهذا هو السؤال الذي نحيله للعريس نفسه، ولأقرانه وأشباهه، رغم ان تقرير القاضي الألماني باعتراف ميلييس ذاته ليس نهائيا، ورغم التحفظات القانونية العديدة، إن صح أن ثمة متهمين في سورية، هل يعني ذلك أن سورية كلها مدانة، وأنها في طريقها إلى الموت بعد ورقة النعوة التي أطلقها إعلام "العربية"..؟

ويتابع العريس إن التنافس عاد بين الجزيرة والعربية، ويرى ويا للعجب إن العربية حققت انتصار مهنياً.!!. ضاربا عرض الحائط بكل أبجديات الإعلام، فمنذ متى كان الانحياز الصارخ، دون تدقيق أو تمحيص أو تروي، انتصار مهنياً، إن كانت السي إن إن، مثالكم الإعلامي والأيديولوجي، لا تتهم مباشرة، وتكتفي بأن على سورية أن تتعاون لمتابعة التحقيق، فكيف يصبح افتراض الإدانة نصرا مهنياً، وكيف يصير فشلاً ما مارسته الجزيرة حسب الناقد السينمائي نفسه: "الجزيرة" اختارت منذ زمن، موقعها. موقعها مال نحو التشكيك بميليس وبكل ما يمثله.. هنا بدا الوهن المهني واضحاً، تماماً كما هي الحال بالنسبة إلى ما يتعلق بالعراق. " غريب أمر هذا العريس وأقرانه، أليس الإعلام والصحافة مهمتها الأولى هي التشكيك بغية الوصول إلى الحقيقة بعيدا عن مال الرشوة السياسي، والموقف السياسي المسبق، أليس موقف الجزيرة مما يجري في العراق هو الاصح مهنيا باعتراف السي إن إن وبدليل الموقف الأمريكي من القناة المذكورة، أم إن الصح مهنيا أن تكون صوتا لمعاريف وهآرتس فقط..؟ ومعروف إن الجزيرة ومنذ بدء الأزمة اللبنانية الأخيرة مع دولة تصادف أنها مجاورة، تعرضت لقصف الإعلام (العربي) لأنها كانت تقدم الرأي والرأي الآخر، وكانت تهاجم سورية كغيرها، لكن خطيئتها بحسب كم كبير من المقالات في جرائد لبنانية عدة، إنها لم تتبنى موقف أصحاب الثورة البرتقالية، ثورة ساحة الشهداء، الذين يغيرون الجغرافيا ويكتبون التاريخ كما يريدون، ويصنعون المستقبل أيضاً، أليسوا هم أصحاب شعار توت توت..!!

والطريف إن العريس يصل إلى "السؤال حول الموضوعية والمهنية اللتين كثيراً ما يجري الحديث عنهما بالنسبة إلى مستجدات الزمن الفضائي الجديد"...!!! ويجيب هو ذاته عن السؤال مدعيا: لا تزال السيطرة لألسن الخشب، ولا تزال الأفضلية للحماسة وللايديولوجية، ولا يزال سوء استخدام اللغة والمصطلحات سيد الموقف..." ويخطأ السينمائي مرة أخرى، فالأوصاف التي يطلقها بما تعنيه من قومية وعروبة ووقوف في وجه إسرائيل وطروحاتها، لم يعد موجوداً، ربما باستثناء محطة "المنار"، ولا ندري ما يقصد العريس السينمائي، حين يرى إنه ليس كافياً توزيع محطة المستقبل للحلوى، وإعلان العربية نعي سورية، وإطباق الإل بي سي على عنق الشعب السوري، ماذا تريد إذا، هل ينبغي على المحطات الفضائية نصب المشانق؟ هل المطلوب من المذيعين والمعديين أن ينزلوا إلى الشوارع العربية للبحث عن أي مشتبه بأن في دمه أو صبغياته المورثة شيء سوري، ليضعونه على الخازوق..؟ هل ينبغي على المخرجين في المحطات العربية أن يعلنوا صراحة براءتهم من عروبته وقوميتهم ولغتهم العربية، وإسلامهم وتاريخهم وجغرافية بلادهم، كي لا يتهموا بالاقتراب مما يشبه السوريين، وبالتالي كيلا يتهموا باللاموضوعية واللامهنية وبألسن الخشب والأيديولوجيا.. وهذه الأسئلة ذاتها يصح توجيهها للغالبية العظمى من القائمين على المحطات العربية وخاصة منها "العربية"، ولن نذكر الحرة، كيلا نساهم في غزو عسكري بري على المنطقة، لن يتردد العريس وأقرانه في طلبه، لو تجرأ أحدهم وذكر محطة "الحرة" بسوء..

وأخيراً لم نذكر العريس لشخصه، بل لما حملت مقالته من اختصار لما يجري في الإعلام العربي، وخاصة في جانب تعاطيه مع تقرير ميليس، وتعاطيه مع كل ما يمس هذه البقعة من العالم، ولعلنا نذكر كيفية تعاطي الإعلام العربي ذاته مع العراق، وأزمة أسلحة الدمار الشامل، وحينها كان العريس، ولو تكن "العربية"، وكيف نشأت "العربية"، كيف تعاطت مع الشأن العراقي لاحقاً، وأين وقفت بالنسبة لمحطة السي إن إن مثلاً، وأيهما كان أكثر موضوعية، وأيهما كان أكثر صدقاً والتصاقا بما يجري، وما بين سقوط بغداد والابتسامة التي غطت الوجوه، وما بين التهليل لدخول الدبابات الأمريكية إلى بغداد والتهليل لصدور تقرير ميليس، ما بين الاحتفالين، والرغبة في توزيع الحلوى، وتبادل ابتسامات الشماتة، يكشف بعض الإعلام العربي، وهو أكثرية، عن وجهه الصريح.. وتبدو السي إن إن ومعاريف أكثر قربا وأكثر مهنية بالمعنى الحقيقي، وليس بالمعنى العريسي.. يا عيب الشوم..